العدد : ١٧٦٩٧ - السبت ٠٥ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٣ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٩٧ - السبت ٠٥ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٣ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

هل يمكن أن تنجح صيغة هلسنكي في الشرق الأوسط؟

بقلم: د. عمرو حمزاوي

الجمعة ٠٤ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

تبدو‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬أمسّ‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬مراجعة‭ ‬جذرية‭ ‬للطريقة‭ ‬التي‭ ‬تتعامل‭ ‬بها‭ ‬دولها‭ ‬والقوى‭ ‬الدولية‭ ‬الفاعلة‭ ‬فيها‭ ‬مع‭ ‬قضايا‭ ‬الأمن‭ ‬والصراع‭. ‬فالحروب‭ ‬المتتالية،‭ ‬والتوترات‭ ‬الممتدة،‭ ‬والتدخلات‭ ‬العسكرية،‭ ‬وتعدد‭ ‬الفاعلين‭ ‬المسلحين،‭ ‬وتراجع‭ ‬الثقة‭ ‬بين‭ ‬الدول،‭ ‬كلها‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬الاستمرار‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬أزمات‭ ‬المنطقة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬قادرًا‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬استقرار‭ ‬مستدام،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬بعض‭ ‬هذه‭ ‬الأدوات‭ ‬أصبح‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬المشكلة‭ ‬أكثر‭ ‬منه‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬الحل‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تبرز‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬التفكير‭ ‬جديًا‭ ‬في‭ ‬إطلاق‭ ‬‮«‬عملية‭ ‬هلسنكي‭ ‬شرق‭ ‬أوسطية‮»‬‭ ‬تستلهم‭ ‬تجربة‭ ‬مؤتمر‭ ‬الأمن‭ ‬والتعاون‭ ‬في‭ ‬أوروبا،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تستنسخها‭ ‬حرفيا،‭ ‬بهدف‭ ‬بناء‭ ‬إطار‭ ‬إقليمي‭ ‬للحوار‭ ‬والتفاوض‭ ‬وحل‭ ‬الصراعات‭ ‬أو‭ ‬احتوائها،‭ ‬ووضع‭ ‬قواعد‭ ‬ومبادئ‭ ‬مشتركة‭ ‬تضبط‭ ‬سلوك‭ ‬الدول‭ ‬وتحد‭ ‬من‭ ‬مخاطر‭ ‬الانزلاق‭ ‬المتكرر‭ ‬إلى‭ ‬الحرب‭.‬

الفكرة‭ ‬الأساسية‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬هلسنكي‭ ‬ليست‭ ‬إنشاء‭ ‬حلف‭ ‬عسكري‭ ‬جديد،‭ ‬ولا‭ ‬إقامة‭ ‬مؤسسة‭ ‬إقليمية‭ ‬ذات‭ ‬صلاحيات‭ ‬فوق‭ ‬سيادة‭ ‬الدول،‭ ‬وإنما‭ ‬توفير‭ ‬منصة‭ ‬سياسية‭ ‬ودبلوماسية‭ ‬دائمة‭ ‬تجمع‭ ‬الخصوم‭ ‬قبل‭ ‬الأصدقاء،‭ ‬وتتيح‭ ‬لهم‭ ‬مناقشة‭ ‬مصادر‭ ‬التهديد‭ ‬ومخاوف‭ ‬الأمن‭ ‬المتبادل‭ ‬وقضايا‭ ‬الحدود‭ ‬والسيادة‭ ‬والتسلح‭ ‬والتدخلات‭ ‬الخارجية‭ ‬والنزاعات‭ ‬الإقليمية‭. ‬وهذا‭ ‬تحديدًا‭ ‬ما‭ ‬تحتاج‭ ‬إليه‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬التي‭ ‬تعاني،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬كثرة‭ ‬التحالفات‭ ‬والضمانات‭ ‬الأمنية‭ ‬الخارجية،‭ ‬من‭ ‬غياب‭ ‬ترتيبات‭ ‬للأمن‭ ‬الجماعي‭ ‬تستطيع‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭ ‬إدارة‭ ‬تناقضاتها‭ ‬بصورة‭ ‬مؤسسية‭ ‬ومنتظمة‭.‬

لقد‭ ‬أثبتت‭ ‬التطورات‭ ‬الأخيرة‭ ‬أن‭ ‬الاعتماد‭ ‬المفرط‭ ‬على‭ ‬القوى‭ ‬الخارجية،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬لتوفير‭ ‬الأمن‭ ‬الإقليمي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬كافيًا‭. ‬فالولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تظل‭ ‬القوة‭ ‬الأكثر‭ ‬قدرة‭ ‬عسكريًا‭ ‬واقتصاديًا‭ ‬ودبلوماسيًا‭ ‬على‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬لكن‭ ‬سياساتها‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬أظهرت‭ ‬أن‭ ‬وجودها‭ ‬العسكري‭ ‬لا‭ ‬يعنى‭ ‬بالضرورة‭ ‬إنتاج‭ ‬الأمن‭ ‬لجميع‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭. ‬وعندما‭ ‬تنخرط‭ ‬واشنطن‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬صراع‭ ‬عسكري‭ ‬مع‭ ‬إيران،‭ ‬أو‭ ‬عندما‭ ‬تستخدم‭ ‬القوة‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬حلفائها‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬أزمات‭ ‬المنطقة،‭ ‬تتحول‭ ‬القوة‭ ‬الخارجية‭ ‬التي‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬توفر‭ ‬الردع‭ ‬والاستقرار‭ ‬إلى‭ ‬طرف‭ ‬مباشر‭ ‬في‭ ‬النزاع‭.‬

وهنا‭ ‬يصبح‭ ‬السؤال‭ ‬الضروري‭: ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬بناء‭ ‬أمن‭ ‬إقليمي‭ ‬مستدام‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬أمن‭ ‬المنطقة‭ ‬مرتبطًا‭ ‬في‭ ‬جوهره‭ ‬بقرارات‭ ‬قوة‭ ‬خارجية‭ ‬قد‭ ‬تتغير‭ ‬حساباتها‭ ‬من‭ ‬إدارة‭ ‬أمريكية‭ ‬إلى‭ ‬أخرى؟

المشكلة‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭. ‬فإسرائيل‭ ‬وإيران‭ ‬أصبحتا،‭ ‬بدرجات‭ ‬مختلفة،‭ ‬مصدرين‭ ‬مستمرين‭ ‬لعدم‭ ‬الاستقرار‭ ‬الإقليمي‭ ‬بسبب‭ ‬اللجوء‭ ‬المتكرر‭ ‬إلى‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬وتوسيع‭ ‬ساحات‭ ‬المواجهة‭ ‬واستخدام‭ ‬الفاعلين‭ ‬المسلحين‭ ‬وغير‭ ‬الدوليين‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الصراعات‭. ‬والنتيجة‭ ‬أن‭ ‬المنطقة‭ ‬أصبحت‭ ‬أي‭ ‬حرب‭ ‬محدودة‭ ‬يمكن‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬لحظة‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬حرب‭ ‬أوسع‭.‬

ومن‭ ‬ثم‭ ‬فإن‭ ‬المطلوب‭ ‬ليس‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬قوة‭ ‬إقليمية‭ ‬مهيمنة‭ ‬جديدة،‭ ‬وإنما‭ ‬الانتقال‭ ‬تدريجيًا‭ ‬من‭ ‬منطق‭ ‬توازن‭ ‬القوى‭ ‬إلى‭ ‬منطق‭ ‬الأمن‭ ‬المشترك‭. ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬الدرس‭ ‬الأهم‭ ‬الذي‭ ‬يمكن‭ ‬استخلاصه‭ ‬من‭ ‬تجربة‭ ‬هلسنكي‭ ‬الأوروبية‭. ‬فقد‭ ‬انطلقت‭ ‬العملية‭ ‬الأوروبية‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬بالغ‭ ‬الصعوبة،‭ ‬بين‭ ‬معسكرين‭ ‬متنافسين‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬هناك‭ ‬آنذاك‭ ‬ما‭ ‬يوحى‭ ‬بإمكان‭ ‬تحقيق‭ ‬ثقة‭ ‬حقيقية‭ ‬بين‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬والدول‭ ‬الأوروبية‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬أدى‭ ‬إنشاء‭ ‬مسار‭ ‬تفاوضي‭ ‬مستمر‭ ‬إلى‭ ‬تطوير‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المبادئ‭ ‬المتعلقة‭ ‬باحترام‭ ‬السيادة‭ ‬وعدم‭ ‬استخدام‭ ‬القوة‭ ‬وتسوية‭ ‬النزاعات‭ ‬والتعاون‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والإنساني،‭ ‬وأسهم‭ ‬في‭ ‬خلق‭ ‬بيئة‭ ‬سياسية‭ ‬أكثر‭ ‬قابلية‭ ‬لإدارة‭ ‬التنافس‭ ‬والحد‭ ‬من‭ ‬مخاطر‭ ‬المواجهة‭.‬

لا‭ ‬يعنى‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬هو‭ ‬أوروبا،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬ظروف‭ ‬السبعينيات‭ ‬يمكن‭ ‬نقلها‭ ‬إلى‭ ‬المنطقة‭ ‬كما‭ ‬هي‭. ‬فالشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدًا‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬طبيعة‭ ‬النزاعات،‭ ‬وتعدد‭ ‬الفاعلين،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬ضعف‭ ‬المؤسسات‭ ‬الإقليمية،‭ ‬ووجود‭ ‬قضايا‭ ‬مثل‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬والبرنامج‭ ‬النووي‭ ‬الإيراني‭ ‬وأمن‭ ‬الخليج‭ ‬والحروب‭ ‬الأهلية‭ ‬والتدخلات‭ ‬الخارجية‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬النزاعات‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬ذات‭ ‬طبيعة‭ ‬أيديولوجية‭ ‬أو‭ ‬دينية‭ ‬أو‭ ‬طائفية،‭ ‬بينما‭ ‬كانت‭ ‬عملية‭ ‬هلسنكي‭ ‬الأوروبية‭ ‬تدور‭ ‬بصورة‭ ‬أساسية‭ ‬حول‭ ‬صراع‭ ‬جيوسياسي‭ ‬بين‭ ‬دول‭ ‬ومجموعات‭ ‬من‭ ‬الدول‭. ‬لكن‭ ‬اختلاف‭ ‬الظروف‭ ‬لا‭ ‬يلغى‭ ‬صلاحية‭ ‬الفكرة‭ ‬الأساسية‭: ‬الخصوم‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬يستطيعون‭ ‬الاتفاق‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬يستطيعون،‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان،‭ ‬الاتفاق‭ ‬على‭ ‬قواعد‭ ‬تمنع‭ ‬الأسوأ‭.‬

ولهذا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تبدأ‭ ‬عملية‭ ‬هلسنكي‭ ‬شرق‭ ‬أوسطية‭ ‬من‭ ‬مجموعة‭ ‬محدودة‭ ‬من‭ ‬المبادئ‭. ‬في‭ ‬مقدمتها‭ ‬الالتزام‭ ‬بعدم‭ ‬استخدام‭ ‬القوة‭ ‬لتغيير‭ ‬الحدود‭ ‬أو‭ ‬فرض‭ ‬الإرادة‭ ‬السياسية‭ ‬على‭ ‬الدول‭ ‬الأخرى،‭ ‬واحترام‭ ‬سيادة‭ ‬الدول‭ ‬ووحدة‭ ‬أراضيها،‭ ‬وعدم‭ ‬دعم‭ ‬الجماعات‭ ‬المسلحة‭ ‬التي‭ ‬تستهدف‭ ‬زعزعة‭ ‬استقرار‭ ‬الدول،‭ ‬والامتناع‭ ‬عن‭ ‬استهداف‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬المدنية،‭ ‬وحماية‭ ‬حرية‭ ‬الملاحة‭ ‬والممرات‭ ‬المائية‭ ‬الدولية،‭ ‬واللجوء‭ ‬إلى‭ ‬الوساطة‭ ‬والتفاوض‭ ‬قبل‭ ‬استخدام‭ ‬القوة،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬تطوير‭ ‬آليات‭ ‬للإنذار‭ ‬المبكر‭ ‬وإدارة‭ ‬الأزمات‭.‬

ويمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬الوازنة‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬هي‭ ‬الطرف‭ ‬الأكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬الدفع‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الاتجاه‭. ‬فمصر‭ ‬والسعودية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬دول‭ ‬عربية‭ ‬أخرى،‭ ‬تمتلك‭ ‬مصالح‭ ‬مباشرة‭ ‬في‭ ‬خفض‭ ‬مستوى‭ ‬الصراع‭ ‬الإقليمي،‭ ‬كما‭ ‬تمتلك‭ ‬بدرجات‭ ‬متفاوتة‭ ‬قنوات‭ ‬اتصال‭ ‬مع‭ ‬الأطراف‭ ‬المختلفة‭. ‬ولا‭ ‬يعنى‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬العملية‭ ‬عربية‭ ‬مغلقة،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬العكس،‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تضم‭ ‬منذ‭ ‬البداية‭ ‬إيران‭ ‬وتركيا‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬المعنية،‭ ‬وأن‭ ‬تتيح‭ ‬كذلك‭ ‬مشاركة‭ ‬القوى‭ ‬الدولية‭ ‬المؤثرة‭ ‬بصفة‭ ‬داعمة‭ ‬أو‭ ‬مراقبة،‭ ‬وليس‭ ‬بديلا‭ ‬عن‭ ‬الإرادة‭ ‬الإقليمية‭.‬

والأهم‭ ‬أن‭ ‬عملية‭ ‬كهذه‭ ‬يجب‭ ‬ألا‭ ‬تشترط‭ ‬حل‭ ‬جميع‭ ‬القضايا‭ ‬الكبرى‭ ‬قبل‭ ‬إطلاقها‭. ‬فإذا‭ ‬اشترطنا‭ ‬أولا‭ ‬حل‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬أو‭ ‬إنهاء‭ ‬التوتر‭ ‬الإيراني‭ ‬الخليجي‭ ‬أو‭ ‬تسوية‭ ‬كل‭ ‬النزاعات‭ ‬العربية‭ ‬الداخلية،‭ ‬فلن‭ ‬تبدأ‭ ‬العملية‭ ‬أصلا‭. ‬الأفضل‭ ‬أن‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬إدارة‭ ‬الخلافات‭ ‬ثم‭ ‬الانتقال‭ ‬تدريجيا‭ ‬إلى‭ ‬احتوائها،‭ ‬ومن‭ ‬بناء‭ ‬إجراءات‭ ‬الثقة‭ ‬إلى‭ ‬الاتفاق‭ ‬على‭ ‬قواعد‭ ‬أوسع‭. ‬فالدبلوماسية‭ ‬لا‭ ‬تنجح‭ ‬دائما‭ ‬لأنها‭ ‬تنهي‭ ‬الخلافات،‭ ‬وإنما‭ ‬قد‭ ‬تنجح‭ ‬لأنها‭ ‬تمنع‭ ‬الخلاف‭ ‬من‭ ‬التحول‭ ‬إلى‭ ‬حرب‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬تأتى‭ ‬أهمية‭ ‬أن‭ ‬تتضمن‭ ‬العملية‭ ‬مسارات‭ ‬متوازية‭. ‬مسار‭ ‬للأمن‭ ‬الإقليمي،‭ ‬يناقش‭ ‬التسلح‭ ‬والصواريخ‭ ‬والطائرات‭ ‬المسيرة‭ ‬والأسلحة‭ ‬النووية‭ ‬والكيميائية‭ ‬ومخاطر‭ ‬الانتشار‭ ‬العسكري‭. ‬ومسار‭ ‬للملاحة‭ ‬وأمن‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الخليج‭ ‬وباب‭ ‬المندب‭ ‬والبحر‭ ‬الأحمر،‭ ‬لأن‭ ‬تحويل‭ ‬الممرات‭ ‬الدولية‭ ‬إلى‭ ‬ساحات‭ ‬صراع‭ ‬يهدد‭ ‬المنطقة‭ ‬والاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬معا‭. ‬ومسار‭ ‬لتسوية‭ ‬النزاعات،‭ ‬يركز‭ ‬على‭ ‬فلسطين‭ ‬واليمن‭ ‬وسوريا‭ ‬ولبنان‭ ‬والعراق‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬بؤر‭ ‬التوتر‭. ‬ومسار‭ ‬للتعاون‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والطاقوي‭ ‬والبيئي،‭ ‬لأن‭ ‬الأمن‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬فصله‭ ‬عن‭ ‬المصالح‭ ‬المشتركة‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬الحرب‭ ‬أكثر‭ ‬كلفة‭ ‬والسلام‭ ‬أكثر‭ ‬فائدة‭.‬

وقد‭ ‬يبدو‭ ‬إطلاق‭ ‬عملية‭ ‬هلسنكي‭ ‬شرق‭ ‬أوسطية‭ ‬في‭ ‬اللحظة‭ ‬الراهنة‭ ‬طموحًا‭ ‬زائدًا‭ ‬عن‭ ‬الحد،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الحروب‭ ‬والتوترات‭ ‬الحالية‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬المفارقة‭ ‬أن‭ ‬صعوبة‭ ‬اللحظة‭ ‬هي‭ ‬نفسها‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬العملية‭ ‬أكثر‭ ‬إلحاحًا‭. ‬فالمنطقة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تحتمل‭ ‬استمرار‭ ‬إدارة‭ ‬أزماتها‭ ‬بالوسائل‭ ‬العسكرية‭ ‬وحدها‭. ‬وكل‭ ‬حرب‭ ‬جديدة‭ ‬تفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬حرب‭ ‬أخرى،‭ ‬وكل‭ ‬تدخل‭ ‬عسكري‭ ‬ينتج‭ ‬رد‭ ‬فعل،‭ ‬وإذا‭ ‬استمر‭ ‬هذا‭ ‬النمط،‭ ‬فسوف‭ ‬يصبح‭ ‬الاستقرار‭ ‬استثناء‭ ‬والحرب‭ ‬قاعدة‭.‬

ولا‭ ‬ينبغي‭ ‬أيضًا‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬عملية‭ ‬هلسنكي‭ ‬بديلًا‭ ‬عن‭ ‬ترتيبات‭ ‬أمنية‭ ‬ثنائية‭ ‬أو‭ ‬متعددة‭ ‬الأطراف‭ ‬بين‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭. ‬فهذه‭ ‬الترتيبات‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬ضرورية‭ ‬في‭ ‬المدى‭ ‬القصير،‭ ‬لكن‭ ‬الفرق‭ ‬أن‭ ‬التحالفات‭ ‬عادة‭ ‬ما‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬تحديد‭ ‬خصم‭ ‬أو‭ ‬مصدر‭ ‬تهديد،‭ ‬بينما‭ ‬يقوم‭ ‬الأمن‭ ‬الجماعي‭ ‬على‭ ‬فكرة‭ ‬أكثر‭ ‬اتساعا‭: ‬أن‭ ‬أمن‭ ‬دولة‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يتحقق‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬أمن‭ ‬دولة‭ ‬أخرى‭.‬

إن‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬يحتاج‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬إلى‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬السؤال‭ ‬التقليدي‭: ‬من‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬ينتصر‭ ‬في‭ ‬الصراع؟‭ ‬إلى‭ ‬سؤال‭ ‬أكثر‭ ‬عقلانية‭: ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬منع‭ ‬الصراع‭ ‬من‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬الحرب‭ ‬أصلا؟‭ ‬وهذا‭ ‬التحول‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تحقيقه‭ ‬بالقوة‭ ‬وحدها،‭ ‬وإنما‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إنشاء‭ ‬قواعد‭ ‬للحوار‭ ‬والتفاوض‭ ‬والوساطة،‭ ‬وإدراك‭ ‬أن‭ ‬بقاء‭ ‬جميع‭ ‬الأطراف‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬أقل‭ ‬كلفة‭ ‬من‭ ‬سعى‭ ‬كل‭ ‬طرف‭ ‬إلى‭ ‬إخضاع‭ ‬الآخرين‭.‬

ولعل‭ ‬مصر‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تضطلع‭ ‬بدور‭ ‬مهم‭ ‬في‭ ‬الدفع‭ ‬نحو‭ ‬هذه‭ ‬الرؤية،‭ ‬بحكم‭ ‬موقعها‭ ‬وثقلها‭ ‬العربي‭ ‬وعلاقاتها‭ ‬مع‭ ‬مختلف‭ ‬الأطراف‭ ‬وخبرتها‭ ‬الطويلة‭ ‬في‭ ‬الوساطة‭ ‬وإدارة‭ ‬الأزمات‭. ‬لكن‭ ‬الدور‭ ‬المصري‭ ‬الأفضل‭ ‬ليس‭ ‬قيادة‭ ‬محور‭ ‬جديد،‭ ‬وإنما‭ ‬الدفع‭ ‬باتجاه‭ ‬إطار‭ ‬إقليمي‭ ‬مفتوح‭ ‬لا‭ ‬يستثنى‭ ‬أحدًا،‭ ‬ويضع‭ ‬المصالح‭ ‬الأمنية‭ ‬المشتركة‭ ‬فوق‭ ‬حسابات‭ ‬الاستقطاب‭.‬

في‭ ‬النهاية،‭ ‬لا‭ ‬تكمن‭ ‬قيمة‭ ‬‮«‬هلسنكي‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسطية‮»‬‭ ‬في‭ ‬الاسم‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬الفكرة‭ ‬التي‭ ‬يمثلها‭. ‬نحن‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬عملية‭ ‬طويلة‭ ‬النفس،‭ ‬تبدأ‭ ‬بالحوار‭ ‬وتنتهي،‭ ‬إذا‭ ‬نجحت،‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬منظومة‭ ‬إقليمية‭ ‬للأمن‭ ‬الجماعي‭. ‬وقد‭ ‬لا‭ ‬تؤدى‭ ‬هذه‭ ‬العملية‭ ‬إلى‭ ‬إنهاء‭ ‬صراعات‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬في‭ ‬سنوات‭ ‬قليلة،‭ ‬لكنها‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تجعل‭ ‬الحرب‭ ‬أقل‭ ‬احتمالًا،‭ ‬والتفاوض‭ ‬أكثر‭ ‬حضورًا،‭ ‬والوساطة‭ ‬أكثر‭ ‬فاعلية،‭ ‬واستخدام‭ ‬القوة‭ ‬أكثر‭ ‬كلفة‭ ‬سياسيًا‭.‬

لقد‭ ‬جرب‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬الحروب‭ ‬والتحالفات‭ ‬والردع‭ ‬والاعتماد‭ ‬على‭ ‬القوى‭ ‬الخارجية‭ ‬لعقود‭ ‬طويلة،‭ ‬ولم‭ ‬ينتج‭ ‬ذلك‭ ‬استقرارًا‭ ‬مستدامًا‭. ‬وربما‭ ‬آن‭ ‬الأوان‭ ‬لتجربة‭ ‬شيء‭ ‬مختلف‭: ‬أن‭ ‬تجلس‭ ‬دول‭ ‬المنطقة،‭ ‬حول‭ ‬طاولة‭ ‬واحدة،‭ ‬لا‭ ‬لكي‭ ‬تتفق‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬وإنما‭ ‬لكي‭ ‬تتفق‭ ‬أولا‭ ‬على‭ ‬ألا‭ ‬تسمح‭ ‬لخلافاتها‭ ‬بأن‭ ‬تدمر‭ ‬أمنها‭ ‬ومستقبلها‭ ‬المشترك‭. ‬تلك‭ ‬هي‭ ‬الفكرة‭ ‬الجوهرية‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬إطلاق‭ ‬عملية‭ ‬هلسنكي‭ ‬شرق‭ ‬أوسطية‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬مبادرة‭ ‬دبلوماسية‭ ‬جديدة،‭ ‬وإنما‭ ‬بداية‭ ‬تحول‭ ‬حقيقي‭ ‬من‭ ‬إدارة‭ ‬الصراعات‭ ‬بالقوة‭ ‬إلى‭ ‬إدارتها‭ ‬بالحوار‭ ‬وبناء‭ ‬أمن‭ ‬اقليمي‭ ‬يقوم،‭ ‬تدريجيا،‭ ‬على‭ ‬التفاهمات‭ ‬الجماعية‭.‬

 

{ أستاذ‭ ‬العلوم‭ ‬السياسية

في‭ ‬جامعة‭ ‬القاهرة

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا