العدد : ١٧٧١٢ - الأحد ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧١٢ - الأحد ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

مقالات

الحب كأساس للروابط

بقلم: المحامية د. هنادي بنت عيسى الجودر

الأحد ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

القراء‭ ‬الأعزاء،‭ ‬

سأخبركم‭ ‬سراً‭ ‬حول‭ ‬عاداتي‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬بنات‭ ‬أفكاري،‭ ‬حيث‭ ‬اعتدت‭ ‬على‭ ‬دوام‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬سبق‭ ‬لي‭ ‬كتابته‭ ‬من‭ ‬قصائد‭ ‬ومقالات،‭ ‬فأعيد‭ ‬قراءتها‭ ‬،‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬معاودة‭ ‬القراءة‭ ‬بعد‭ ‬زمن‭ ‬تفتح‭ ‬آفاقاً‭ ‬جديدة‭ ‬ومجالات‭ ‬للتعلم،‭  ‬ففيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالقصائد،‭ ‬إن‭ ‬كل‭ ‬قراءة‭ ‬لها‭ ‬تلهمني‭ ‬بتعديل‭ ‬أو‭ ‬فكرة‭ ‬أو‭ ‬إضافة‭ ‬جديدة‭ ‬أجد‭ ‬القصيدة‭ ‬معها‭ ‬أفضل،‭ ‬وهكذا‭ ‬أيضاً‭ ‬في‭ ‬المقالات‭ ‬فدائماً‭ ‬ما‭ ‬أجد‭ ‬صياغة‭ ‬أفضل‭ ‬لطرح‭ ‬إحدى‭ ‬الأفكار‭ ‬التي‭ ‬وردت‭ ‬فيها،‭ ‬فيكون‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬إضاءة‭ ‬للقادم‭.‬

واثناء‭ ‬تصفحي‭ ‬مواضيع‭ ‬المقالات‭ ‬التي‭ ‬كتبتها‭ ‬خلال‭ ‬هذا‭ ‬العام،‭ ‬وأغلبها‭ ‬تمحورت‭ ‬حول‭ ‬قضايا‭ ‬الأسرة‭ ‬وقضايا‭ ‬الوطن،‭ ‬وجميعها‭ ‬تلتقي‭ ‬في‭ ‬شعور‭ ‬واحد‭ ‬وهو‭ ‬الحب،‭ ‬حبّ‭ ‬الوطن‭ ‬وحب‭ ‬الأسرة،‭ ‬والذين‭ ‬ما‭ ‬يُعزز‭ ‬أحدهما‭ ‬الآخر،‭ ‬فاخترت‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬هذا‭ ‬المقال‭ ‬عن‭ ‬الحب،‭ ‬الذي‭ ‬من‭ ‬الواضح‭ ‬بأنه‭ ‬غائب‭ ‬عند‭ ‬البعض،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يُنبئ‭ ‬بوجود‭ ‬خلل‭ ‬في‭ ‬مشاعرهم‭.‬

فالحب‭ ‬هو‭ ‬أجمل‭ ‬وأسمى‭ ‬المشاعر‭ ‬التي‭ ‬تربط‭ ‬الإنسان‭ ‬بالآخرين‭ (‬الأشخاص‭ ‬والمحيط‭) ‬وتوطد‭ ‬علاقاته‭ ‬بهما،‭ ‬فكلما‭ ‬كان‭ ‬الشعور‭ ‬بالحب‭ ‬عميقاً‭ ‬كلما‭ ‬زادت‭ ‬وتيرة‭ ‬الودّ‭ ‬والطيب‭ ‬والمعاملة‭ ‬الحسنة‭ ‬والايثار‭ ‬والبذل‭ ‬والعطاء‭ ‬والتضحية‭ ‬في‭ ‬محيطه‭ ‬وكلما‭ ‬حرص‭ ‬الإنسان‭ ‬على‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬ديمومة‭ ‬واستمرارية‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬واستقرارها،‭ ‬ووفر‭ ‬الحماية‭ ‬اللازمة‭ ‬للطرف‭ ‬الآخر‭ ‬ليغمره‭ ‬بالأمان‭ ‬والسلام‭ ‬والطمأنينة‭.‬

‭ ‬فالعلاقة‭ ‬بالوطن‭ ‬ركيزتها‭ ‬الحب،‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬حب‭ ‬الوطن‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يُعزز‭ ‬الانتماء‭ ‬له‭ ‬والولاء‭ ‬لأرضه‭ ‬وقيادته‭ ‬واحترام‭ ‬قوانينه‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬مكتسباته‭ ‬والغيرة‭ ‬عليه‭ ‬والدفاع‭ ‬عنه،‭ ‬والحب‭ ‬في‭ ‬الأسرة‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يمنحها‭ ‬الاستمرارية‭ ‬والقوة‭ ‬والترابط‭ ‬ويجعلها‭ ‬الموطن‭ ‬الآمن‭ ‬لجميع‭ ‬أفرادها‭ ‬ولاسيما‭ ‬الأطفال‭.‬

لذا‭ ‬فإن‭ ‬غياب‭ ‬حبّ‭ ‬الوطن‭ ‬هو‭ ‬المحرّك‭ ‬الأساسي‭ ‬لخيانته‭ ‬بشتى‭ ‬أنواع‭ ‬الصور،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬بالتخابر‭ ‬والتعاون‭ ‬مع‭ ‬العدو،‭ ‬بل‭ ‬وبمخالفة‭ ‬قوانينه‭ ‬وعدم‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬أمنه‭ ‬الداخلي‭ ‬وأمواله‭ ‬العامة‭ ‬وسلامة‭ ‬الآخرين‭ ‬وطمأنينتهم‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬غياب‭ ‬الحب‭ ‬في‭ ‬العلاقة‭ ‬الزوجية‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬يوصل‭ ‬العلاقة‭ ‬إلى‭ ‬نهايتها،‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الزواج‭ ‬يُبنى‭ ‬شرعاً‭ ‬على‭ ‬المودة‭ ‬والرحمة،‭ ‬فمتى‭ ‬ما‭ ‬غاب‭ ‬هذان‭ ‬الاثنان‭ ‬انهارت‭ ‬اساسات‭ ‬الزيجة،‭ ‬ولاسيما‭ ‬إن‭ ‬اتخذت‭ ‬صور‭ ‬غياب‭ ‬الحب‭ ‬إلحاق‭ ‬الأذى‭ ‬البدني‭ ‬والنفسي‭ ‬والمادي‭ ‬واللفظي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬بالزوجة‭ ‬والأبناء،‭ ‬ويكون‭ ‬سبباً‭ ‬في‭ ‬تقويض‭ ‬العلاقة‭ ‬الزوجية‭ ‬بين‭ ‬الزوجين‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬تنفصم‭ ‬تلك‭ ‬العلاقة‭ ‬بالطلاق،‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الطلاق‭ ‬الصامت‭ ‬بين‭ ‬الزوجين‭ ‬يعتبر‭ ‬أشد‭ ‬ضرراً‭ ‬وأكثر‭ ‬إيلاماً‭ ‬للزوجة‭ ‬والأبناء‭ ‬من‭ ‬الطلاق‭ ‬الفعلي‭.‬

وقد‭ ‬شهدت‭ ‬كما‭ ‬شهد‭ ‬زملائي‭ ‬المحامين‭ ‬أسوأ‭ ‬صور‭ ‬غياب‭ ‬الحب‭ ‬والرحمة،‭ ‬في‭ ‬أكل‭ ‬مال‭ ‬الزوجة‭ ‬اثناء‭ ‬قيام‭ ‬العلاقة‭ ‬الزوجية‭ ‬وبعد‭ ‬انفصامها،‭ ‬ولاسيما‭ ‬في‭ ‬إيذاء‭ ‬الزوجة‭ ‬في‭ ‬حقوقها‭ ‬الزوجية‭ ‬بعد‭ ‬الطلاق‭ ‬من‭ ‬نفقة‭ ‬المتعة‭ ‬والعدة‭ ‬وبدل‭ ‬الحضانة،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬امساك‭ ‬الزوج‭ ‬للزوجة‭ ‬واصراره‭ ‬على‭ ‬ايقاع‭ ‬الأذى‭ ‬بها‭ ‬،‭ ‬فتكون‭ ‬سوء‭ ‬معاملته‭ ‬سبباً‭ ‬في‭ ‬طلب‭ ‬الطلاق‭ ‬للضرر‭ ‬الذي‭ ‬كثيراً‭ ‬ما‭ ‬يصعب‭ ‬على‭ ‬الزوجة‭ ‬اثباته،‭ ‬بسبب‭ ‬خصوصية‭ ‬الأسرة‭ ‬والأسرار‭ ‬الزوجية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يطّلع‭ ‬عليها‭ ‬أحد،‭ ‬وكلما‭ ‬ازداد‭ ‬الزوج‭ ‬خُبثاً‭ ‬كلما‭ ‬صعُب‭ ‬على‭ ‬الزوجة‭ ‬اثبات‭ ‬الضرر،‭ ‬فتضطر‭ ‬إلى‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬الخُلع،‭ ‬لتخرج‭ ‬من‭ ‬العلاقة‭ ‬الزوجية‭ ‬خاسرة‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬عمرها‭ ‬،‭ ‬وأموالها‭ ‬وصحتها‭ ‬الجسدية‭ ‬والنفسية،‭ ‬بل‭ ‬وأحياناً‭ ‬يأكل‭ ‬الزوج‭ ‬أحياناً‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬حق‭ ‬المهر‭ ‬الذي‭ ‬قدمه‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬استرجاعه،‭ ‬فتخيّلوا‭ ‬أن‭ ‬تنجو‭ ‬المرأة‭ ‬بنفسها‭ ‬من‭ ‬علاقة‭ ‬زوجية‭ ‬بجميع‭ ‬هذه‭ ‬الخسارات،‭ ‬خسارة‭ ‬اثناء‭ ‬الزواج‭ ‬وبعده،‭ ‬فبئساً‭ ‬لمثل‭ ‬هؤلاء‭ ‬الأزواج‭.‬

أما‭ ‬عن‭ ‬الأبناء‭ ‬فحدّت‭ ‬ولا‭ ‬حرج،‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الآباء‭ ‬يُحمّلون‭ ‬الأبناء‭ ‬ذنب‭ ‬الطلاق،‭ ‬فيُقتّرون‭ ‬في‭ ‬الانفاق‭ ‬عليهم‭ ‬رغم‭ ‬اليُسر،‭ ‬انتقاماً‭ ‬من‭ ‬الزوجة‭ ‬التي‭ ‬اختارت‭ ‬سلامها‭ ‬دونهم،‭ ‬استمراراً‭ ‬في‭ ‬الاضرار‭ ‬بها‭ ‬نفسياً‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬أكثر‭ ‬ما‭ ‬يؤذي‭ ‬الأم‭ ‬هو‭ ‬ضيق‭ ‬أبنائها،‭ ‬بل‭ ‬ومنهم‭ ‬من‭ ‬يتعدى‭ ‬ذلك‭ ‬ليأخذ‭ ‬أطفاله‭ ‬إلى‭ ‬طرقات‭ ‬الكراهية‭ ‬وعدم‭ ‬الاحترام‭ ‬بتحريضهم‭ ‬على‭ ‬والدتهم‭ ‬وعلى‭ ‬أقاربها،‭ ‬ليُفسد‭ ‬علاقتها‭ ‬بأبنائهما‭.‬

وما‭ ‬سبق‭ ‬هو‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬صورتين‭ ‬من‭ ‬صور‭ ‬غياب‭ ‬الحب،‭ ‬فتخيّلوا‭ ‬حجم‭ ‬الجمال‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬الحب‭ ‬هو‭ ‬سيد‭ ‬تلك‭ ‬الحالتين‭ ‬وتحسسوا‭ ‬اثره‭.‬

 

hanadialjowder@gmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا