العدد : ١٧٧٤٦ - السبت ٢٤ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٣ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٤٦ - السبت ٢٤ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٣ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

أخبار البحرين

الحوثي مرض استراتيجي مزمن.. تم تجاهله

بقلم سميرة بن رجب

السبت ٢٤ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

خلال‭ ‬العقد‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬الألفية‭ ‬الجديدة‭ ‬أجريت‭ ‬حوارًا‭ ‬مع‭ ‬أفراد‭ ‬من‭ ‬المسؤولين‭ ‬الحكوميين‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬الرئيس‭ ‬اليمني‭ ‬علي‭ ‬عبدالله‭ ‬صالح‭ ‬حول‭ ‬مشكلة‭ ‬الحوثي،‭ ‬وعلمت‭ ‬أن‭ ‬الحكومة‭ ‬اليمنية‭ ‬طلبت،‭ ‬عدة‭ ‬مرات،‭ ‬مساعدة‭ ‬ودعما‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬لمواجهة‭ ‬حركة‭ ‬الحوثيين‭ ‬التي‭ ‬بدأت‭ ‬في‭ ‬جبال‭ ‬صعدة‭ ‬شمال‭ ‬اليمن،‭ ‬ودخلت‭ ‬في‭ ‬عدة‭ ‬صراعات‭ ‬مسلحة‭ ‬ضد‭ ‬الحكومة‭ ‬اليمنية‭ ‬منذ‭ ‬2004؛‭ ‬وقد‭ ‬تم‭ ‬إبلاغ‭ ‬القيادات‭ ‬الخليجية‭ ‬حول‭ ‬الدور‭ ‬الإيراني‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحركة،‭ ‬وأهدافها،‭ ‬بتفاصيل‭ ‬تم‭ ‬الحصول‭ ‬عليها‭ ‬من‭ ‬واقع‭ ‬الأحداث‭ ‬على‭ ‬الأرض،‭ ‬ومن‭ ‬اعترافات‭ ‬المعتقلين‭ ‬الحوثيين‭ ‬في‭ ‬السجون‭ ‬اليمنية،‭ ‬التي‭ ‬تتطابق‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬اليوم‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع‭. ‬ولكن،‭ ‬بحسب‭ ‬تلك‭ ‬المصادر‭ ‬اليمنية،‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬تجاهلت‭ ‬الحركة‭ ‬وخطرها‭ ‬المتصاعد،‭ ‬والطلب‭ ‬اليمني‭. ‬أتوقف‭ ‬هنا‭ ‬عن‭ ‬سرد‭ ‬المزيد‭ ‬لأن‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬متوقعا‭ ‬في‭ ‬الحسابات‭ ‬اليمنية‭ ‬قد‭ ‬حدث،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬دفعني‭ ‬إلى‭ ‬ذكر‭ ‬هذه‭ ‬الواقعة‭ ‬المهمة‭.‬

نعم،‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬تجاهل‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬حركة‭ ‬الحوثيين‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬نشأتها‭ ‬الأولى،‭ ‬ثم‭ ‬تعاملها‭ ‬معها‭ ‬لاحقًا‭ ‬بشكل‭ ‬متقطع،‭ ‬كان‭ ‬أحد‭ ‬العوامل‭ ‬المهمة‭ ‬التي‭ ‬أسهمت‭ ‬في‭ ‬تصاعد‭ ‬خطرها‭. ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬ليس‭ ‬السبب‭ ‬الوحيد،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬الإخفاقات‭ ‬والإهمالات‭ ‬المتراكمة،‭ ‬والتدخلات‭ ‬الأجنبية‭.‬

مرحلة‭ ‬النشأة‭.. ‬حركة‭ ‬دينية‭ ‬صغيرة‭ ‬لم‭ ‬تحظ‭ ‬باهتمام‭ ‬خليجي

بإيجاز‭ ‬شديد‭ ‬حول‭ ‬نشأتها،‭ ‬بدأت‭ ‬حركة‭ ‬الحوثي‭ ‬في‭ ‬التسعينيات‭ ‬كحركة‭ ‬إحياء‭ ‬دينية‭ ‬زيدية‭ ‬تُسمى‭ ‬‮«‬الشباب‭ ‬المؤمن‮»‬،‭ ‬بقيادة‭ ‬حسين‭ ‬الحوثي،‭ ‬وكان‭ ‬هدفها‭ ‬‮«‬المعلن‮»‬‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬التراث‭ ‬الزيدي‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬المد‭ ‬السلفي‭. ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬الحركة‭ ‬تشكل‭ ‬تهديدًا‭ ‬عسكريًّا‭ ‬أو‭ ‬سياسيًّا‭ ‬كبيرًا،‭ ‬وكان‭ ‬يُنظر‭ ‬إليها‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬كأداة‭ ‬لموازنة‭ ‬الجماعات‭ ‬السلفية‭ ‬أو‭ ‬كشأن‭ ‬يمني‭ ‬داخلي‭ (‬حقائق‭- ‬من‭ ‬هم‭ ‬الحوثيون‭ ‬ولماذا‭ ‬يتعرضون‭ ‬للهجوم؟‭- ‬SWI‭ ‬swissinfo‭.‬ch‭).‬

عندما‭ ‬اندلعت‭ ‬المواجهات‭ ‬العسكرية‭ ‬بين‭ ‬الحوثيين‭ ‬والحكومة‭ ‬اليمنية‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2004‭ ‬لم‭ ‬تتدخل‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬مباشرة‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2009،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬بدأ‭ ‬الحوثي‭ ‬بشن‭ ‬هجمات‭ ‬عبر‭ ‬الحدود‭. ‬حتى‭ ‬ذلك‭ ‬الحين،‭ ‬كان‭ ‬التدخل‭ ‬محدودًا‭ ‬بمستوى‭ ‬ردّ‭ ‬فعل‭ ‬على‭ ‬استهداف‭ ‬مباشر،‭ ‬وليس‭ ‬استراتيجية‭ ‬استباقية‭ ‬لاحتواء‭ ‬الحركة‭.‬

الأهم‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬أن‭ ‬الحروب‭ ‬الست‭ ‬بين‭ ‬الحكومة‭ ‬اليمنية‭ ‬والحوثيين‭ (‬2004-2010‭) ‬لم‭ ‬تحسم‭ ‬شيئًا،‭ ‬وقد‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬تحليل‭ ‬أجراه‭ ‬معهد‭ ‬‮«‬كارنيغي‮»‬‭ ‬عام‭ ‬2010‭ ‬أن‭ ‬الحكومة‭ ‬اليمنية‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬جادة‭ ‬في‭ ‬معالجة‭ ‬المظالم‭ ‬الأساسية،‭ ‬وأن‭ ‬القتال‭ ‬كان‭ ‬مرشحًا‭ ‬للاستمرار‭. ‬والخليج‭ ‬بدوره‭ ‬اكتفى‭ ‬بدعم‭ ‬الحكومة‭ ‬اليمنية‭ ‬ماليًّا‭ ‬ولوجستيًّا،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تطور‭ ‬استراتيجية‭ ‬شاملة‭ ‬لإنهاء‭ ‬الحركة‭ ‬أو‭ ‬احتوائها‭ ‬سياسيًّا‭ (‬الحرب‭ ‬في‭ ‬صعدة‭: ‬من‭ ‬تمرّدٍ‭ ‬محلّي‭ ‬إلى‭ ‬تحدٍّ‭ ‬وطني‭).‬

نقطة‭ ‬التحول‭.. ‬2014

‭ ‬وسقوط‭ ‬صنعاء

الكارثة‭ ‬الكبرى‭ ‬حدثت‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2014،‭ ‬عندما‭ ‬استغل‭ ‬الحوثيون‭ ‬ضعف‭ ‬الحكومة‭ ‬الانتقالية‭ ‬برئاسة‭ ‬عبد‭ ‬ربه‭ ‬منصور‭ ‬هادي،‭ ‬وتحالفوا‭ ‬مع‭ ‬الرئيس‭ ‬السابق‭ ‬علي‭ ‬عبدالله‭ ‬صالح،‭ ‬وسيطروا‭ ‬على‭ ‬العاصمة‭ ‬صنعاء‭. ‬هنا‭ ‬فقط‭ ‬تم‭ ‬استدراك‭ ‬حجم‭ ‬الخطر،‭ ‬فتم‭ ‬التدخل‭ ‬الخليجي‭ ‬العسكري‭ ‬في‭ ‬2015‭ ‬بتحالف‭ ‬واسع،‭ ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬التدخل‭ ‬جاء‭ ‬بعد‭ ‬فوات‭ ‬الأوان،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أصبح‭ ‬الحوثيون‭ ‬قوة‭ ‬مسلحة‭ ‬راسخة‭ ‬تسيطر‭ ‬على‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬وأسلحتها‭.‬

لماذا‭ ‬كان‭ ‬التجاهل‭ ‬خطأ‭ ‬استراتيجيا؟

المفارقة‭ ‬أنه‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬فرصة‭ ‬ذهبية‭ ‬للقضاء‭ ‬على‭ ‬الحركة‭ ‬في‭ ‬مراحلها‭ ‬الأولى،‭ ‬لكن‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬استغلالها‭ ‬لأسباب‭ ‬عديدة؛‭ ‬منها‭ ‬الانشغال‭ ‬بأولويات‭ ‬أمنية‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬بعد‭ ‬احتلال‭ ‬العراق،‭ ‬ولم‭ ‬يتم‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬اليمن‭ ‬كجبهة‭ ‬أساسية،‭ ‬مع‭ ‬الاعتقاد‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬اليمن‭ ‬‮«‬شأن‭ ‬داخلي‮»‬‭.. ‬ومع‭ ‬عدم‭ ‬الإدراك‭ ‬أن‭ ‬ترك‭ ‬اليمن‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الفوضى‭ ‬والصراع‭ ‬المستمر‭ ‬سيخلق‭ ‬بيئة‭ ‬خصبة‭ ‬لتدخل‭ ‬إيران‭. ‬أما‭ ‬السبب‭ ‬الأخطر،‭ ‬كما‭ ‬تشير‭ ‬تحليلات‭ ‬لاحقة،‭ ‬فهو‭ ‬الثقة‭ ‬المفرطة‭ ‬في‭ ‬‮«‬المظلة‭ ‬الأمريكية‮»‬،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تبني‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬استراتيجية‭ ‬مستقلة‭.‬

بالمحصلة،‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬تجاهل‭ ‬حركة‭ ‬الحوثي‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬نشأتها‭ ‬كان‭ ‬خطأ‭ ‬استراتيجيًّا،‭ ‬لكن‭ ‬المشكلة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬‮«‬التجاهل‮»‬‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬غياب‭ ‬استراتيجية‭ ‬خليجية‭ ‬موحدة‭ ‬ومستمرة‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬الحالة‭ ‬اليمنية،‭ ‬بينما‭ ‬كان‭ ‬الحوثيون‭ ‬يتقدمون‭ ‬في‭ ‬القوة‭ ‬والاستعداد‭. ‬واليوم،‭ ‬كما‭ ‬تشير‭ ‬تحليلات‭ ‬‮«‬تشاتام‭ ‬هاوس‮»‬،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬الحوثيون‭ ‬مشكلة‭ ‬المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬تحديًا‭ ‬أمنيًّا‭ ‬خليجيًّا‭ ‬جماعيًّا،‭ ‬وأي‭ ‬حل‭ ‬عسكري‭ ‬منفرد‭ ‬لن‭ ‬ينجح‭ (‬The‭ ‬Yemen‭ ‬war‭ ‬is‭ ‬not‭ ‬just‭ ‬Saudi‭ ‬Arabia’s‭ ‬problem‭. ‬It’s‭ ‬the‭ ‬Gulf’s‭ ‬too‭ | ‬Chatham‭ ‬House‭ ‬–‭ ‬International‭ ‬Affairs‭ ‬Think‭ ‬Tank‭).‬

الأهداف‭ ‬الميدانية‭ ‬الفورية‭.. ‬‮«‬الردع‭ ‬المتبادل‮»‬‭ ‬ورفع‭ ‬الكلفة

واليوم،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬اختزال‭ ‬سلوك‭ ‬الحوثيين‭ ‬في‭ ‬سبب‭ ‬واحد،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬مزيج‭ ‬من‭ ‬الحسابات‭ ‬الميدانية‭ ‬الفورية،‭ ‬والأهداف‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬طويلة‭ ‬المدى،‭ ‬والبعد‭ ‬الأيديولوجي‭ ‬والعقائدي،‭ ‬مع‭ ‬الارتباط‭ ‬بالصراع‭ ‬الإقليمي‭ ‬الأوسع‭ ‬مع‭ ‬إيران‭.‬

‭- ‬الهدف‭ ‬الاستراتيجي‭: ‬فرض‭ ‬‮«‬الابتزاز‮»‬‭ ‬وإعادة‭ ‬تعريف‭ ‬الذات

فيما‭ ‬وراء‭ ‬الرد‭ ‬الميداني،‭ ‬يسعى‭ ‬الحوثيون‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬مكاسب‭ ‬استراتيجية‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد‭ ‬عبر‭ ‬‮«‬الابتزاز‭ ‬السياسي‭ ‬والمالي‮»‬،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الضغط‭ ‬التفاوضي،‭ ‬وتقديم‭ ‬أنفسهم‭ ‬ليس‭ ‬كـ«جماعة‭ ‬متمردة‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬وكيل‭ ‬إيراني‮»‬‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬كقوة‭ ‬إقليمية‭ ‬رئيسية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاوزها‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬ترتيبات‭ ‬أمنية‭ ‬تتعلق‭ ‬بالبحر‭ ‬الأحمر‭ ‬وباب‭ ‬المندب‭. ‬كما‭ ‬يسعون‭ ‬لاكتساب‭ ‬شرعية‭ ‬دولية‭ ‬بحكم‭ ‬الأمر‭ ‬الواقع‭ (‬خبير‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية‭: ‬الحوثيون‭ ‬يمارسون‭ ‬الابتزاز‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬باستهداف‭ ‬العمق‭ ‬السعودي‭).‬

‭- ‬البعد‭ ‬الأيديولوجي‭ ‬والعقائدي‭.. ‬‮«‬المعركة‭ ‬المصيرية‮»‬

بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬الحسابات‭ ‬الباردة،‭ ‬تلعب‭ ‬الدوافع‭ ‬الأيديولوجية‭ ‬دورًا‭ ‬مهمًّا‭. ‬يصف‭ ‬مسؤولون‭ ‬يمنيون‭ ‬الهجمات‭ ‬بأنها‭ ‬تأتي‭ ‬من‭ ‬‮«‬دوافع‭ ‬عقائدية‭ ‬وأيديولوجية‭ ‬وعدائية‭ ‬تاريخية‮»‬‭. ‬

‭- ‬البعد‭ ‬الإقليمي‭: ‬‮«‬الورقة‭ ‬الإيرانية‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تلعب‭ ‬لنفسها

الحوثيون‭ ‬هم‭ ‬جزء‭ ‬مما‭ ‬يُدعى‭ ‬‮«‬محور‭ ‬المقاومة‮»‬‭ ‬الإيراني،‭ ‬لكن‭ ‬علاقتهم‭ ‬بطهران‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدًا‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬وكالة‭. ‬بحسب‭ ‬تاريخهم‭ ‬السياسي‭ ‬والعقائدي،‭ ‬هم‭ ‬لا‭ ‬يتبعون‭ ‬‮«‬ولاية‭ ‬الفقيه‮»‬‭ ‬كمرجعية‭ ‬دينية‭ ‬عليا،‭ ‬ويحتفظون‭ ‬باستقلالية‭ ‬تنظيمية‭ ‬وعقائدية،‭ ‬‮«‬على‭ ‬عكس‭ ‬جماعات‭ ‬حزب‭ ‬الله‭ ‬أو‭ ‬العراق،‭ ‬لا‭ ‬تعتبر‭ ‬حركة‭ ‬الشباب‭ ‬الحوثي‭ ‬المرشد‭ ‬الأعلى‭ ‬الإيراني‭ ‬السلطة‭ ‬الدينية‭ ‬العليا‭ ‬لها‮»‬،‭ ‬ودافعها‭ ‬يأتي‭ ‬أيضا‭ ‬بشكل‭ ‬رئيسي‭ ‬من‭ ‬العوامل‭ ‬الداخلية‭ ‬‮«‬لكنه‭ ‬يتماشى‭ ‬أيديولوجيا‭ ‬مع‭ ‬إيران‮»‬‭ (‬إشعال‭ ‬القتال‭ ‬في‭ ‬اليمن‭: ‬نظرة‭ ‬شاملة‭ ‬على‭ ‬خلفية‭ ‬ومتطلبات‭ ‬المنظمة‭ ‬العسكرية‭ ‬‮«‬حركة‭ ‬الشباب‮»‬‭ | ‬دولي‭ | ‬وكالة‭ ‬الأنباء‭ ‬المركزية‭  ‬CNA‭).‬

إنَّ‭ ‬تصعيد‭ ‬الحوثيين‭ ‬يمنح‭ ‬إيران‭ ‬ورقة‭ ‬ضغط‭ ‬إضافية‭ ‬ويقيد‭ ‬خيارات‭ ‬واشنطن‭. ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬الحوثيون‭ ‬يخدمون‭ ‬أجندتهم‭ ‬الخاصة‭ ‬أولا،‭ ‬فيريدون‭ ‬ترسيخ‭ ‬سلطتهم‭ ‬داخل‭ ‬اليمن‭ ‬أولا‭ ‬وقبل‭ ‬كل‭ ‬شيء‭.‬

إنَّ‭ ‬قصف‭ ‬الحوثيين‭ ‬للمملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية‭ ‬هو‭ ‬استراتيجية‭ ‬‮«‬تصعيد‭ ‬محسوب‮»‬،‭ ‬بمعنى‭ ‬أنهم‭ ‬لا‭ ‬يريدون‭ ‬حربًا‭ ‬شاملة‭ ‬مع‭ ‬الرياض‭ (‬لأن‭ ‬ذلك‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬مدمرًا‭ ‬لهم‭)‬،‭ ‬لكنهم‭ ‬يريدون‭ ‬إبقاء‭ ‬مستوى‭ ‬معين‭ ‬من‭ ‬التوتر‭ ‬يستخدمونه‭ ‬كورقة‭ ‬ضغط‭. ‬وبحسب‭ ‬المعطيات‭ ‬الميدانية،‭ ‬وكنتيجة‭ ‬بنيوية‭ ‬للاستراتيجية‭ ‬الإيرانية‭ ‬التي‭ ‬تدرك‭ ‬أن‭ ‬ضرب‭ ‬السعودية‭ ‬مباشرة‭ ‬أقل‭ ‬فعالية‭ ‬من‭ ‬جعلها‭ ‬‮«‬نقطة‭ ‬ضغط‭ ‬استراتيجية‮»‬،‭ ‬فإن‭ ‬إيران‭ ‬تلجأ‭ ‬إلى‭ ‬استنزاف‭ ‬المنطقة‭ ‬عبر‭ ‬الحوثيين،‭ ‬بينما‭ ‬تُبقي‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬مأمن‭ ‬نسبي‭ (‬MCU‭ ‬Insights‭, ‬vol‭. ‬17‭, ‬no‭. ‬2‭).‬

استشراف‭ ‬ما‭ ‬ستؤول‭ ‬إليه‭ ‬الأوضاع‭ ‬في‭ ‬الخليج‭..‬

المحصلة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬لما‭ ‬ستؤول‭ ‬إليه‭ ‬الأوضاع،‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬المعطيات‭ ‬الحالية،‭ ‬وأهمها‭ ‬تآكل‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬الضمانات‭ ‬الأمريكية،‭ ‬والضغط‭ ‬المفروض‭ ‬على‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬المنطقة‭ ‬تنتقل‭ ‬من‭ ‬نظام‭ ‬أمني‭ ‬تقليدي‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬‮«‬المظلة‭ ‬الأمريكية‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬نظام‭ ‬هجين‭ ‬ومجزأ،‭ ‬تتعايش‭ ‬فيه‭ ‬ترتيبات‭ ‬أمنية‭ ‬متعددة‭ ‬ومتنافسة؛‭ ‬وإعادة‭ ‬رسم‭ ‬خرائط‭ ‬الطاقة،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬لأي‭ ‬طرف‭ ‬سيطرة‭ ‬كاملة‭. ‬

بالمحصلة،‭ ‬ستدخل‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج‭ ‬إلى‭ ‬عصر‭ ‬‮«‬ما‭ ‬بعد‭ ‬المظلة‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬سيتحول‭ ‬فيه‭ ‬الدور‭ ‬الأمريكي‭ ‬من‭ ‬‮«‬الحامي‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬الممكّن‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬الخروج،‭ ‬ما‭ ‬يترك‭ ‬فراغًا‭ ‬تتحرك‭ ‬فيه‭ ‬إيران‭ ‬وتركيا‭ ‬وإسرائيل،‭ ‬بترتيبات‭ ‬أمنية‭ ‬مؤقتة‭ ‬ومتداخلة،‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬مصالح‭ ‬متغيرة‭ ‬وتحالفات‭ ‬مرنة‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬الكتل‭ ‬الثابتة‭.‬

المشهد‭ ‬القادم‭ ‬ليس‭ ‬سلامًا‭ ‬ولا‭ ‬حربًا‭ ‬شاملة،‭ ‬بل‭ ‬حالة‭ ‬دائمة‭ ‬من‭ ‬التوتر‭ ‬المحسوب،‭ ‬تدفع‭ ‬فيه‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬ثمن‭ ‬كونها‭ ‬ساحة‭ ‬للصراع‭ ‬بين‭ ‬قوى‭ ‬إقليمية‭ ‬ودولية‭ ‬تتقاطع‭ ‬مصالحها‭ ‬على إعادة‭ ‬رسم‭ ‬وهندسة‭ ‬خرائط‭ ‬الطاقة‭ ‬وبنيتها‭ ‬التحتية‭.‬

 

sr@sameerarajab‭.‬net

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا