العدد : ١٧٧٣٩ - السبت ١٧ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٦ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٣٩ - السبت ١٧ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٦ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

أخبار البحرين

إعادة هندسة الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط.. من «الحماية المباشرة» إلى «التمكين والوكالة»

بقلم: سميرة بن رجب

السبت ١٧ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

ما‭ ‬كانت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬لتعمل‭ ‬على‭ ‬حشد‭ ‬أساطيلها‭ ‬في‭ ‬الخليج،‭ ‬وبدء‭ ‬حرب‭ ‬غير‭ ‬محددة‭ ‬الأمد،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬هدف‭ ‬استراتيجي‭ ‬ذي‭ ‬علاقة‭ ‬بتحولات‭ ‬النظام‭ ‬الأمني‭ ‬الإقليمي‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭.‬

وما‭ ‬كانت‭ ‬الجيوش‭ ‬الأمريكية‭ ‬لتنسحب‭ ‬من‭ ‬العراق،‭ ‬كما‭ ‬يَدّعي‭ ‬الإعلام،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬استراتيجية‭ ‬معنية‭ ‬بهندسة‭ ‬جديدة‭ ‬للدور‭ ‬الأمريكي‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭.‬

فما‭ ‬هي‭ ‬هذه‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الأمريكية‭ ‬الجديدة‭-‬القديمة؟

تؤكد‭ ‬استراتيجية‭ ‬الدفاع‭ ‬الوطني‭ ‬الأمريكي‭ ‬2026‭ ‬أن‭ ‬الجيش‭ ‬الأمريكي‭ ‬سيعمل‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬هندسة‭ ‬الوجود‭ ‬العسكري‭ ‬الأمريكي‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬من‭ ‬‮«‬الحماية‭ ‬المباشرة‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬التمكين‭ ‬والوكالة‮»‬،‭ ‬مع‭ ‬بناء‭ ‬جبهة‭ ‬إقليمية‭ ‬لاحتواء‭ ‬إيران،‭ ‬تضم‭ ‬إسرائيل‭ ‬والدول‭ ‬العربية،‭ ‬وتثبيت‭ ‬ترتيبات‭ ‬أمنية‭ ‬جديدة‭ ‬تُقلّص‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬القواعد‭ ‬الأمريكية‭ ‬الثابتة‭ ‬والضخمة‭ (‬استراتيجية‭ ‬الدفاع‭ ‬الوطني‭ ‬الأمريكي‭ ‬للشرق‭ ‬الأوسط‭ : ‬28‭ ‬يناير‭ ‬2026‭).‬

الاستراتيجية‭ ‬الدفاعية‭ ‬المذكورة‭ ‬تضع‭ ‬إطارا‭ ‬واضحا‭ ‬لتمكين‭ ‬الحلفاء‭ ‬الإقليميين‭ ‬من‭ ‬تحمل‭ ‬المسؤولية‭ ‬الأساسية‭ ‬في‭ ‬ردع‭ ‬إيران‭ ‬والدفاع‭ ‬ضدها‭. ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬واشنطن‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬‮«‬الضامن‮»‬‭ ‬و«المُمَكِّن‮»‬،‭ ‬وليس‭ ‬‮«‬الحامي‭ ‬الوحيد‮»‬‭.‬

الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬ترى‭ ‬أن‭ ‬إسرائيل‭ ‬‮«‬نموذج‭ ‬للحليف‮»‬‭ ‬القادر‭ ‬على‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬نفسه‭ ‬بدعم‭ ‬أمريكي‭ ‬محدود‭ ‬لكن‭ ‬حاسم،‭ ‬وأن‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬أصبحت‭ ‬‮«‬أكثر‭ ‬رغبة‭ ‬وقدرة‮»‬‭ ‬على‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬نفسها‭ ‬بشراء‭ ‬الأنظمة‭ ‬العسكرية‭ ‬الأمريكية‭.  ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬يخدم‭ ‬هدفًا‭ ‬مزدوجًا،‭ ‬وهو‭ ‬تخفيف‭ ‬العبء‭ ‬العسكري‭ ‬والمالي‭ ‬عن‭ ‬واشنطن،‭ ‬وبناء‭ ‬منظومة‭ ‬أمنية‭ ‬إقليمية‭ ‬أكثر‭ ‬استدامة‭ (‬المصدر‭ ‬السابق‭).‬

إعادة‭ ‬تصميم‭ ‬الوجود‭ ‬العسكري‭.. ‬قواعد‭ ‬أصغر‭ ‬وأكثر‭ ‬تحصينا

الحرب‭ ‬كشفت‭ ‬أن‭ ‬القواعد‭ ‬الأمريكية‭ ‬الثابتة‭ ‬والضخمة‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬تحولت‭ ‬من‭ ‬‮«‬عوامل‭ ‬طمأنة‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬أهداف‭ ‬مباشرة،‭ ‬إذ‭ ‬قصفتها‭ ‬إيران‭ ‬وألحقت‭ ‬أضرارًا‭ ‬في‭ ‬منشآت‭ ‬استخباراتية‭ ‬ومعدات‭ ‬حساسة‭. ‬هذا‭ ‬دفع‭ ‬البنتاجون‭ ‬إلى‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬توزيع‭ ‬القوات‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬الخليج،‭ ‬نحو‭ ‬الأردن‭ ‬وإسرائيل‭ ‬وغيرها،‭ ‬إذ‭ ‬تكون‭ ‬خلف‭ ‬دفاعات‭ ‬جوية‭ ‬أفضل‭ ‬ولديها‭ ‬وقت‭ ‬إنذار‭ ‬أطول‭ (‬After‭ ‬Iran‭, ‬US‭ ‬signals‭ ‬major‭ ‬security‭ ‬shift‭ ‬in‭ ‬the‭ ‬Middle‭ ‬East‭ | ‬Responsible‭ ‬Statecraft‭).‬

الهدف‭ ‬ليس‭ ‬الانسحاب‭ ‬من‭ ‬المنطقة،‭ ‬بل‭ ‬تقليل‭ ‬حجم‭ ‬القواعد‭ ‬الثابتة،‭ ‬والاعتماد‭ ‬على‭ ‬قواعد‭ ‬أصغر،‭ ‬ومعدات‭ ‬متمركزة،‭ ‬وقوات‭ ‬بحرية،‭ ‬وانتشار‭ ‬دوري،‭ ‬وروابط‭ ‬استخباراتية،‭ ‬وخطط‭ ‬تعزيز‭ ‬سريع‭. ‬هذا‭ ‬يقلل‭ ‬من‭ ‬قابلية‭ ‬القوات‭ ‬للاستهداف،‭ ‬ويحافظ‭ ‬على‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الضرب‭ ‬عند‭ ‬الحاجة‭ (‬The‭ ‬Future‭ ‬of‭ ‬US‭ ‬Basing‭ ‬in‭ ‬the‭ ‬Gulf‭ ‬After‭ ‬the‭ ‬2026‭ ‬Iran‭ ‬War‭ ‬•‭ ‬Stimson‭ ‬Center‭).‬

تعمل‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬على‭ ‬مشروع‭ ‬‮«‬احتواء‭ ‬إيران‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‮»‬،‭ ‬بثلاثة‭ ‬عناصر‭ ‬رئيسية‭: ‬الأول‭: ‬تحالف‭ ‬إقليمي‭ ‬بقيادة‭ ‬أمريكية‭... ‬والثاني‭: ‬تثبيت‭ ‬الترتيبات‭ ‬الأمنية‭ ‬الجديدة،‭ ‬ويشمل‭ ‬ذلك‭ ‬اتفاقية‭ ‬أمنية‭ ‬بين‭ ‬إسرائيل‭ ‬وسوريا،‭ ‬وتنفيذ‭ ‬الاتفاق‭ ‬الإطاري‭ ‬بين‭ ‬إسرائيل‭ ‬ولبنان،‭ ‬وإنهاء‭ ‬تداعيات‭ ‬حرب‭ ‬غزة‭ ‬عبر‭ ‬‮«‬خطة‭ ‬السلام‮»‬‭ ‬الأمريكية‭ ‬لإغلاق‭ ‬الجبهات‭ ‬المفتوحة‭... ‬أما‭ ‬الثالث‭ ‬فهو‭ ‬توسيع‭ ‬اتفاقيات‭ ‬إبراهام‭ (‬Trump‭ ‬Drafts‭ ‬Post‭-‬War‭ ‬Middle‭ ‬East‭ ‬Plan‭)... ‬وقد‭ ‬تجيب‭ ‬هذه‭ ‬العناصر‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الثلاثة‭ ‬عن‭ ‬السؤال‭ ‬حول‭ ‬أسباب‭ ‬عدم‭ ‬حسم‭ ‬واشنطن‭ ‬صراعها‭ ‬مع‭ ‬إيران‭.‬

إن‭ ‬إدارة‭ ‬ترامب‭ ‬لا‭ ‬تريد‭ ‬‮«‬حسم‮»‬‭ ‬الصراع‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬عسكريًّا؛‭ ‬لكن‭ ‬‮«‬الحسم‮»‬‭ ‬ليس‭ ‬ضروريًّا‭ ‬لتحقيق‭ ‬الهدف‭ ‬الأكبر،‭ ‬وهو‭: ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬النظام‭ ‬الإقليمي‭ ‬تحت‭ ‬القيادة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل‭ ‬كـ«القوة‭ ‬المحورية‮»‬‭... ‬وأن‭ ‬بقاء‭ ‬إيران‭ ‬كـ«التهديد‭ ‬المُدار‮»‬،‭ ‬لا‭ ‬منتصر‭ ‬ولا‭ ‬منهار،‭ ‬هو‭ ‬بالضبط‭ ‬الوضع‭ ‬الذي‭ ‬يبرر‭ ‬استمرار‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬الوجود‭ ‬الأمريكي،‭ ‬ويمنح‭ ‬إسرائيل‭ ‬دورًا‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬لأي‭ ‬دولة‭ ‬عربية‭ ‬أن‭ ‬تنافسها‭ ‬فيه‭.‬

هذا‭ ‬هو‭ ‬المنطق‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬‮«‬عدم‭ ‬الحسم‮»‬‭ ‬قرارًا‭ ‬استراتيجيًّا،‭ ‬لا‭ ‬فشلا‭.‬

التحديات‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬

هذه‭ ‬الاستراتيجية

يبدو‭ ‬أن‭ ‬الخطة‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬‮«‬قيد‭ ‬الطهي‮»‬‭ ‬ولم‭ ‬تنضج‭ ‬بعد،‭ ‬وهناك‭ ‬عقبات‭ ‬رئيسية،‭ ‬أهمها‭ ‬الانتخابات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬القادمة‭ (‬27‭ ‬أكتوبر‭ ‬2026‭). ‬والتحدي‭ ‬الآخر‭ ‬هو‭ ‬عدم‭ ‬يقين‭ ‬الحلفاء‭ ‬بهذه‭ ‬الخطة،‭ ‬والثالث‭ ‬هو‭ ‬مدى‭ ‬قدرة‭ ‬إيران‭ ‬على‭ ‬الاستمرار‭.‬

إذن‭ ‬ما‭ ‬نراه‭ ‬على‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬انسحابًا‭ ‬للجيش‭ ‬الأمريكي،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬إعادة‭ ‬تموضع‭.. ‬ومحاولة‭ ‬لتحويل‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬من‭ ‬مواجهة‭ ‬أمريكية‭ ‬مباشرة‭ ‬مفتوحة‭ ‬إلى‭ ‬نظام‭ ‬إقليمي‭ ‬دائم‭ ‬تديره‭ ‬واشنطن‭ ‬من‭ ‬الخلف،‭ ‬وتتحمل‭ ‬فيه‭ ‬إسرائيل‭ ‬والدول‭ ‬العربية‭ ‬الجزء‭ ‬الأكبر‭ ‬من‭ ‬العبء،‭ ‬بينما‭ ‬تحتفظ‭ ‬أمريكا‭ ‬بقدرة‭ ‬الضرب‭ ‬والردع‭ ‬والوجود‭ ‬الاستخباراتي‭.‬

وهنا‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الأمريكية‭ ‬لها‭ ‬هدفان‭ ‬رئيسيان؛‭ ‬الأول‭ ‬هو‭ ‬تغيير‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬تمكين‭ ‬النفوذ‭ ‬والقوة‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الصين،‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬تشكيل‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬الجديد؛‭ ‬والثاني‭ ‬هو‭ ‬تغيير‭ ‬موازين‭ ‬القوة‭ ‬في‭ ‬الإقليم،‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬تمكين‭ ‬إسرائيل‭ ‬لتصبح‭ ‬القوة‭ ‬المحورية‭ ‬والرئيسية‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ (‬Trump‭ ‬Drafts‭ ‬Post‭-‬War‭ ‬Middle‭ ‬East‭ ‬Plan‭).‬

وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الحرب‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تُدار‭ ‬كصراع‭ ‬بين‭ ‬دول،‭ ‬بل‭ ‬كإعادة‭ ‬هندسة‭ ‬لنظام‭ ‬أمني‭ ‬ودفاعي‭ ‬كامل‭.‬

والسؤال‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬موقف‭ ‬العرب‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬هذا؟

والإجابة‭ ‬المتاحة،‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬الجوهري،‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬العرب‭ ‬لم‭ ‬يعودوا‭ ‬كتلة‭ ‬واحدة،‭ ‬بل‭ ‬يخضعون‭ ‬لإعادة‭ ‬تصنيف‭ ‬قاسية‭ ‬وفق‭ ‬دورهم‭ ‬في‭ ‬المشروعين‭ ‬المذكورين‭.‬

المشروعان‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬

الواقع‭ ‬العربي

المشروع‭ ‬الأول‭: ‬تمكين‭ ‬النفوذ‭ ‬الأمريكي‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الصين،‭ ‬وهذا‭ ‬يتجلى‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬الوثائق‭ ‬الرسمية‭ ‬الأمريكية،‭ ‬إذ‭ ‬استراتيجية‭ ‬الدفاع‭ ‬الوطني‭ ‬لعام‭ ‬2026‭ ‬تضع‭ ‬الصين‭ ‬كـ‮«‬المنافس‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬الأكثر‭ ‬أهمية‮»‬‭ ‬والمحيط‭ ‬الهندي‭-‬الهادئ‭ ‬كـ«المسرح‭ ‬ذي‭ ‬الأولوية‮»‬‭... ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬إيران،‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬المنظور،‭ ‬يعد‭ ‬تشويشًا‭ ‬استراتيجيًّا‭ ‬ستديره‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬بأقل‭ ‬كُلفة؛‭ ‬لأن‭ ‬استنزاف‭ ‬الذخائر‭ ‬والمعدات‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬يضر‭ ‬بالاستعداد‭ ‬للمواجهة‭ ‬الحاسمة‭ ‬مع‭ ‬الصين‭. ‬إذن‭ ‬الهدف‭ ‬ليس‭ ‬احتلال‭ ‬إيران،‭ ‬بل‭ ‬إعادة‭ ‬توزيع‭ ‬الأعباء‭ ‬على‭ ‬الحلفاء‭ ‬الإقليميين،‭ ‬وتحرير‭ ‬القوات‭ ‬الأمريكية‭ ‬للتحول‭ ‬نحو‭ ‬آسيا‭.‬

المشروع‭ ‬الثاني‭: ‬تمكين‭ ‬إسرائيل‭ ‬كقوة‭ ‬محورية‭... ‬هنا‭ ‬تظهر‭ ‬الأدلة‭ ‬بشكل‭ ‬صارخ‭. ‬1-‭ ‬بعد‭ ‬الحرب،‭ ‬تحولت‭ ‬سوريا‭ (‬حكومة‭ ‬أحمد‭ ‬الشرع‭) ‬إلى‭ ‬أول‭ ‬دولة‭ ‬عربية‭ ‬تتفاوض‭ ‬مباشرة‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل‭ ‬وتعلن‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬‮«‬ضرورة‮»‬‭ ‬لاتفاق‭ ‬أمني‭. ‬2‭- ‬لبنان،‭ ‬فتح‭ ‬مفاوضات‭ ‬مباشرة‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭ ‬منذ‭ ‬1983‭. ‬3‭- ‬وبقي‭ ‬هناك‭ ‬الهدف‭ ‬الأكبر‭ ‬المعلن،‭ ‬وهو‭ ‬تطبيع‭ ‬المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬تعتبره‭ ‬مراكز‭ ‬البحث‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬‮«‬الجائزة‭ ‬النهائية‮»‬،‭ ‬التي‭ ‬ستفكك‭ ‬التضامن‭ ‬العربي‭ ‬مع‭ ‬فلسطين‭ ‬نهائيًّا‭ ‬وتُكَرّس‭ ‬إسرائيل‭ ‬كقوة‭ ‬إقليمية‭ ‬مهيمنة‭.‬

إذن،‭ ‬العرب‭ ‬ليسوا‭ ‬‮«‬غائبين‮»‬،‭ ‬لكنهم‭ ‬لم‭ ‬يعودوا‭ ‬فاعلين‭ ‬ككتلة‭... ‬المشروعان‭ ‬الأمريكيان‭ ‬يتقدمان،‭ ‬وكل‭ ‬دولة‭ ‬عربية‭ ‬تُصنَّف‭ ‬تلقائيًّا‭ ‬وفق‭ ‬موقعها‭ ‬منهما‭.‬

الخلاصة‭ ‬القاسية‭ ‬هنا،‭ ‬هو‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬‮«‬عرب‮»‬‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المعادلة،‭ ‬بل‭ ‬مصالح‭ ‬عربية‭ ‬متباعدة‭.. ‬والسؤال‭ ‬الحقيقي‭ ‬هو‭ ‬‮«‬أي‭ ‬نموذج‭ ‬عربي‭ ‬سيصمد‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬القادم؟‮»‬‭.‬

أما‭ ‬السؤال‭ ‬الأهم‭ ‬فهو‭: ‬هل‭ ‬الدول‭ ‬العظمى‭ ‬المنافسة‭ (‬الصين،‭ ‬روسيا،‭ ‬الهند،‭ ‬البرازيل‭... ‬وغيرها‭) ‬ستترك‭ ‬الساحة‭ ‬للأمريكان‭ ‬لرسم‭ ‬خريطة‭ ‬مصالحها‭ ‬في‭ ‬المنطقة؟‭ ‬أم‭ ‬نتوقع‭ ‬أنواعا‭ ‬مختلفة‭ ‬من‭ ‬التدخل‭ ‬والممانعة‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الدول؟

الإجابة‭ ‬المختصرة‭ ‬والسريعة‭ ‬والموضوعية‭ ‬تقول‭: ‬لا،‭ ‬لن‭ ‬تترك‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى‭ ‬والمنافسة‭ ‬الساحة‭ ‬لأمريكا‭ ‬وحدها؛‭ ‬لكن‭ ‬التدخل‭ ‬والممانعة‭ ‬لن‭ ‬يكونا‭ ‬على‭ ‬النمط‭ ‬القديم‭ (‬تحالفات‭ ‬عسكرية‭ ‬أو‭ ‬مواجهات‭ ‬مباشرة‭)‬،‭ ‬بل‭ ‬عبر‭ ‬مسارات‭ ‬متوازية‭ ‬من‭ ‬الوساطة‭ ‬والضغط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وإعادة‭ ‬التموضع‭.‬

الخلاصة،‭ ‬كل‭ ‬قوة‭ ‬تتحرك‭ ‬وفق‭ ‬مصالحها،‭ ‬والمنطقة‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬نظام‭ ‬هجين‭ ‬متعدد‭ ‬المسارات‭ ‬لا‭ ‬يسيطر‭ ‬عليه‭ ‬طرف‭ ‬واحد‭... ‬فأي‭ ‬المسارات‭ ‬سيسلكه‭ ‬العرب؟

sr@sameerarajab‭.‬net

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا