التواصل الثقافي بين البحرين والسعودية يعكس روابط راسخة تجمع البلدين والشعبين الشقيقين
أكدت الشيخة مي بنت محمد آل خليفة رئيس مجلس أمناء مركز الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة للثقافة والبحوث أن الحفاظ على التراث وإحياء المواقع التاريخية يبدأ بالمحبة والإيمان بقيمة المكان وذاكرته، مشددة على أن الثقافة ليست ترفا، بل استثمارا في الإنسان والذاكرة والمستقبل، ووسيلة لحماية الهوية وتعزيز حضورها لدى الأجيال الجديدة.
جاء ذلك خلال لقاء بمكتبة الملك فهد الوطنية في الرياض، ضمن الجلسة الثالثة عشرة من لقاءاتها الثقافية، تحت عنوان «الثقافة وذاكرة المكان.. حكايات وتقاطعات»، حيث استعرضت الشيخة مي تجربتها في إحياء البيوت التاريخية وتوظيفها في خدمة الثقافة والفنون، متناولة العلاقة بين المكان والإنسان، ودور المؤسسات الثقافية والإعلام والمجتمع في صون الذاكرة العمرانية والتراثية.
وروت رئيس مجلس أمناء مركز الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة للثقافة والبحوث بدايات تجربتها مع مكتبة والدها التي آلت إليها بعد وفاته عام 1986، وما احتوته من كتب ورسائل ومخطوطات ومراسلات مع شخصيات فكرية وأدبية عربية، من بينها أمين الريحاني وعبدالعزيز الثعالبي ومحمد رشيد رضا.
وأوضحت أن هذه الوثائق فتحت أمامها باب البحث في التاريخ، وقادتها إلى إنجاز مؤلفات استندت إلى المصادر والرسائل، قبل أن تتجه إلى إحياء مجلس جدها الشيخ إبراهيم، الذي أصبح نواة لمشروع ثقافي امتد لاحقا إلى بيوت ومواقع تاريخية أخرى.
وأشارت إلى أن التجربة بدأت بجهود فردية، ثم اتسعت لتشمل مشروعات ثقافية وتراثية متعددة، وصولا إلى مشروع «طريق اللؤلؤ»، الذي تحول إلى مشروع وطني يعيد الاعتبار إلى الأحياء التاريخية في المحرق، ويمنحها حياة جديدة من خلال ربط التراث بالنشاط الثقافي والسياحي.
وشددت على أن إحياء المباني القديمة لا يعني تجميدها عند زمنها الأول، بل يستلزم تحقيق التوازن بين أصالتها ومتطلبات الحياة المعاصرة، من خلال ترميمها وفق معايير علمية والاستعانة بالمتخصصين، مع توظيف أدوات التصميم والتقنيات الحديثة بما يحفظ روح المكان ولا يطمس خصوصيته المعمارية.
وقالت إن المدن تستطيع التطور ومواكبة العصر من دون أن تفقد ذاكرتها، إذا توافرت القوانين والضوابط التي تحمي المباني التاريخية، إلى جانب الوعي بأهميتها والعناية بالتفاصيل التي تمنح الأحياء القديمة شخصيتها، من الأزقة والواجهات إلى المزروعات والمساحات المحيطة بها.
وأضافت أن نجاح التجربة لا يقوم على المباني وحدها، وإنما على الإنسان الذي يمنح المكان روحه، مؤكدة أهمية الحفاظ على السكان الأصليين وعدم دفعهم إلى مغادرة أحيائهم التاريخية، إذ لا يمكن صون هوية المكان إذا فقد أهله ونسيجه الاجتماعي.
واستشهدت بتجربة مركز الشيخ إبراهيم في مساعدة بعض الأسر على البقاء في الحي من خلال ترميم منازلها، بما أسهم في الحفاظ على استمرارية الحياة فيه.
الحب والوعي أساس حماية التراث
وعن الدروس التي يمكن أن تستفيد منها المدن العربية في حماية تراثها أكدت الشيخة مي أن المحبة هي المحرك الأساسي لأي مشروع ثقافي ناجح، إلى جانب رفض الإهمال والعمل على تغييره، لكنها شددت في الوقت نفسه على ضرورة الالتزام بالقوانين والمعايير المتخصصة في ترميم المواقع التاريخية، معربة عن أسفها لإزالة معالم تراثية في بعض البلدان العربية أو تعرضها للإهمال والتدمير.
وأشادت بالتجارب التي تشهدها المملكة العربية السعودية في مجال حماية التراث وتطوير المواقع التاريخية، مشيرة إلى العلا وجدة التاريخية والدرعية بوصفها نماذج تعكس الاهتمام بالموروث العمراني وتوظيفه في استقطاب السياحة الثقافية.
وفي حديثها عن التوثيق التاريخي أوضحت أن الذاكرة الشخصية والرواية التاريخية تحتاجان إلى التمييز بين التجربة الإنسانية وما تثبته الوثائق والمراجع، معتبرة أن قراءة التاريخ تتأثر بالمصادر المتاحة والاجتهادات المختلفة، كما أكدت أن الحرية تمثل أساسا للعمل الإبداعي والبحثي، شريطة اقترانها بالمسؤولية واحترام الآخرين.
وحول دور الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة في حفظ الذاكرة قالت إن هذه الأدوات يمكن أن تسهم في نشر المعلومات وتيسير الوصول إليها، لكن الحس الإنساني والقدرة على استيعاب خصوصية المكان وروحه يظلان عنصرين أساسيين في التعامل مع التراث، وأكدت أن المنزل والأسرة يمثلان نقطة البداية في تعزيز ارتباط الأجيال الجديدة بهويتها، قبل الهواتف والتقنيات المختلفة.
دعوة إلى صندوق عربي لحماية الآثار
ودعت إلى إنشاء صندوق عربي يُعنى بحماية الآثار وترميم المواقع التاريخية في مختلف البلدان العربية، على غرار المبادرات الدولية التي تتجاوز الحدود الوطنية في عملها، مؤكدة أن التراث العربي وحدة متكاملة، وأن حماية معالمه مسؤولية مشتركة تتطلب التعاون وتبادل الخبرات وتوفير الدعم المستدام.
وأشادت بجهود الصندوق العالمي للآثار في ترميم المواقع التاريخية حول العالم، مشيرة إلى أهمية المبادرات التي تستعين بالخبراء والمتخصصين، وتعمل على حماية المواقع المهددة، ثم تترك مسؤولية صيانتها وإدارتها وتوظيفها للجهات المعنية بها.
كما كشفت عن توجه مركز الشيخ إبراهيم إلى توسيع نطاق جهوده خارج البحرين، من خلال العمل على إحياء بيوت تاريخية في مدن عربية، من بينها القاهرة، معربة عن أملها أن يمتد المشروع مستقبلا إلى القدس، بما يعزز حضور الثقافة العربية ويحافظ على الذاكرة التاريخية للأماكن.
الثقافة ليست موسما.. والإعلام مطالب بدور أكبر
ودعت الإعلاميين إلى تسليط الضوء على التراث باعتباره مكونا أساسيا من الهوية، لا يقل أهمية عن القضايا السياسية التي تستحوذ على مساحة واسعة من الاهتمام العام.
وقالت إن الثقافة تمثل مساحة للمقاومة والتعبير عن الأفكار والأحلام، ومنفذا لإنتاج المعرفة وصناعة المستقبل، مؤكدة ضرورة منحها مكانة أكبر في السياسات العامة والبرامج التعليمية، بما يساعد الأجيال الجديدة على التعرف على تاريخها وموروثها.
وفي هذا السياق أشارت إلى أهمية التراث الشفوي والمفردات الشعبية والحكايات المرتبطة بالأماكن، باعتبارها جزءا من الذاكرة القيمية للمجتمعات، لافتة إلى أن توثيقها وإعادة تقديمها للأطفال من خلال البرامج والأنشطة الثقافية يسهمان في إبقائها حية ومتداولة بين الأجيال.
كما أكدت أهمية الشراكة بين القطاعين العام والخاص في دعم المشروعات الثقافية، موضحة أن العديد من المبادرات التي احتضنها مركز الشيخ إبراهيم تحققت بفضل مساهمات الداعمين والمهتمين بالشأن الثقافي، إلى جانب الدعم الرسمي، وأن العمل الفردي مهما بلغت أهميته لا يستطيع تحقيق أثر مستدام من دون فريق وتعاون مجتمعي.
واختتمت الشيخة مي حديثها بتأكيد أن العناية بالمكان تبدأ من المحبة والاهتمام بتفاصيله، وأن حماية التراث مسؤولية ممتدة تتطلب وعيا مجتمعيا وتشريعات فاعلة وإعلاما حاضرا ومؤسسات تؤمن بأن الذاكرة ليست مجرد استعادة للماضي، بل أساسا لبناء المستقبل.
العلاقات البحرينية السعودية..
روابط تتجاوز الحدود
وأكدت الشيخة مي بنت محمد آل خليفة عمق التواصل الثقافي بين مملكة البحرين والمملكة العربية السعودية، مشددة على أن الحضور المتبادل للمثقفين والمبدعين يعكس روابط راسخة تجمع البلدين والشعبين الشقيقين.
وأضافت أن السعودية حاضرة في برامج مركز الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة للثقافة والبحوث، مؤكدة اعتزازها باستضافة المثقفين السعوديين ومواصلة فتح المجال أمام الحضور الثقافي السعودي في البحرين.
وفي سياق متصل، أشادت الشيخة مي بالتجربة السعودية في صون التراث العمراني وإحياء المدن التاريخية، مستشهدة بمشروعات العلا وجدة التاريخية والدرعية، وما تمثله من اهتمام بالحفاظ على الهوية المعمارية والثقافية وتوظيفها في استقطاب السياحة النوعية.
وأكدت أن التجارب الثقافية والتراثية في البلدين تفتح آفاقا أوسع للتبادل المعرفي والاستفادة من الخبرات المشتركة، بما يعزز حضور الثقافة الخليجية ويحافظ على الذاكرة التاريخية للمنطقة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك