حذّر تقرير استراتيجي جديد صادر عن المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية من أن دول الخليج تواجه مرحلة إقليمية شديدة الاضطراب، تتسم بحالة «لا حرب ولا سلام»، بعدما كشفت الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران عن ثغرات في الافتراضات الأمنية والاقتصادية التي استندت إليها دول المنطقة لعقود، وفرضت مراجعة شاملة لحساباتها الدفاعية وشراكاتها الدولية وخططها لتحقيق الازدهار والاستقرار.
وأوضح التقرير، الذي يحمل عنوان «الخليج في الحرب» وأُعد ضمن ملف حوار المنامة 2026، أن البحرين والسعودية والإمارات والكويت وقطر وسلطنة عُمان كانت تعوّل على علاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، وأهميتها في أسواق الطاقة العالمية، وثقلها الاقتصادي، وسياساتها القائمة على الانخراط المحسوب مع إيران، لتجنب تداعيات الصراعات الإقليمية. غير أن الحرب أظهرت هشاشة بعض هذه الافتراضات، رغم نجاح دول الخليج في إبداء قدر من الصمود وتجنب السيناريوهات الأسوأ.
وأشار التقرير إلى أن المواجهة عززت إدراك دول الخليج لطبيعة التهديد الإيراني متعدد الأبعاد، وأثارت تساؤلات بشأن مدى موثوقية الضمانات الأمنية الأمريكية، في وقت لا تزال فيه دول المنطقة تعتمد على التكنولوجيا الأمريكية وقدراتها العسكرية وتكاملها الدفاعي. كما سلط الضوء على توجه متزايد نحو تنويع الشراكات الاستراتيجية والدفاعية، إلى جانب تباين المواقف الخليجية بشأن الموازنة بين الحوار والاحتواء والردع في التعامل مع إيران.
أكثر من 6 آلاف صاروخ وطائرة مسيرة
وفي تقديره لحجم المواجهة، ذكر التقرير أن إيران أطلقت أكثر من 6 آلاف صاروخ باليستي وطائرة مسيرة باتجاه 12 دولة قبل وقف إطلاق النار في 8 أبريل 2026. كما استهدفت منشآت الطاقة التي ترتبط بنحو ثلث إمدادات النفط العالمية، وأكثر من 10% من إمدادات الغاز الطبيعي، و19% من صادرات الغاز الطبيعي المسال عالميًا.
ولفت إلى أن تداعيات الحرب تجاوزت الجانب العسكري لتطال أمن الملاحة والتجارة والطاقة، خصوصًا بعد اضطراب حركة المرور عبر مضيق هرمز، في ظل غياب تسوية حاسمة. ورأى أن استمرار تدفق السفن يظل مرتبطًا بقدرة الولايات المتحدة واستعدادها لمواصلة جهودها البحرية، بينما أظهرت إيران استعدادًا لتحمل كلفة المواجهة وإلحاق أضرار بالملاحة والبنية التحتية للطاقة والمنشآت المدنية في الخليج.
أربع أولويات دفاعية عاجلة
وحدد التقرير أربع فجوات رئيسية يتعين على دول الخليج معالجتها، تشمل إعادة بناء مخزونات الدفاع الجوي في ظل النقص العالمي، والتصدي للهجمات المكثفة منخفضة الكلفة بالطائرات المسيرة، وتطوير قدرات الضربات بعيدة المدى لتعزيز الردع، وسد الثغرات في القدرات البحرية.
كما حذر من أن تداعيات الحرب قد تؤثر طويلًا في ثقة الأسواق المستوردة للطاقة، ولا سيما في آسيا، بموثوقية الإمدادات الخليجية وأمنها، بما ينعكس على جاذبية المنطقة للاستثمار. وأكد أهمية تنويع الاقتصادات بعيدًا عن الاعتماد المفرط على المحروقات، رغم الضغوط التي تواجه بعض الافتراضات الأساسية لخطط التنويع الاقتصادي.
ودعا التقرير إلى تعزيز مرونة دول الخليج عبر إصلاحات واسعة تشمل توزيع قدرات البنية التحتية الحيوية وتقليل الاعتماد على المرافق المركزية، وزيادة الاحتياطيات الاستراتيجية، وتوسيع الإنتاج المحلي من الغذاء والمياه. وخلص معدّا التقرير، الباحث الأول في شؤون الشرق الأوسط بالمعهد الدكتور حسن الحسن، ومدير الأمن الإقليمي إميل حوكيم، إلى أن دول الخليج تمتلك الأدوات والموارد اللازمة للتكيف مع المرحلة المقبلة، غير أن تحويل هذه الإمكانات إلى استجابة فعالة يتطلب تنسيقًا سياسيًا واستراتيجيًا أوثق، إلى جانب الاستثمار في المرونة وتعزيز قدرات الردع.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك