العدد : ١٧٧١٢ - الأحد ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧١٢ - الأحد ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

مقالات

«أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ»

{ بقلم: عيسى بن عبدالرحمن الحمادي

الأحد ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

إنّ‭ ‬للمقدسات‭ ‬حُرُماتٍ‭ ‬لا‭ ‬تُقاس‭ ‬بمساحة‭ ‬الأرض،‭ ‬ولا‭ ‬تُحدّ‭ ‬بحدود‭ ‬البشر؛‭ ‬غير‭ ‬أنّ‭ ‬بيتًا‭ ‬اختاره‭ ‬الله،‭ ‬ونسبه‭ ‬إلى‭ ‬نفسه‭ ‬تشريفًا،‭ ‬وجعله‭ ‬مثابةً‭ ‬للناس‭ ‬وأمنًا،‭ ‬وقبلةً‭ ‬للمسلمين‭ ‬وحرمًا؛‭ ‬تهوي‭ ‬إليه‭ ‬الأفئدة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تقصده‭ ‬الأقدام،‭ ‬وتحنّ‭ ‬إليه‭ ‬الأرواح‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تكتحل‭ ‬برؤيته‭ ‬الأجفان‭.‬

ذلك‭ ‬بيت‭ ‬الله‭ ‬الحرام‭.‬

لم‭ ‬يختر‭ ‬إبراهيم‭ ‬عليه‭ ‬السلام‭ ‬موضع‭ ‬البيت‭ ‬من‭ ‬رأيه،‭ ‬بل‭ ‬بوّأه‭ ‬الله‭ ‬مكانه،‭ ‬فقال‭ ‬سبحانه‭: ‬‮«‬وَإِذْ‭ ‬بَوَّأْنَا‭ ‬لِإِبْرَاهِيمَ‭ ‬مَكَانَ‭ ‬الْبَيْتِ‮»‬‭. ‬ثم‭ ‬قال‭ ‬سبحانه‭: ‬‮«‬وَإِذْ‭ ‬جَعَلْنَا‭ ‬الْبَيْتَ‭ ‬مَثَابَةً‭ ‬لِلنَّاسِ‭ ‬وَأَمْنًا‮»‬،‭ ‬ودعا‭ ‬الخليل‭: ‬‮«‬رَبِّ‭ ‬اجْعَلْ‭ ‬هَذَا‭ ‬الْبَلَدَ‭ ‬آمِنًا»؛‭ ‬فاجتمع‭ ‬له‭ ‬شرف‭ ‬المكان،‭ ‬وحرمة‭ ‬البنيان،‭ ‬وأمن‭ ‬الإنسان‭.‬

وحين‭ ‬أعلنت‭ ‬المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية‭ ‬اعتراضَ‭ ‬وتدميرَ‭ ‬طائرةٍ‭ ‬مسيّرة‭ ‬أطلقتها‭ ‬جماعة‭ ‬الحوثي‭ ‬الإرهابي‭ ‬باتجاه‭ ‬مكة‭ ‬المكرمة‭ ‬قبل‭ ‬دخولها‭ ‬مجالها‭ ‬الجوي‭ ‬المحظور،‭ ‬جاء‭ ‬الموقف‭ ‬على‭ ‬قدر‭ ‬المقام‭: ‬حزمٌ‭ ‬لا‭ ‬يلين،‭ ‬وعزمٌ‭ ‬لا‭ ‬يستكين؛‭ ‬أمن‭ ‬مكة‭ ‬مصون،‭ ‬وحرمها‭ ‬مأمون،‭ ‬ومقدساتها‭ ‬لا‭ ‬تُهان،‭ ‬وحماية‭ ‬الحرمين‭ ‬عهدٌ‭ ‬يُصان‭ ‬وأمانةٌ‭ ‬لا‭ ‬تُخان‭.‬

وسارعت‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬إلى‭ ‬الاستنكار‭ ‬ببيانٍ‭ ‬جليّ‭ ‬وموقفٍ‭ ‬وفيّ،‭ ‬وتتابعت‭ ‬المواقف‭ ‬الخليجية‭ ‬والعربية‭ ‬والإسلامية؛‭ ‬فاجتمعت‭ ‬الكلمة‭ ‬على‭ ‬صون‭ ‬البيت،‭ ‬ورفض‭ ‬كل‭ ‬عدوانٍ‭ ‬أو‭ ‬امتهان‭.‬

وتعجز‭ ‬كلمات‭ ‬الثناء‭ ‬أن‭ ‬تفي‭ ‬المملكة‭ ‬حقها،‭ ‬بقيادة‭ ‬خادم‭ ‬الحرمين‭ ‬الشريفين‭ ‬الملك‭ ‬سلمان‭ ‬بن‭ ‬عبدالعزيز،‭ ‬وسمو‭ ‬ولي‭ ‬عهده‭ ‬الأمير‭ ‬محمد‭ ‬بن‭ ‬سلمان؛‭ ‬فقد‭ ‬حملت‭ ‬أمانة‭ ‬الحرمين‭ ‬حفظًا‭ ‬ورعاية،‭ ‬وصانتهما‭ ‬أمنًا‭ ‬وعناية،‭ ‬وسخّرت‭ ‬لخدمتهما‭ ‬الرجال‭ ‬والإمكانات‭.‬

 

ومن‭ ‬أراد‭ ‬أن‭ ‬يعرف‭ ‬عِظَم‭ ‬الجرم‭ ‬في‭ ‬إرادة‭ ‬السوء‭ ‬بالحرم،‭ ‬فليقرأ‭: ‬‮«‬وَمَنْ‭ ‬يُرِدْ‭ ‬فِيهِ‭ ‬بِإِلْحَادٍ‭ ‬بِظُلْمٍ‭ ‬نُذِقْهُ‭ ‬مِنْ‭ ‬عَذَابٍ‭ ‬أَلِيمٍ‮»‬‭. ‬فتأمّل‭: ‬لم‭ ‬يقل‭ ‬سبحانه‭ ‬ومن‭ ‬يفعل،‭ ‬بل‭ ‬قال‭ ‬‮«‬وَمَنْ‭ ‬يُرِدْ‮»‬؛‭ ‬فجعل‭ ‬للإرادة‭ ‬حسابًا،‭ ‬وللقصد‭ ‬وعيدًا،‭ ‬فكيف‭ ‬بمن‭ ‬دبّر‭ ‬ووجّه،‭ ‬وأطلق‭ ‬واستهدف؟

ثم‭ ‬ارجع‭ ‬إلى‭ ‬التاريخ؛‭ ‬ففي‭ ‬صفحاته‭ ‬اعتبار،‭ ‬وفي‭ ‬حوادثه‭ ‬إنذار،‭ ‬وفي‭ ‬سننه‭ ‬للمتجبّر‭ ‬انكسار‭. ‬جاء‭ ‬أصحاب‭ ‬الفيل‭ ‬يريدون‭ ‬البيت،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتهم‭ ‬أبرهة‭ ‬كما‭ ‬حفظت‭ ‬كتب‭ ‬السيرة،‭ ‬بجيشٍ‭ ‬ظنّه‭ ‬غالبًا‭ ‬لا‭ ‬يُغلب؛‭ ‬وما‭ ‬علم‭ ‬أنّ‭ ‬للبيت‭ ‬ربًا‭ ‬يحميه،‭ ‬وللحرم‭ ‬ربًا‭ ‬يصونه‭.‬

فسجّل‭ ‬القرآن‭ ‬الواقعة‭ ‬لا‭ ‬خبرًا‭ ‬يُروى،‭ ‬بل‭ ‬آيةً‭ ‬تُتلى‭ ‬وسنّةً‭ ‬لا‭ ‬تبلى‭:‬

‮«‬أَلَمْ‭ ‬تَرَ‭ ‬كَيْفَ‭ ‬فَعَلَ‭ ‬رَبُّكَ‭ ‬بِأَصْحَابِ‭ ‬الْفِيلِ‭ ( ) ‬أَلَمْ‭ ‬يَجْعَلْ‭ ‬كَيْدَهُمْ‭ ‬فِي‭ ‬تَضْلِيلٍ‭ ( ) ‬وَأَرْسَلَ‭ ‬عَلَيْهِمْ‭ ‬طَيْرًا‭ ‬أَبَابِيلَ‭ ( ) ‬تَرْمِيهِمْ‭ ‬بِحِجَارَةٍ‭ ‬مِنْ‭ ‬سِجِّيلٍ‭ ( ) ‬فَجَعَلَهُمْ‭ ‬كَعَصْفٍ‭ ‬مَأْكُولٍ‮»‬‭.‬

فالعبرة‭ ‬في‭ ‬الكيد‭ ‬ومآله؛‭ ‬خرجوا‭ ‬في‭ ‬قوةٍ‭ ‬فآبوا‭ ‬بخيبة،‭ ‬وأقبلوا‭ ‬في‭ ‬زهوٍ‭ ‬فانقلبوا‭ ‬بهزيمة،‭ ‬وأرادوا‭ ‬للبيت‭ ‬زوالًا‭ ‬فكان‭ ‬الزوال‭ ‬لهم؛‭ ‬فبقي‭ ‬البيت‭ ‬والطواف‭ ‬والتكبير،‭ ‬ولم‭ ‬يبقَ‭ ‬منهم‭ ‬إلا‭ ‬خبر‭ ‬كيدٍ‭ ‬أُبطل‭ ‬وغرورٍ‭ ‬أُذل‭.‬

والحوثي،‭ ‬كالصفوي‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬القياس،‭ ‬غيّر‭ ‬مذهبه‭ ‬طمعًا‭ ‬في‭ ‬السلطة،‭ ‬لا‭ ‬إيمانًا‭ ‬صادقًا‭ ‬بالمذهب؛‭ ‬فجاء‭ ‬بمشروعٍ‭ ‬يوظّف‭ ‬المذهب‭ ‬والسياسة‭ ‬معًا‭ ‬طلبًا‭ ‬للنفوذ‭ ‬والتمكين‭. ‬فإذا‭ ‬صار‭ ‬المذهب‭ ‬أداة،‭ ‬والشعار‭ ‬مطيّة،‭ ‬والمظلومية‭ ‬ذريعة،‭ ‬والحكم‭ ‬غاية؛‭ ‬صار‭ ‬السؤال‭: ‬ماذا‭ ‬صُنِع‭ ‬بالمذهب؟‭ ‬وأيُّ‭ ‬سلطانٍ‭ ‬طُلب‭ ‬باسمه؟‭ ‬وأيُّ‭ ‬نفوذٍ‭ ‬ابتُغي‭ ‬تحت‭ ‬رسمه؟

وطوبى‭ ‬لمن‭ ‬بقي‭ ‬على‭ ‬صفاء‭ ‬مذهبه‭ ‬ونقاء‭ ‬معتقده،‭ ‬فلم‭ ‬يلوّثه‭ ‬بدنس‭ ‬التوظيف‭ ‬السياسي،‭ ‬ولم‭ ‬يزجّ‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬مسالك‭ ‬الحكم‭ ‬الثيوقراطي؛‭ ‬كما‭ ‬وقع‭ ‬في‭ ‬المسلك‭ ‬الصفوي،‭ ‬وفي‭ ‬ولاية‭ ‬الفقيه،‭ ‬ثم‭ ‬سار‭ ‬على‭ ‬النهج‭ ‬ذاته‭ ‬الحوثي‭ ‬وزمرته‭. ‬فالمذهب‭ ‬إذا‭ ‬بقي‭ ‬عبادةً‭ ‬وعلمًا‭ ‬وخلقًا،‭ ‬صان‭ ‬أهله‭ ‬ورفع‭ ‬قدره؛‭ ‬وإذا‭ ‬حُمّل‭ ‬مطامع‭ ‬السلطان،‭ ‬وشهوة‭ ‬النفوذ،‭ ‬ومنازعات‭ ‬الحكم،‭ ‬أفسده‭ ‬الطامعون،‭ ‬وابتذله‭ ‬المتاجرون،‭ ‬وأضاعه‭ ‬من‭ ‬زعموا‭ ‬أنهم‭ ‬له‭ ‬ناصرون‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬يبلغ‭ ‬التناقض‭ ‬منتهاه‭ ‬عند‭ ‬مكة؛‭ ‬فأي‭ ‬مشروعٍ‭ ‬يرفع‭ ‬اسم‭ ‬الله‭ ‬ثم‭ ‬يمتد‭ ‬سلاحه‭ ‬إلى‭ ‬جهة‭ ‬بيت‭ ‬الله؟‭ ‬وأي‭ ‬رايةٍ‭ ‬دينية‭ ‬تبقى‭ ‬لها‭ ‬حرمة‭ ‬إذا‭ ‬صارت‭ ‬القبلة‭ ‬في‭ ‬دائرة‭ ‬التهديد؟‭ ‬وهنا‭ ‬تسقط‭ ‬الشعارات،‭ ‬وتنفضح‭ ‬المسارات،‭ ‬وتنكشف‭ ‬الستارات‭.‬

إنها‭ ‬مكة؛‭ ‬إذا‭ ‬ذُكرت‭ ‬سكنت‭ ‬القلوب،‭ ‬وإذا‭ ‬رُئي‭ ‬بيتها‭ ‬هطلت‭ ‬العيون‭. ‬فيها‭ ‬مقام‭ ‬إبراهيم،‭ ‬ومنها‭ ‬القبلة،‭ ‬وإليها‭ ‬الحج؛‭ ‬يأتيها‭ ‬الناس‭ ‬لا‭ ‬يحملون‭ ‬سلاحًا‭ ‬بل‭ ‬دعاء،‭ ‬ولا‭ ‬يطلبون‭ ‬سلطانًا‭ ‬بل‭ ‬رجاء‭.‬

ومن‭ ‬يستكثر‭ ‬على‭ ‬المسلمين‭ ‬غضبتهم‭ ‬إذا‭ ‬مُسّت‭ ‬حرمة‭ ‬مكة،‭ ‬فليعد‭ ‬بذاكرته‭ ‬إلى‭ ‬حريق‭ ‬كاتدرائية‭ ‬نوتردام؛‭ ‬يوم‭ ‬توالت‭ ‬بيانات‭ ‬التضامن،‭ ‬وتدفقت‭ ‬مئات‭ ‬الملايين‭ ‬لإعادة‭ ‬ما‭ ‬أتلفه‭ ‬الحريق‭ ‬من‭ ‬بنيان‭. ‬فإذا‭ ‬هبّ‭ ‬العالم‭ ‬لحريقٍ‭ ‬عارض،‭ ‬فكيف‭ ‬يُستنكر‭ ‬غضب‭ ‬أمةٍ‭ ‬حين‭ ‬يمتد‭ ‬التهديد‭ ‬عمدًا‭ ‬وبالسلاح‭ ‬إلى‭ ‬مكة‭ ‬وبيت‭ ‬الله‭ ‬الحرام؟‭ ‬هناك‭ ‬حادثٌ‭ ‬عابر،‭ ‬وهنا‭ ‬قصدٌ‭ ‬سافر،‭ ‬وبين‭ ‬العارض‭ ‬والقاصد‭ ‬بونٌ‭ ‬لا‭ ‬يستره‭ ‬بيان‭ ‬ولا‭ ‬يموّهه‭ ‬بهتان‭.‬

وعلى‭ ‬العالم‭ ‬أن‭ ‬يبتعد‭ ‬عن‭ ‬وزن‭ ‬الإرهاب‭ ‬بمكيال‭ ‬المصلحة،‭ ‬وألّا‭ ‬تتبدّل‭ ‬صفته‭ ‬بتبدّل‭ ‬المسافة‭ ‬والراية؛‭ ‬فقد‭ ‬رُفع‭ ‬عن‭ ‬الحوثي‭ ‬التصنيف‭ ‬سنواتٍ‭ ‬اتسعت‭ ‬خلالها‭ ‬شبكات‭ ‬تمويله،‭ ‬ونمت‭ ‬موارده،‭ ‬وتطورت‭ ‬تجهيزاته‭ ‬العسكرية،‭ ‬وتعاظمت‭ ‬قدراته‭ ‬بالصواريخ‭ ‬والطائرات‭ ‬المسيّرة؛‭ ‬ثم‭ ‬أُعيد‭ ‬تصنيفه‭ ‬إرهابيًّا،‭ ‬فإذا‭ ‬به‭ ‬يُجلس‭ ‬معه‭ ‬إلى‭ ‬التفاوض،‭ ‬ويُكتفى‭ ‬منه‭ ‬بتعهّدٍ‭ ‬ألا‭ ‬تمسّ‭ ‬بعض‭ ‬السفن،‭ ‬فيما‭ ‬يبقى‭ ‬سلاحه‭ ‬موجّهًا‭ ‬إلى‭ ‬سفنٍ‭ ‬أخرى‭. ‬فالإرهاب‭ ‬لا‭ ‬تبرّئه‭ ‬موائد‭ ‬الحوار،‭ ‬ولا‭ ‬تُطهّره‭ ‬تعهّدات‭ ‬البحار،‭ ‬ولا‭ ‬يصبح‭ ‬الخطر‭ ‬مقبولًا‭ ‬إذا‭ ‬ابتعد‭ ‬عن‭ ‬الدار‭ ‬واقترب‭ ‬من‭ ‬الجار‭.‬

وفي‭ ‬سنن‭ ‬الله‭ ‬ما‭ ‬يُغني‭ ‬عن‭ ‬طول‭ ‬البيان؛‭ ‬فالبغي‭ ‬وإن‭ ‬طال‭ ‬فإلى‭ ‬زوال،‭ ‬والظلم‭ ‬وإن‭ ‬صال‭ ‬فإلى‭ ‬اضمحلال،‭ ‬والباطل‭ ‬وإن‭ ‬انتفخ‭ ‬فإلى‭ ‬انحلال‭. ‬ومن‭ ‬جعل‭ ‬الناس‭ ‬وقودًا‭ ‬لمشروعه،‭ ‬والدين‭ ‬مطيةً‭ ‬لسلطانه،‭ ‬حمل‭ ‬في‭ ‬أسباب‭ ‬بقائه‭ ‬بذور‭ ‬فنائه‭.‬

واليمن‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬جماعة،‭ ‬وأقدم‭ ‬من‭ ‬راية،‭ ‬وأبقى‭ ‬من‭ ‬حربٍ‭ ‬ووصاية؛‭ ‬فالدولة‭ ‬أبقى‭ ‬من‭ ‬المليشيا،‭ ‬والوطن‭ ‬أوسع‭ ‬من‭ ‬مشروعٍ‭ ‬ودعاية،‭ ‬والشعب‭ ‬أرسخ‭ ‬من‭ ‬بندقيةٍ‭ ‬وراية‭. ‬وسيبقى‭ ‬اليمن‭ ‬لأهله،‭ ‬ووحدته‭ ‬سياجه،‭ ‬واستقلاله‭ ‬منهاجه‭.‬

وتُعلّمنا‭ ‬الحروب‭ ‬أنّ‭ ‬الدولة‭ ‬لا‭ ‬تُهزم‭ ‬بعدوّ‭ ‬أمامها‭ ‬وحده،‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬تُؤتى‭ ‬من‭ ‬فسادٍ‭ ‬في‭ ‬داخلها،‭ ‬وخيانةٍ‭ ‬في‭ ‬ظهرها،‭ ‬وذمّةٍ‭ ‬اشتراها‭ ‬المال‭ ‬فأعماها‭. ‬فلا‭ ‬وطن‭ ‬يُبنى‭ ‬على‭ ‬خائن،‭ ‬ولا‭ ‬نصر‭ ‬يُصان‭ ‬بيد‭ ‬من‭ ‬يبيع‭ ‬أهله‭ ‬أو‭ ‬يفرّط‭ ‬فيما‭ ‬حرّره‭ ‬جيشه؛‭ ‬فالعدو‭ ‬أمامك‭ ‬خطر،‭ ‬والخائن‭ ‬خلفك‭ ‬شرر‭.‬

وهذه‭ ‬هي‭ ‬العبرة‭: ‬بيت‭ ‬الله‭ ‬حرام،‭ ‬ومكة‭ ‬أمنٌ‭ ‬وأمان،‭ ‬وسنن‭ ‬الله‭ ‬ماضية‭ ‬لا‭ ‬يحجبها‭ ‬سلطان‭ ‬ولا‭ ‬يردّها‭ ‬طغيان‭.‬

ذهب‭ ‬الفيل‭ ‬وبقي‭ ‬البيت،‭ ‬وسقط‭ ‬الكيد‭ ‬وبقي‭ ‬التوحيد،‭ ‬وفني‭ ‬المعتدون‭ ‬وبقي‭ ‬النداء؛‭ ‬يزول‭ ‬المعتدي‭ ‬ويبقى‭ ‬الحرم،‭ ‬ويفنى‭ ‬السلطان‭ ‬ويبقى‭ ‬القرآن‭.‬

فمن‭ ‬ظنّ‭ ‬أن‭ ‬المسيّرة‭ ‬تعلو‭ ‬حرمة‭ ‬مكة،‭ ‬فليفتح‭ ‬المصحف‭ ‬وليتدبّر؛‭ ‬ومن‭ ‬ظنّ‭ ‬أن‭ ‬السلاح‭ ‬أمضى‭ ‬من‭ ‬سنن‭ ‬الله،‭ ‬فليقرأ‭ ‬التاريخ‭ ‬وليتذكّر؛‭ ‬ومن‭ ‬ظنّ‭ ‬أن‭ ‬الكيد‭ ‬إذا‭ ‬عظم‭ ‬نجا‭ ‬صاحبه‭ ‬من‭ ‬العاقبة،‭ ‬فلينظر‭ ‬في‭ ‬مصائر‭ ‬من‭ ‬طغى‭ ‬وتجبّر‭ ‬ثم‭ ‬ليعتبر‭:‬

‮«‬أَلَمْ‭ ‬يَجْعَلْ‭ ‬كَيْدَهُمْ‭ ‬فِي‭ ‬تَضْلِيلٍ‮»‬‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا