يروي أحد المواطنين الباحثين عن منزل مناسب لشرائه، تجربة مر بها قبل أيام. حيث صادف إعلانا لمنزل بسعر ملفت جدا مقارنة بمساحة الأرض ومواصفات البيت. وعندما قابل مالك المنزل، أخبره هذا الأخير أن الدفع يجب أن يكون (كاش).
تحمس المواطن كثيرا، لأن السعر كان (لقطة)، لكنه طلب بعض التخفيض ووعد بدفع المبلغ كاملا خلال 48 ساعة.
المفاجأة ان البائع اتصل في اليوم الثاني ووافق على مزيد من التخفيض بنفس الشرط وهو الدفع (كاش).
تحمس المواطن كثيرا، ولكن بعض أقاربه نصحوه بالتروي والتمحيص. وهذا ما كان بالفعل. حيث اتجه إلى الجيران ليستفسر عن وضع المنزل. وهنا كانت الصدمة، حيث اكتشف ان هناك مشاكل قانونية تتعلق بورثة العقار، ولو دفع المبلغ فعلا لكان قد دخل في دهاليز قانونية وقضائية في المحاكم قد تستمر سنوات، من دون ضمان باسترجاع أمواله كاملة او تملك البيت.
وهذا ما يطرح سؤالا مهما: متى يكون رخص العقار فرصة.. ومتى يكون فخا؟ فليس كل عقار منخفض السعر يمثل فرصة استثمارية. وبالمقابل، ارتفاع السعر لا يعني بالضرورة جودة الاستثمار. وهذا ما يعني ضرورة اخضاع كل فرصة للتمحيص والدراسة والبحث قبل اتخاذ القرار.
انخفاض طبيعي
لا يمكن ان ننكر أن انخفاض سعر العقار أمر مطلوب، وهو يحدث في حالات بعضها يكون عاما ومرتبطا بظروف السوق او طبيعة المنطقة، وبعضها قد يعكس وجود مشكلة تتطلب الحذر.
وبالنسبة للحالة الأولى المتعلقة بظروف السوق، فإن انخفاض السعر يكون مبرراً وحقيقيا ويأتي ضمن مرحلة تصحيح أو تراجع في السوق العقاري. ومن الحالات التي يكون فيها الانخفاض طبيعيا ومقبولا:
- زيادة المعروض على الطلب، مثل تطوير أعداد كبيرة من الوحدات السكنية بشكل اكبر من عدد المشترين. مما قد يؤدي إلى تخفيض الأسعار أو تقديم حوافز لجذب العملاء.
- ارتفاع كلفة التمويل وأسعار الفائدة. بحيث تصبح القروض العقارية أكثر كلفة، فيتراجع الطلب، مما يقود الى خفض الأسعار.
- ضعف القوة الشرائية نتيجة التراجع أو التباطؤ الاقتصادي أو ارتفاع تكاليف المعيشة.
- الدورة العقارية والتصحيح بعد ارتفاعات مبالغ فيها. وهي مرحلة طبيعية تمر بها الأسواق العقارية، حيث ترتفع الأسعار ثم يبدأ السوق في التصحيح والعودة إلى مستويات أكثر واقعية.
- الأنظمة والقوانين. كأن تظهر قوانين وأنظمة أو تعديلات جديدة تؤثر في السوق مثل التمويل أو الضرائب، مما يقود الى تغير في سلوك المستثمرين والمشترين.
مؤشر خطر
فيما عدا الحالات السابقة، قد يكون انخفاض السعر مؤشراً على وجود مشكلة خفية يجب الحذر منها وعدم التسرع في شراء العقار، خاصة اذا ما كان سعر العقار أرخص بشكل ملحوظ من العقارات المماثلة في المنطقة نفسها. لذلك القاعدة هنا ان انخفاض السوق قد يمثل فرصة، ولكن انخفاض عقار واحد وسط سوق مستقر فقد يكون رسالة تحذير. فالعبرة ليست بسعر الشراء فقط، وإنما بكلفة امتلاك العقار والمصاريف اللاحقة والعائد المتوقع منه وقابليته لإعادة البيع.
ومن أبرز المشاكل المحتملة التي تقف خلف العقار الرخيص:
- العيوب الهندسية والإنشائية. والمشكلة ان هذه العيوب قد لا تكون ظاهرة وواضحة أثناء المعاينة العادية او لغير الخبير، وتشمل التشققات الداخلية وتسربات المياه ومشاكل العزل ومشاكل الأساسات. وبالتالي ما يوفره المشتري في سعر العقار، قد يدفع اضعافه في الإصلاح. وقد يكون العقار جديدا ولكنه منخفض في جودة البناء أو التشطيبات.
- ارتفاع تكاليف الصيانة. فقد يبدو العقار بحالة جيدة، ولكنه في الواقع يتطلب صيانة متكررة بما في ذلك الكهرباء والسباكة والصباغة والعزل وغيرها.
- مشاكل قانونية تتعلق بالملكية أو المستندات أو نزاعات الورثة. ووفقا للخبراء، تعتبر هذه المشكلة من أخطر الحالات، لأن المشتري قد يبقى عالقا في المشكلة لسنوات من دون ان يكون قادرا على إتمام الصفقة أو التراجع أو حتى إعادة بيع العقار.
- طبيعة الموقع. وهنا قد يكون العقار جيدا في المواصفات ولا يعاني مشاكل فنية او قانونية، ولكنه في موقع غير مرغوب، مما يؤثر على سعره. كأن تكون المنطقة مزدحمة او لا تتوافر فيها الخدمات الأساسية، او تعاني من مشاكل بيئية او صحية كالروائح والقرب من مجمع نفايات. او تكون هناك مشاكل في مواقف السيارات، أو انخفاض نسبة الأمان وزيادة الجرائم. وكذلك طبيعة الجيران وسكان المنطقة.
- صعوبة إعادة البيع، حيث تعتبر إمكانية البيع من العوامل المهمة التي تحدد سعر العقار. لذلك قد يكون رخص السعر بسبب صعوبة البيع. وهو ما قد يقع فيه المشتري لاحقا خاصة إذا كان هدفه الاستثمار.
- الرسوم المرتفعة، خاصة في المجمعات السكنية والأبراج. فقد تباع الوحدة السكنية بسعر مغر، ولكن يكتشف المشتري ان هناك رسوما كبيرة تدفع كاشتراكات ولاتحاد الملاك وللصيانة وغيرها، مما يقلل من العائد الفعلي للمستثمر، وقد تجعل العقار أقل جاذبية عند إعادة بيعه.
- قرب انتهاء العمر الاقتصادي للعقار، ما يعني الحاجة إلى استبدال وصيانة الكثير من الأجزاء.
- وجود قيود او قوانين تحد من الاستفادة من العقار. مثل تحديد نوع الاستخدام أو التعديل أو التأجير أو إعادة التطوير.
نصائح
الخلاصة، يكون العقار الرخيص فرصة ذهبية عندما يكون انخفاض سعره أكبر من انخفاض قيمته. ما يعني ان المشتري يحصل على أصل جيد وفي موقع مناسب وبحالة سليمة، ولكن بسعر يقل عن قيمته الحقيقية، مع إمكانية تحقيق عائد جيد وإعادة بيعه مستقبلاً من دون صعوبة. وبالتالي لا تبحث عن العقار الأرخص، بل عن العقار الذي تشتريه بأقل من قيمته الحقيقية.
لذلك ينصح الخبراء هنا:
* لا تجعل السعر المنخفض سبباً وحيدا للشراء. بل أحرص على معرفة سبب انخفاض السعر.
* قارن بين العقارات المماثلة واعرف إذا ما كان السعر فعلاً أقل من القيمة السوقية أم أن الانخفاض مبرر.
* افحص العقار فنياً قبل الشراء، حتى لو كلفك ذلك بعض المال. فكثير من العيوب قد لا تكون ظاهرة للعين غير الخبيرة.
* تحقق من الوضع القانوني للعقار ومن سلامة الملكية والمستندات، وعدم وجود رهونات أو نزاعات أو التزامات قانونية. وتأكد أيضا من أن العقار قابل للبيع والتسجيل وفق الأنظمة المعمول بها.
* احسب التكلفة الحقيقية للصفقة بما في ذلك تكاليف الإصلاح والتجديد ورسوم الخدمات والصيانة والضرائب وغيرها.
* تأكد من قابلية إعادة البيع. وهو ما يعرف بإمكانية الخروج من الصفقة. فانخفاض السعر في ظل عدم وجود طلب حقيقي على العقار لا يعتبر فرصة ذهبية، بل قد يكون فخا يجمّد رأس المال لفترة طويلة.
* ركز على مستقبل المنطقة وليس وضعها الحالي. فقد تبدو المنطقة هادئة وجاذبة، ولكن هناك مخططات لإنشاء مدارس ومجمعات وغيرها، ما يحولها الى منطقة مزدحمة مع الكثير من الضوضاء والمشاكل. وقد يكون هذا هو سبب عرض العقار للبيع أساسا.
* احرص على تعدد مصادر المعلومات ولا تعتمد على ما يقوله البائع او الوسيط.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك