برز التمويل الإسلامي العقاري في السنوات الماضية كأحد أبرز أدوات التمويل العقاري، لا سيما مع انتشار البنوك الإسلامية التي نجحت في فرض وجودها وإثبات كفاءتها في النظام المالي العالمي، بحيث أصبحت قطاعاً مالياً موازياً ومؤثراً في الاقتصاد الدولي. وإلى جانب حجم النمو والانتشار الجغرافي المتنامي، أثبت هذا القطاع قدرة على الصمود أمام الأزمات المالية، وقدرة على ابتكار الأدوات الماليّة.
يعرف التمويل الإسلامي العقاري بأنه تمويل لشراء عقار أو بنائه أو تطويره، ولكن يُصاغ وفق أحكام الشريعة الإسلامية. ويعتمد عادةً على بيع أو تأجير أو مشاركة مرتبطة بالعقار بدلا من تقديم قرض بفائدة.
ويتمثل الاختلاف الجوهري بين التمويل الإسلامي العقاري والتمويل العقاري التقليدي في طبيعة العلاقة التعاقدية وآلية تحقيق العائد. فعلى عكس التمويل التقليدي الذي يقوم على تقديم القروض مقابل فائدة محددة، وتقوم العلاقة على مبدأ «الدائن والمدين»، فإن التمويل الإسلامي العقاري يعتمد على المشاركة في المخاطر والاستثمار الفعلي من خلال الملكية أو البيع أو الإيجار.
وبالتالي يقوم التمويل التقليدي على مبدأ «إقراض المال مقابل فائدة»، بينما يقوم التمويل الإسلامي على «التبادل التجاري، التملك، والمشاركة في الأصول».
ما يعني أن الفرق الأساسي هو طريقة بناء العقد. ففي التمويل التقليدي، يمنح البنك العميل قرضًا لشراء العقار، ويُسدَّد أصل القرض مع فائدة وفق جدول متفق عليه. وقد تكون الفائدة ثابتة أو متغيرة بحسب العقد.
لكن في التمويل الإسلامي، يتم الأمر من خلال عقد بيع أو إيجار أو مشاركة مرتبط بالعقار، ويكون العائد وفق صيغة المشاركة، بدل فائدة على قرض. حيث يشتري المموّل العقار ثم يبيعه أو يؤجره، أو يمتلك حصة فيه مع العميل.
وبناء على ذلك، في التمويل التقليدي، تُنقل ملكية العقار باسم المقترض مباشرة من اليوم الأول مع تسجيل رهن لصالح البنك، ويتحمل المقترض وحده كامل المخاطر والأضرار التي قد تصيب العقار. بينما في التمويل الإسلامي، ينتقل العقار أو حصصا منه إلى ملكية البنك أولاً، ويتحمل البنك التبعات والمخاطر المتعلقة بالأصل قبل نقل ملكيته النهائية للعميل تدريجياً.
الأسرع انتشارا
على الرغم من صعوبة الحصول على أرقام دقيقة حول قيمة سوق التمويل العقاري الإسلامي، إلا أنه يمكن الجزم بأن هذا التمويل أصبح أحد أسرع قطاعات التمويل الإسلامي نمواً، مدفوعاً بالطلب المتزايد على السكن وبرامج التملك الحكومية والتوسع الجغرافي للمؤسسات المالية الإسلامية. ولم يعد مقتصرا على الدول الإسلامية فحسب، وإنما امتد جغرافيا إلى أسواق جديدة في أوروبا وإفريقيا وأمريكا الشمالية، حيث بدأت مؤسسات مالية دول مثل المملكة المتحدة وكندا والولايات المتحدة وجنوب إفريقيا تقديم منتجات تمويل عقاري إسلامية لخدمة الجاليات المسلمة وغيرها، ليس لدوافع دينية فحسب، وإنما لعدة أبعاد مثل الرغبة في تنويع المنتجات المالية، واعتماد صيغ تمويل قائمة على الأصول الحقيقية.
وفي حين تقدر الأصول الإسلامية العالمية بحوالي 5.5 تريليونات دولار، ومن المتوقع أن ترتفع إلى 7.5 تريليونات دولار بحلول 2028، فإنه يتوقع أن يصل التمويل العقاري الإسلامي وحده إلى 1.8 تريليون دولار بحلول 2030.
صيغ التمويل العقاري الإسلامي
يتخذ التمويل العقاري الإسلامي عدة صيغ في تقديم التمويلات العقارية، ومن أبرز هذه الصيغ والأدوات:
1- المرابحة. وهنا يقوم البنك بشراء العقار المالي وتسجيله، ثم يبيعه للعميل بسعر أعلى يشمل التكلفة الأصلية بالإضافة إلى هامش ربح معلوم ومحدد متفق عليه، ويتم سداد المبلغ على أقساط مؤجلة.
2- الإجارة المنتهية بالتمليك. في هذه الحالة، يقوم البنك بشراء العقار ثم يؤجره للعميل فترة زمنية مقابل أقساط إيجارية متفق عليها، مع وعد بنقل ملكية العقار إلى العميل في نهاية مدة العقد إما عن طريق البيع بسعر نمطي أو عبر الهبة.
3- المشاركة المتناقصة. يستخدم هذا الخيار في الغالب عندما يمتلك العميل جزءا من قيمة العقار، وبالتالي يدخل البنك مع العميل كشريك في شراء العقار، ويسهم العميل بجزء من رأس المال والبنك بالجزء الباقي. ثم يشتري العميل حصة البنك تدريجياً عبر دفعات دورية حتى تتنقل ملكية العقار بالكامل للعميل.
4- الاستصناع. يلجأ إلى هذه الأداة في الغالب عند بناء وتطوير العقار. حيث يتعهد البنك ببناء العقار وفق مواصفات محددة وتسليمه للعميل خلال مدة زمنية معلومة مقابل ثمن مؤجل أو مقسط متفق عليه.
تحديات
بالتأكيد لا يخلو الأمر من صعوبات وتحديات توجه التمويل الإسلامي العقاري، ومن أبرز هذه التحديات:
- ارتفاع تكاليف إدارة الأصول ورسوم الإجراءات، مثل إجراءات نقل ملكية العقار أو تسجيله أكثر من مرة، ما يزيد الرسوم والوقت. ولكن بدأت الكثير من الأنظمة في تطوير قنوات إنجاز هذه المعاملات وبالتالي معالج هذه الكلفة.
من جانب آخر، نظرًا لأن المؤسسات المالية الإسلامية تصبح مالكة أو شريكة في الأصل العقاري، فإنها تتكفل بمصاريف التأمين التكافلي، واستصدار التراخيص، وإدارة المخاطر المتعلقة بالصيانة الأساسية للأصل قبل السداد الكامل.
- محدودية الخيارات في هذا التمويل مقارنة بالتقليدي. حيث يتركز التمويل الإسلامي العقاري في أسواق معينة، وقد تقل المنتجات المتاحة أو الجهات الممولة في أسواق أخرى.
- عدم التكافؤ بين الودائع والتمويلات. حيث تعتمد البنوك الإسلامية إلى حد كبير على حسابات الودائع قصيرة أو متوسطة الأجل، بينما تُعد التمويلات العقارية استثمارات طويلة الأجل (تمتد غالباً من 15 إلى 30 سنة).
- تعقيد العقود. فقد تختلف المرابحة والإجارة والمشاركة في توزيع الملكية والمسؤوليات والمخاطر، وقد يصعب على العميل مقارنة العروض أو فهم التزاماته.
- تفاوت الأحكام والآراء الشرعية في بعض التفاصيل، ما يؤثر في توحيد المنتجات وثقة العملاء.
- ارتفاع المخاطر في بعض صيغ التمويل. فمثلا في الإجارة أو المشاركة قد يتحمل المموّل بعض مخاطر الملكية، بينما يواجه المطوّر مخاطر تأخر البناء وارتفاع أسعار الفائدة او تكاليف المواد وتغير أسعار العقارات.
وفي عقود المرابحة طويلة الأجل، قد يتعرض البنك لمخاطر الهامش في حال ارتفعت التكلفة التشغيلية للسيولة في السوق، أو العكس بالنسبة إلى العميل إذا انخفضت الفائدة بالسوق وظل ملتزماً بنسبة ثابتة.
- صعوبة تمويل المشروعات الكبيرة التي تحتاج إلى تمويل طويل الأجل. حيث تتطلب بعض الصيغ الإسلامية ترتيبات تعاقدية وإدارة مخاطر أكثر تعقيدًا.
- محدودية البيانات والإحصاءات المنفصلة التي تقيس حجم التمويل العقاري الإسلامي أو تقارنه مباشرة بالتمويل التقليدي.
- تأثر معدلات الربح أو الأجرة بالمؤشرات السائدة في السوق، وبالتالي تتقارب الأقساط مع التمويل التقليدي، رغم اختلاف البنية التعاقدية.
- عدم مناسبة بعض الأنظمة والضرائب للتعامل مع البيع أو التأجير الذي تتطلبه بعض صيغ التمويل الاسلامي. وعلى الرغم من هذه التحديات، ومع النمو المتزايد للتمويل العقاري الإسلامي، فإن الكثير من الدول باتت تطوع أنظمتها واجراءاتها بما يخدم أدوات هذا النوع من التمويل ويتجاوز الكثير من تلك التحديات.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك