من الواضح أن الذكاء الاصطناعي بات لاعبًا أساسيًا في تشكيلة الصناعات بمختلف أشكالها؛ إذ تقود تقنياته تحولًا جذريًا في مستقبل التكنولوجيا الحديثة؛ بما يعيد تشكيل طبيعة تعاطينا وكيفية تفاعلنا معها، ويعتبر تطوره خلال السنوات الماضية من أداة لدعم العمليات؛ إلى شريك استراتيجي في اتخاذ القرارات، سببًا رئيسيًا في إعادة تعريف شكل الصناعات، وتغيير مسار توجهاتها المستقبلية.
بما فيها صناعة النقل؛ التي باتت تتجه نحو ابتكار العديد من الاختراعات التكنولوجية المتقدمة، وتعد السيارات ذاتية القيادة أنموذجًا بارزًا على ذلك، ومن المتوقع أن تعيد صياغة مفهوم التنقل، حيث يعتمد هذا النوع من السيارات على منظومة متكاملة ومعقدة من التقنيات المتقدمة التي تمهد الطريق لعصر جديد من التنقل الذكي.
إذ تعمل باستخدام الذكاء الاصطناعي في المقام الأول، الذي يعد بمثابة العقل الافتراضي للسيارة؛ بخوارزميات مدربة على بيانات ضخمة؛ لاكتشاف الأنماط المرورية والتنبؤ بسلوكيات السائقين على الطريق، إلى جانب الكاميرات التي تستخدم تقنية تحليل الصور؛ ومستشعرات «الليدار» اللذين يعملان على فهم البيئة المحيطة، وذلك للإسهام في تقليل نسبة الخطأ الناتجة عن الاعتماد على مصدر واحد؛ بما يحقق تنقلا آمنا من دون التدخل البشري، بالإضافة إلى أنظمة التخطيط للمسار والتحكم؛ المسؤولة عن اتخاذ القرارات اللحظية بحسب المعطيات المتغيرة على الطريق.
لا شك أن لهذه السيارات العديد من الإيجابيات، كتحسين السلامة على الطريق، لاسيما التي تتسبب بها السلوكيات الخاطئة للسائقين، كما توفر الراحة والوقت بما يعزز الإنتاجية، بالإضافة إلى تمكنها من التعامل مع التدفق المروري بصورة أمثل؛ وذلك من خلال التواصل مع المركبات والبنية التحتية، كما تعتمد على أنظمة متقدمة لتحسين استهلاك الوقود وتقليل انبعاث الكربون، إلخ.
وفي المقابل لها سلبيات بطبيعة حال أغلب الأشياء، والتي تتمثل في التحديات التقنية، والمسائل القانونية والتنظيمية، والأمن السيبراني، وتكاليف التطوير والتنفيذ، وغيرها.
إلا أن ذلك لا يمنع الفكرة التي تتنبأ بأنها ستكون جزءا لا يتجزأ من أنظمة النقل المستقبلية، إذ بدأت العديد من الدول بضخ استثمارات هائلة في هذا القطاع، كما باشرت في استخدامها فعليًا، حيث توجد سيارات الأجرة الذاتية في العديد من المدن العالمية كدبي، وطوكيو، ولوس أنجلوس، ولندن، وغيرها.
ومن المتوقع خلال الفترة المقبلة أن تحتضن شوارع المنامة هذا النوع من السيارات؛ إذ صرح معالي وزير المواصلات والاتصالات الشيخ الدكتور عبدالله بن أحمد آل خليفة، خلال شهر يوليو المنصرم ضمن فعاليات مؤتمر المدن الذكية، عن توجه المملكة لإصدار تشريع جديد يمهد لحلول النقل الذكي وتطبيقاته في المملكة، بما يتيح تشغيل المركبات الذاتية، الأمر الذي من شأنه أن يفتح المجال أمام المستثمرين لتبني أحدث الابتكارات في مجال النقل في بيئة عملية.
وهذه الخطوة ليست بغريبة على المملكة، إذ تسعى دائمًا لرفد قطاعاتها الحيوية بما يتواكب مع تطورات العصر؛ في المجالات كافة وبجميع مؤسساتها الوطنية، وذلك من خلال توظيف أحدث التقنيات التكنولوجية، أو عبر حث وتشجيع القطاع الخاص على الاستثمار فيها؛ باعتبارها ضرورة حتمية في ظل التحولات المتسارعة والمتنامية الذي تشهدها كل القطاعات تكنولوجيًا.
وعلى الأكيد أن مملكة البحرين بكل مؤسساتها لا تصرح إلا بما خضع للدراسة، مع الأخذ بالاعتبار الإحاطة بجميع متطلبات المصرح به، مع الجاهزية الكاملة لأي من السلبيات المحتملة، وضمان وجود الحلول الجاهزة لمواجهتها.
ولكن، الخدمة التي صرنا غاب قوسين أو أدنى من أن نراها حقيقة ملموسة في شوارع المملكة، باتت تستثير العديد من التساؤلات حول مدى استعدادنا لها؟ وحول إمكانية تقبلها؟ ومدى الإقبال على استخدامها؟ وإذا ما ستكون محل ثقة المستهلك؟ وهل ستكون أسعارها تنافس الخدمة التقليدية؟ وخاصة إبان ارتفاع تكاليفها وتكاليف تشغيلها!
نعتقد من حيث التقبل المبدئي والموثوقية، سنكون أمام احتمالات لربما تقودها الاختلافات ما بين جيلين؛ جيل يميل الى أن يكون أكثر تأنيًا وحذرًا، وجيل أكثر حماسًا وانفتاحًا على التجارب الجديدة، إلا أننا بصورة عامة نعول على مدى وعي وإدراك المستهلك البحريني، وانفتاحه بمختلف أجياله على استكشاف أحدث التكنولوجيات والتعرف عليها، واختيار ما يناسب احتياجه منها، واقتنائه بهدف استخدامه؛ من منطلق إيمانه بأهمية مواكبة روح العصر بما يسهل حياته ويحقق رفاهيته.
أما في ما يتعلق بأسعار الخدمة لاشك من إنها ستخضع لضوابط وقوانين الدولة؛ بما يكفل حماية حقوق المستهلك والمستثمر على السواء، وعن مدى تنافسية الأسعار لربما من السابق لأوانه التكهن بذلك، إذ يبقى الجواب رهن المستقبل القريب.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك