قبل عامين، حين دُعيت إلى حفل أوركسترا المايسترو الدكتور مبارك نجم، وجدتني أمام مشهد لم أتأمله من قبل بهذه الطريقة. عشرات العازفين، آلات مختلفة، وأصوات لا تشبه بعضها، بينما يقف في المقدمة رجل واحد يحمل عصاه. أصغيت بكل إحساسي، وشعرت أنني لا أسمع عشرات الآلات، وإنما صوتًا واحدًا. حينها تساءلت: كيف يستطيع رجل واحد أن يجمع كل هذا الاختلاف؟
منذ ذلك المساء، وأنا أرى في مبارك نجم شيئًا من طبيعة الموسيقى نفسها؛ هدوءًا لا يعني السكون، ودقة لا تلغي الإحساس، وانضباطًا لا يقتل الحرية. فالمايسترو الحقيقي لا يجعل الأصوات متشابهة، بل يمنح كل آلة شخصيتها، ثم يعرف كيف يجمع اختلافها في عمل واحد. ولهذا تبدو قيادته أقرب إلى صناعة التوازن بين شخصية العازف وروح الجماعة، وبين قوة الصوت ومساحة الصمت.
ويقود مبارك نجم اليوم الجمعة، 11 سبتمبر، أوركسترا البحرين الفيلهارمونية على خشبة مسرح البحرين الوطني، في أمسية تعيد إلى الحياة ألحانًا صنعت جزءًا من ذاكرة السينما والتلفزيون؛ موسيقى يكفي أن تبدأ نغماتها حتى يعود فيلم، أو يطل وجه، أو يستيقظ مشهد ظنناه غاب إلى الأبد.
سينتهي الحفل، وينتهي التصفيق، وتغادر الأيدي التي صفقت مقاعدها، لكن الموسيقى لا تغادر بالسرعة نفسها. يبقى أثرها في ذاكرة من حضر؛ لحن يعيد إلى أحدهم فيلمًا، وإلى آخر وجهًا، وإلى ثالث زمنًا بعيدًا. قد ينتهي التصفيق في دقائق، لكن أثر الموسيقى قد يبقى سنوات، لأن ما يصل إلى القلب لا يحتاج إلى أن يستمر صوته كي يبقى حاضرًا.
وأرى أن الموسيقى عند مبارك نجم تتجاوز حدود الفن إلى بناء الإنسان، وأن البحرين بالنسبة له ذاكرة موسيقية كاملة؛ ببحرها، وأهازيجها، وفنونها الشعبية، وأصوات أجيالها، لذلك تبدو العالمية لديه امتدادًا للهوية والمحافظة عليها.
وربما لهذا أرى في مبارك نجم أكثر من مايسترو يقف أمام أوركسترا؛ أراه رجلًا يحاول أن يجعل للصوت البحريني مكانًا أبعد، وأن يقول للعالم إن الصوت القادم من البحرين يمكن أن يكون واسعًا بقدر البحر الذي يحيط بها. قد تُطوى النوتات وتنطفئ أضواء المسرح، لكن الموسيقى الحقيقية لا تنتهي عند آخر نغمة؛ تظل تمضي من قلب إلى قلب، ومن جيل إلى جيل.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك