زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
عن روما وواشنطن
عندي عرض مطوّل في صحيفة الأوبزيرفر اللندنية، عن عمل روائي ضخم محوره الكارثة التي حاقت بمدينة بومباي الإيطالية عندما ثار بركان فسيوفياس وأهلك الزرع والضرع في المدينة، فهلك مئات الآلاف من البشر في ثوان، وبالضرورة فإن الكاتب يتناول عظمة الإمبراطورية الرومانية، والتطور الهائل الذي شهدته في ميادين الري والزراعة والعمران والصناعة، وكانت تلك الإمبراطورية تغطي كل ما يعرف بالعالم القديم، ولم يصمد بلد تعرض للغزو منها أمام سطوة جيوشها. وبسبب كل تلك الأبهة والسلطان والهيلمان، جاء جيل من الأباطرة ممتلئ غرورا وثقة بالنفس واستخفافا بالآخرين، من بينهم كاليجولا وكان معتوها سفيها ودمويا لم ينج من سيفه حتى أفراد عائلته. وكان لا يرى أنه يوجد فرق بين الجريمة والفضيلة، وبين الخير والشر، وبين الموت والحياة. ومنهم نيرون الذي قتل أمه وزوجته وأحرق روما، وفي هذا قال شاعرنا محمود درويش: نيرون مات ولم تمت روما بعينيها تقاتل/ وحبوب سنبلة تجف ستملأ الدنيا سنابل.
ارتكب أباطرة روما حماقات استراتيجية، فكان أن عرف الجيش الروماني الهزائم وكان أن تمردت على سلطته بعض الأقاليم التي كانت تدين لروما بالولاء التام، وتفككت أكبر إمبراطورية عرفها التاريخ، ولعل من شاهدوا فيلم «ذا فول أوف ذا رومان أمباير»؛ ويعني «سقوط الإمبراطورية الرومانية» الذي شارك فيه عمر الشريف، تناولوا جرعة مكثفة من التاريخ تشرح كيف يمكن لبنيان ضخم أن يتهاوى كبيت الكرتون إذا أهمل بُناته ومهندسوه أمره، وحسبوا انه «خالد» لكونه محكم البناء وبلا نظير.
وأمريكا المعاصرة كما قال العديد من الكتاب السياسيين هي الإمبراطورية الرومانية المعاصرة: جيوشها في أركان الدنيا الأربعة تأمر وتنهى. تتحكم في سعر النحاس والقطن والجرجير. تنتج الصواريخ والفياغرا ومايكل جاكسون. تحدد كيف يتم تدريس الجغرافيا والجمباز.. تعتبر الاستماع إلى هيفاء وهبي علامة تحضر ورقي، وفي علم الفيزياء فإن التمدد الشديد يكون على حساب تماسك الشيء ويؤدي إلى تراخيه ووهنه!! وأمريكا كما نقول في العامية السودانية «انشَرَّت» أي تمددت وترهلت، وفي الوقت الحالي فإن أكثر من ثلثي القوات الأمريكية المقاتلة توجد خارج الأراضي الأمريكية، وهو خطأ استراتيجي نبه إليه قادة عسكريون متمرسون، الأمريكان اليوم في اليابان وكوريا وهاييتي وليبيريا والعراق وأذربيجان وبنما وجرينادا وأوروبا وسيراليون، ولو فتحت الثلاجة الآن لوجدت فيها جنديا أمريكيا مثلجا ينتظر الأوامر ليدخل المايكروويف للتسخين ثم الشروع في القتال. وصحاري أمريكا في نيفادا وأريزونا مستودعات ضخمة لقنابل نووية تكفي لتدمير الكرة الأرضية 14 مرة. وهزة أرضية من النوع الذي قضى على بومباي الرومانية أو حماقة بسيطة من شخص معتوه قد تؤدي إلى فناء الولايات المتحدة كليا أو جزئيا، والانقطاع الفاجع للتيار الكهربائي في القلب الصناعي والتجاري لأمريكا قبل أشهر قليلة مؤشر على أن القوة العسكرية لا تجدي في مواقف معينة. ثم إن الضعيف لا يبقى ضعيفا إلى الأبد، والعكس صحيح؛ فقد كان للعرب يوما ما إمبراطورية تضاهي الدولة الرومانية، ثم صاروا يستجدون الطعام والأمان ممن أذاقوهم المر والهوان. والصين كانت إلى عهد قريب بحاجة إلى راع وكفيل، ثم تحولت إلى أكبر قوة صاعدة في العالم المعاصر: لديها موارد طبيعية.. وقوى بشرية منضبطة تأكل الزلط.. وتاريخ عريق لم تتبرأ منه.. ولديها الماء والأرض.. والتكنولوجيا والسلاح.. وبعد عقد أو اثنين ستنتقل الأمم المتحدة إلى شنغهاي أو هونغ كونغ وستهرع الوفود العربية إلى بكين لمناشدة الصين أن تضغط على إسرائيل لـ«تعترف» بالدول العربية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك