القراء الأعزاء،
سأخبركم سراً حول عاداتي في التعامل مع بنات أفكاري، حيث اعتدت على دوام العودة إلى ما سبق لي كتابته من قصائد ومقالات، فأعيد قراءتها ، ذلك أن معاودة القراءة بعد زمن تفتح آفاقاً جديدة ومجالات للتعلم، ففيما يتعلق بالقصائد، إن كل قراءة لها تلهمني بتعديل أو فكرة أو إضافة جديدة أجد القصيدة معها أفضل، وهكذا أيضاً في المقالات فدائماً ما أجد صياغة أفضل لطرح إحدى الأفكار التي وردت فيها، فيكون في ذلك إضاءة للقادم.
واثناء تصفحي مواضيع المقالات التي كتبتها خلال هذا العام، وأغلبها تمحورت حول قضايا الأسرة وقضايا الوطن، وجميعها تلتقي في شعور واحد وهو الحب، حبّ الوطن وحب الأسرة، والذين ما يُعزز أحدهما الآخر، فاخترت أن يكون هذا المقال عن الحب، الذي من الواضح بأنه غائب عند البعض، الأمر الذي يُنبئ بوجود خلل في مشاعرهم.
فالحب هو أجمل وأسمى المشاعر التي تربط الإنسان بالآخرين (الأشخاص والمحيط) وتوطد علاقاته بهما، فكلما كان الشعور بالحب عميقاً كلما زادت وتيرة الودّ والطيب والمعاملة الحسنة والايثار والبذل والعطاء والتضحية في محيطه وكلما حرص الإنسان على الحفاظ على ديمومة واستمرارية هذه العلاقة واستقرارها، ووفر الحماية اللازمة للطرف الآخر ليغمره بالأمان والسلام والطمأنينة.
فالعلاقة بالوطن ركيزتها الحب، ذلك أن حب الوطن هو الذي يُعزز الانتماء له والولاء لأرضه وقيادته واحترام قوانينه والحفاظ على مكتسباته والغيرة عليه والدفاع عنه، والحب في الأسرة هو الذي يمنحها الاستمرارية والقوة والترابط ويجعلها الموطن الآمن لجميع أفرادها ولاسيما الأطفال.
لذا فإن غياب حبّ الوطن هو المحرّك الأساسي لخيانته بشتى أنواع الصور، ليس فقط بالتخابر والتعاون مع العدو، بل وبمخالفة قوانينه وعدم الحفاظ على أمنه الداخلي وأمواله العامة وسلامة الآخرين وطمأنينتهم.
كما أن غياب الحب في العلاقة الزوجية هو الذي قد يوصل العلاقة إلى نهايتها، ذلك أن الزواج يُبنى شرعاً على المودة والرحمة، فمتى ما غاب هذان الاثنان انهارت اساسات الزيجة، ولاسيما إن اتخذت صور غياب الحب إلحاق الأذى البدني والنفسي والمادي واللفظي والاجتماعي بالزوجة والأبناء، ويكون سبباً في تقويض العلاقة الزوجية بين الزوجين حتى وإن لم تنفصم تلك العلاقة بالطلاق، ذلك أن الطلاق الصامت بين الزوجين يعتبر أشد ضرراً وأكثر إيلاماً للزوجة والأبناء من الطلاق الفعلي.
وقد شهدت كما شهد زملائي المحامين أسوأ صور غياب الحب والرحمة، في أكل مال الزوجة اثناء قيام العلاقة الزوجية وبعد انفصامها، ولاسيما في إيذاء الزوجة في حقوقها الزوجية بعد الطلاق من نفقة المتعة والعدة وبدل الحضانة، من خلال امساك الزوج للزوجة واصراره على ايقاع الأذى بها ، فتكون سوء معاملته سبباً في طلب الطلاق للضرر الذي كثيراً ما يصعب على الزوجة اثباته، بسبب خصوصية الأسرة والأسرار الزوجية التي لا يطّلع عليها أحد، وكلما ازداد الزوج خُبثاً كلما صعُب على الزوجة اثبات الضرر، فتضطر إلى اللجوء إلى الخُلع، لتخرج من العلاقة الزوجية خاسرة سنوات من عمرها ، وأموالها وصحتها الجسدية والنفسية، بل وأحياناً يأكل الزوج أحياناً من دون حق المهر الذي قدمه لها في حال استرجاعه، فتخيّلوا أن تنجو المرأة بنفسها من علاقة زوجية بجميع هذه الخسارات، خسارة اثناء الزواج وبعده، فبئساً لمثل هؤلاء الأزواج.
أما عن الأبناء فحدّت ولا حرج، ذلك أن بعض الآباء يُحمّلون الأبناء ذنب الطلاق، فيُقتّرون في الانفاق عليهم رغم اليُسر، انتقاماً من الزوجة التي اختارت سلامها دونهم، استمراراً في الاضرار بها نفسياً ذلك أن أكثر ما يؤذي الأم هو ضيق أبنائها، بل ومنهم من يتعدى ذلك ليأخذ أطفاله إلى طرقات الكراهية وعدم الاحترام بتحريضهم على والدتهم وعلى أقاربها، ليُفسد علاقتها بأبنائهما.
وما سبق هو عبارة عن صورتين من صور غياب الحب، فتخيّلوا حجم الجمال لو كان الحب هو سيد تلك الحالتين وتحسسوا اثره.
hanadialjowder@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك