القراء الأعزاء..
من القواعد التربوية المهمة التي نُقلت إلينا كحكمة متوارثة «لاعب ابنك سبعاً، وأدّبه سبعاً، وصاحبه سبعاً، ثم اترك حبله على غاربه»، إذا فإن مسؤولية أولياء الأمور على صعيد التربية تبدأ منذ الولادة بالملاطفة والملاعبة قبل سن التمييز (السابعة من العمر) والتأديب والتوجيه لحسن التربية بعد سن التمييز إلى بدء سن المراهقة (14 عاما) ثم اتخاذه صاحباً ليتسنى لولي الأمر غرس القيم والمبادئ التي تتوافق مع طبيعة المجتمع والإنسانية (إلى سن 21) ثم اترك حبله على غاربه، حيث تكون تصرفاته وسلوكه نتاجاً لما تلقّاه من وليّ أمره وأسرته.
فالأسرة هي أساس المجتمعات، لذا كفلت المواثيق الدولية لها حماية خاصة، وأكد دستور مملكة البحرين المعدل 2002 الرعاية الخاصة التي توليها الدولة للأسرة باعتبارها أساس المجتمع بجميع أفرادها، كما كفلت رعاية خاصة للمرأة والطفل باعتبارهم أصحاب المراكز قانونية الأضعف، حيث أكدت الفقرة (أ) من المادة (5) من الدستور على أن (الأسرة أساس المجتمع، قوامها الدين والأخلاق وحب الوطن وكفلت لها الحماية القانونية وحماية الأمومة والطفولة ورعاية النشء..).
والحق بأن فكرة هذا المقال قد جاءت بإلهام من الأخت الصحفية سماهر سيف، حينما طلبت مني المشاركة في تحقيق عن خطورة ركوب السكوترات والموتر سيكل للمراهقين والاطفال، الذين يُشكلون جزءاً من كينونة الأسرة باعتبارها الكيان الذي يولد فيه الطفل ويحتضنه ويقوم على تنشئته منذ خطواته الأولى، والذين ضمن الدستور لهم رعاية للطفل لضمان تمتعه بحقوقه وحمايته وتحقيق مصالحه الفُضلى باعتباره فرداً في الأسرة ككيان كُلّي، وباعتباره طفلاً بصفة مستقلة لتتولى القوانين المختلفة ذلك مثل قانون الطفل وقانون العدالة الاصلاحية للأطفال وقانون الأسرة وقانون التعليم وقانون الصحة وغيرها.
وهنا أؤكد، كما تعلمون، المخاطر المحيطة بالأطفال أينما ولّوا وجوههم ولاسيما على ألعاب مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها من وسائل الترفيه المتاحة لهم من دون رقابة أو غيرها ومن دون توفير وسائل الأمن والسلامة لهم، ووجدت بأنه من الضرورة الوقوف على مسؤولية أولياء الأمور تجاه الأبناء، كما حددتها القوانين المختلفة، ذلك أن مفهوم المسؤولية والالتزامات تجاه الأبناء عند العامة تدور غالباً حول الإنفاق والحضانة والمسكن، ويغفل البعض - ولاسيما في حالات انفصام العلاقة الزوجية - أهمية مسؤولية التربية والتأديب والإشراف والرعاية والعناية بالأطفال.
والمقصود بالطفل وفقاً لنص المادة الرابعة من القانون رقم (37) لسنة 2012 بإصدار قانون الطفل هو (كل من لم يتجاوز ثماني عشرة سنة ميلادية كاملة)، ووفقاً لنص المادة الثانية من القانون رقم (4) لسنة 2021 بإصدار قانون العدالة الاصلاحية للأطفال (كل إنسان لم يتجاوز سنه ثماني عشرة سنة ميلادية كاملة وقت ارتكابه الجريمة، أو عند وجوده في إحدى حالات التعرض للخطر المنصوص عليها في المادة (12) أو سوء المعاملة المنصوص عليها في المادة (40) من هذا القانون)، وتعتبر مرحلة الطفولة هي المرحلة الأخطر في حياة الإنسان، حيث تُشكّل شخصيته التي ستصاحبه إلى آخر عمره، وبالتالي يقع على عاتق الأسرة وأولياء الأمور بالتحديد مسؤولية عظيمة لا تتمحور فقط حول الانفاق والسكان والحضانة والرؤية، بل إن ذلك كله مجرد جزء من هذه المسؤولية، لذا جاءت القوانين لضمان التزام أولياء الأمور بحملها وعدم التقصير في حق الطفل.
والمثال الأول هو المسؤولية التي تقع على عاتق الأبناء بإلحاق أبنائهم بالتعليم متى ما بلغ الطفل السن القانونية لذلك، ذلك أن التعليم وفقاً للدستور تكفله الدولة بمراحله المختلفة انطلاقاً من مجانية والزامية التعليم الأساسي وما تليه من مراحل، وان التعليم الأساسي للطفل لا يُعدّ خياراً أو قراراً يتخذه ولي الأمر بل لزاماً والتزاماً يقع على عاتقه، لذا تعاقب المادة (8) من قانون رقم (27) لسنة 2005 بشأن التعليم والد الطفل أو المتولي أمره بغرامة لا تزيد على مائة دينار إذا تسبب في تخلف الطفل الذي بلغ سن الإلزام عن الالتحاق بالتعليم، أو انقطاعه من دون عذر مقبول عن الحضور إلى المدرسة مدة عشرة أيام متصلة أو منفصلة خلال السنة الدراسية، من خلال دعوى جنائية تُحرّكها وزارة التربية والتعليم بعد إنذاره.
كما تُعاقب المادة (55) من قانون العدالة الاصلاحية للأطفال بالحبس وبالغرامة التي لا تقل عن مائة دينار أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من أوجب عليه القانون أو الاتفاق رعاية طفل لم يتجاوز ثماني عشرة سنة ميلادية كاملة من عمره وعرّضه لحالة من حالات سوء المعاملة، ويكفل قانون الطفل في المادة (42) منه الحماية اللازمة من إهمال الوالدين أو من يتولى رعاية الطفل في حال عدم قيامهم بما يجب عليهم القيام به للمحافظة على سلامة وحياة الطفل، كما تحظى صحة الطفل بعناية خاصة المادة (59) من القانون رقم (34) لسنة 2018 بإصدار قانون الصحة العامة، من خلال الزام مقدمي الخدمات الصحية بالتبليغ عن حالات العنف ضد الأم والطفل وسوء المعاملة والاهمال، وكان هذا غيض من فيض القوانين التي توفر الحماية للطفل وتُساءل أولياء الأمور عن الإهمال في حمايتهم ورعايتهم.
فالمسؤوليات التي تقع على عاتق أولياء الأمور تتعدى المتعارف عليه لتشمل الرعاية والحماية بجانب التربية الحسنة التي تعزز الهوية الوطنية والولاء للوطن وحبه لدى الطفل والرقابة على الأبناء مع الالتزام باحترام القوانين المختلفة التي كفلت حماية للأطفال، من ضمنها حماية الطفل من المخاطر التي قد تحيط به من وسائل الترفيه غير الآمنة، ولعل أكثر من تعنيهم هذه المقالة هم أولياء الأمور المطلقون والذين يهملون أطفالهم في معركة الانتقام الذي ينتهجونه بعد وقوع الطلاق.
hanadialjowder@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك