باريس - (أ ف ب): أثارت مشاهد الفوضى التي شهدتها فرنسا يوم السبت احتجاجا على غلاء المعيشة، صدمة في وسائل الإعلام الدولية التي اعتبرت ما حدث مؤشرا على أفول حقبة إيمانويل ماكرون ونذيرا بمواجهة محتدمة بين التيارات المتطرفة، قبل ستة أشهر من الانتخابات الرئاسية. وقد تناقلت العديد من وسائل الإعلام صورا ومقاطع فيديو توثق عمليات نهب وصدامات مع قوات الأمن، فضلا عن مشاهد لمبنى بلدية مدينة ليموج تلتهمه النيران. ووصفت صحيفة «نيويورك تايمز» هذه الأحداث بأنها «أكبر أعمال شغب تشهدها البلاد منذ سنوات».
وأشارت صحيفة «فايننشال تايمز» إلى أن «المظاهرات في فرنسا غالبا ما تنزلق نحو الفوضى على هامش المسيرات، وتتحول إلى مواجهات مع الشرطة»، لكنها لفتت إلى أن «حجم أعمال النهب والعنف هذه المرة يثير قلق الكثيرين». أما صحيفة «زود دويتشه تسايتونغ» الألمانية فرأت أن هذه «الفوضى التي طالت المدن الكبرى في البلاد بشكل رئيسي» ستشكل بلا شك «نقطة تحول أو علامة فارقة»، مؤكدة أن «الحكومة تتحمل جزءا من المسؤولية عن ذلك».
ورغم ضيق هامش المناورة المتاح للحكومة بسبب الوضع المالي للبلاد، انتقدت العديد من الصحف «غياب التعاطف» لدى السلطة التنفيذية، إذ فشلت في الاستجابة لتطلعات طلاب المدارس الثانوية الذين يحتجون منذ شهر مطالبين بظروف تعليمية أفضل، وكذلك لمخاوف الفرنسيين إزاء ارتفاع تكاليف المعيشة. من جانبها، اعتبرت شبكة «سي إن إن» أن «هذه المظاهرات باتت رمزا لغضب عابر للأجيال، كان مكبوتا لفترة طويلة، لدى أشخاص يشعرون بأن نداءاتهم المطالبة بتغييرات اجتماعية وسياسية لا تجد أي صدى أو استجابة».
في إيران التي تُتهم سلطاتها بقمع حركة احتجاجية واسعة النطاق بوحشية دامية مطلع هذا العام، لم يفوّت التلفزيون الرسمي الفرصة للإشارة إلى أن «القمع العنيف لأطفال لا يطالبون سوى بالحق في التعليم واحترام حقوقهم، يكشف الطبيعة الحقيقية لأولئك الذين يدّعون التمسك بالديمقراطية». ورأت صحيفة «نيويورك تايمز» أن الاحتجاجات وما صاحبها من تجاوزات تؤذن بنهاية عهد إيمانويل ماكرون الذي لا يمكنه الترشح لولاية ثالثة «بعد عقد في السلطة أصبح في نهاية المطاف مرادفا للأزمة السياسية والركود الاقتصادي».
أما صحيفة «لو تان» السويسرية فأشارت إلى أن ماكرون الذي بلغت شعبيته أدنى مستوياتها، ينهي ولايته الثانية من دون أغلبية برلمانية وبلا خلف واضح، واصفة هذا الوضع بأنه «غسق بلا نهاية». وبالنسبة لصحيفة «إل باييس» الإسبانية، فإن أحداث 17 أكتوبر «مثّلت شهادة وفاة الماكرونية»، وأعلنت «اندثار فكرة سياسية كانت تهدف إلى ترسيخ مركزية أيديولوجية وكبح صعود التيارات المتطرفة». وبدلا من ذلك، يزداد رسوخ المواجهة بين مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبن وزعيم اليسار الراديكالي جان لوك ميلانشون، وهما الشخصيتان اللتان تتصدران استطلاعات الرأي للجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية المقررة في أبريل المقبل.
وكتبت «إل باييس» أنه في بلد بات «أكثر انقساما من أي وقت مضى»، يقف «اليمين المتطرف (...) على أعتاب قصر الإليزيه لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية». وأكدت صحيفة «زود دويتشه تسايتونغ» الألمانية أن «نوبات العنف هذه لا تصبّ إلا في مصلحة الأحزاب المتطرفة»، مشيرة إلى أن «جان لوك ميلانشون يرى أن فرص نجاحه تكون في ذروتها عندما يبلغ الاستقطاب في البلاد أقصى درجاته». من جانبها، يستغل اليمين المتطرف بقيادة لوبن هذا الوضع أيضا.
إلى ذلك، لم يفوّت بعض القادة الأجانب الفرصة لاستغلال أعمال العنف في فرنسا لخدمة أغراض سياسية داخلية في بلدانهم. فقد اعتبر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأحد أن الهجرة هي سبب الاضطرابات التي تشهدها فرنسا، وحثّ في باريس على «إغلاق الحدود». وفي السياق ذاته، قال رئيس الوزراء المجري بيتر ماديار: «في ظل هذا الدمار العبثي والعنف الذي لا يمكن تبريره، ربما أصبح واضحا للجميع الآن لماذا تدعو المجر إلى اتخاذ أكثر التدابير صرامة ممكنة فيما يتعلق بملف الهجرة».

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك