تبدو منطقة الشرق الأوسط اليوم في أمسّ الحاجة إلى مراجعة جذرية للطريقة التي تتعامل بها دولها والقوى الدولية الفاعلة فيها مع قضايا الأمن والصراع. فالحروب المتتالية، والتوترات الممتدة، والتدخلات العسكرية، وتعدد الفاعلين المسلحين، وتراجع الثقة بين الدول، كلها تؤكد أن الاستمرار في إدارة أزمات المنطقة من خلال القوة العسكرية لم يعد قادرًا على إنتاج استقرار مستدام، بل إن بعض هذه الأدوات أصبح جزءًا من المشكلة أكثر منه جزءًا من الحل. ومن هنا تبرز الحاجة إلى التفكير جديًا في إطلاق «عملية هلسنكي شرق أوسطية» تستلهم تجربة مؤتمر الأمن والتعاون في أوروبا، من دون أن تستنسخها حرفيا، بهدف بناء إطار إقليمي للحوار والتفاوض وحل الصراعات أو احتوائها، ووضع قواعد ومبادئ مشتركة تضبط سلوك الدول وتحد من مخاطر الانزلاق المتكرر إلى الحرب.
الفكرة الأساسية في عملية هلسنكي ليست إنشاء حلف عسكري جديد، ولا إقامة مؤسسة إقليمية ذات صلاحيات فوق سيادة الدول، وإنما توفير منصة سياسية ودبلوماسية دائمة تجمع الخصوم قبل الأصدقاء، وتتيح لهم مناقشة مصادر التهديد ومخاوف الأمن المتبادل وقضايا الحدود والسيادة والتسلح والتدخلات الخارجية والنزاعات الإقليمية. وهذا تحديدًا ما تحتاج إليه منطقة الشرق الأوسط التي تعاني، على الرغم من كثرة التحالفات والضمانات الأمنية الخارجية، من غياب ترتيبات للأمن الجماعي تستطيع من خلالها دول المنطقة إدارة تناقضاتها بصورة مؤسسية ومنتظمة.
لقد أثبتت التطورات الأخيرة أن الاعتماد المفرط على القوى الخارجية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، لتوفير الأمن الإقليمي لم يعد كافيًا. فالولايات المتحدة تظل القوة الأكثر قدرة عسكريًا واقتصاديًا ودبلوماسيًا على التأثير في الشرق الأوسط، لكن سياساتها خلال السنوات الأخيرة أظهرت أن وجودها العسكري لا يعنى بالضرورة إنتاج الأمن لجميع دول المنطقة. وعندما تنخرط واشنطن نفسها في صراع عسكري مع إيران، أو عندما تستخدم القوة إلى جانب حلفائها في إدارة أزمات المنطقة، تتحول القوة الخارجية التي يفترض أن توفر الردع والاستقرار إلى طرف مباشر في النزاع.
وهنا يصبح السؤال الضروري: كيف يمكن بناء أمن إقليمي مستدام إذا كان أمن المنطقة مرتبطًا في جوهره بقرارات قوة خارجية قد تتغير حساباتها من إدارة أمريكية إلى أخرى؟
المشكلة لا تقتصر على الولايات المتحدة. فإسرائيل وإيران أصبحتا، بدرجات مختلفة، مصدرين مستمرين لعدم الاستقرار الإقليمي بسبب اللجوء المتكرر إلى القوة العسكرية وتوسيع ساحات المواجهة واستخدام الفاعلين المسلحين وغير الدوليين في إدارة الصراعات. والنتيجة أن المنطقة أصبحت أي حرب محدودة يمكن في أي لحظة أن تتحول إلى حرب أوسع.
ومن ثم فإن المطلوب ليس البحث عن قوة إقليمية مهيمنة جديدة، وإنما الانتقال تدريجيًا من منطق توازن القوى إلى منطق الأمن المشترك. وهذا هو الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من تجربة هلسنكي الأوروبية. فقد انطلقت العملية الأوروبية في سياق بالغ الصعوبة، بين معسكرين متنافسين في الحرب الباردة، ولم يكن هناك آنذاك ما يوحى بإمكان تحقيق ثقة حقيقية بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة والدول الأوروبية. ومع ذلك، أدى إنشاء مسار تفاوضي مستمر إلى تطوير مجموعة من المبادئ المتعلقة باحترام السيادة وعدم استخدام القوة وتسوية النزاعات والتعاون الاقتصادي والإنساني، وأسهم في خلق بيئة سياسية أكثر قابلية لإدارة التنافس والحد من مخاطر المواجهة.
لا يعنى ذلك أن الشرق الأوسط هو أوروبا، أو أن ظروف السبعينيات يمكن نقلها إلى المنطقة كما هي. فالشرق الأوسط أكثر تعقيدًا من حيث طبيعة النزاعات، وتعدد الفاعلين، في ظل ضعف المؤسسات الإقليمية، ووجود قضايا مثل القضية الفلسطينية والبرنامج النووي الإيراني وأمن الخليج والحروب الأهلية والتدخلات الخارجية. كما أن بعض النزاعات في المنطقة ذات طبيعة أيديولوجية أو دينية أو طائفية، بينما كانت عملية هلسنكي الأوروبية تدور بصورة أساسية حول صراع جيوسياسي بين دول ومجموعات من الدول. لكن اختلاف الظروف لا يلغى صلاحية الفكرة الأساسية: الخصوم الذين لا يستطيعون الاتفاق على كل شيء يستطيعون، في كثير من الأحيان، الاتفاق على قواعد تمنع الأسوأ.
ولهذا يمكن أن تبدأ عملية هلسنكي شرق أوسطية من مجموعة محدودة من المبادئ. في مقدمتها الالتزام بعدم استخدام القوة لتغيير الحدود أو فرض الإرادة السياسية على الدول الأخرى، واحترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، وعدم دعم الجماعات المسلحة التي تستهدف زعزعة استقرار الدول، والامتناع عن استهداف البنية التحتية المدنية، وحماية حرية الملاحة والممرات المائية الدولية، واللجوء إلى الوساطة والتفاوض قبل استخدام القوة، فضلا عن تطوير آليات للإنذار المبكر وإدارة الأزمات.
ويمكن أن تكون الدول العربية الوازنة في المنطقة هي الطرف الأكثر قدرة على الدفع في هذا الاتجاه. فمصر والسعودية، إلى جانب دول عربية أخرى، تمتلك مصالح مباشرة في خفض مستوى الصراع الإقليمي، كما تمتلك بدرجات متفاوتة قنوات اتصال مع الأطراف المختلفة. ولا يعنى ذلك أن تكون العملية عربية مغلقة، بل على العكس، ينبغي أن تضم منذ البداية إيران وتركيا إلى جانب الدول العربية المعنية، وأن تتيح كذلك مشاركة القوى الدولية المؤثرة بصفة داعمة أو مراقبة، وليس بديلا عن الإرادة الإقليمية.
والأهم أن عملية كهذه يجب ألا تشترط حل جميع القضايا الكبرى قبل إطلاقها. فإذا اشترطنا أولا حل القضية الفلسطينية أو إنهاء التوتر الإيراني الخليجي أو تسوية كل النزاعات العربية الداخلية، فلن تبدأ العملية أصلا. الأفضل أن تبدأ من إدارة الخلافات ثم الانتقال تدريجيا إلى احتوائها، ومن بناء إجراءات الثقة إلى الاتفاق على قواعد أوسع. فالدبلوماسية لا تنجح دائما لأنها تنهي الخلافات، وإنما قد تنجح لأنها تمنع الخلاف من التحول إلى حرب.
ومن هنا تأتى أهمية أن تتضمن العملية مسارات متوازية. مسار للأمن الإقليمي، يناقش التسلح والصواريخ والطائرات المسيرة والأسلحة النووية والكيميائية ومخاطر الانتشار العسكري. ومسار للملاحة وأمن الممرات البحرية، بما في ذلك الخليج وباب المندب والبحر الأحمر، لأن تحويل الممرات الدولية إلى ساحات صراع يهدد المنطقة والاقتصاد العالمي معا. ومسار لتسوية النزاعات، يركز على فلسطين واليمن وسوريا ولبنان والعراق وغيرها من بؤر التوتر. ومسار للتعاون الاقتصادي والطاقوي والبيئي، لأن الأمن لا يمكن فصله عن المصالح المشتركة التي تجعل الحرب أكثر كلفة والسلام أكثر فائدة.
وقد يبدو إطلاق عملية هلسنكي شرق أوسطية في اللحظة الراهنة طموحًا زائدًا عن الحد، خصوصًا في ظل الحروب والتوترات الحالية. غير أن المفارقة أن صعوبة اللحظة هي نفسها التي تجعل الحاجة إلى مثل هذه العملية أكثر إلحاحًا. فالمنطقة لم تعد تحتمل استمرار إدارة أزماتها بالوسائل العسكرية وحدها. وكل حرب جديدة تفتح الباب أمام حرب أخرى، وكل تدخل عسكري ينتج رد فعل، وإذا استمر هذا النمط، فسوف يصبح الاستقرار استثناء والحرب قاعدة.
ولا ينبغي أيضًا أن تكون عملية هلسنكي بديلًا عن ترتيبات أمنية ثنائية أو متعددة الأطراف بين دول المنطقة. فهذه الترتيبات قد تكون ضرورية في المدى القصير، لكن الفرق أن التحالفات عادة ما تقوم على تحديد خصم أو مصدر تهديد، بينما يقوم الأمن الجماعي على فكرة أكثر اتساعا: أن أمن دولة لا ينبغي أن يتحقق على حساب أمن دولة أخرى.
إن الشرق الأوسط يحتاج في نهاية المطاف إلى الانتقال من السؤال التقليدي: من يستطيع أن ينتصر في الصراع؟ إلى سؤال أكثر عقلانية: كيف يمكن منع الصراع من الوصول إلى الحرب أصلا؟ وهذا التحول لا يمكن تحقيقه بالقوة وحدها، وإنما من خلال إنشاء قواعد للحوار والتفاوض والوساطة، وإدراك أن بقاء جميع الأطراف في المنطقة أقل كلفة من سعى كل طرف إلى إخضاع الآخرين.
ولعل مصر تستطيع أن تضطلع بدور مهم في الدفع نحو هذه الرؤية، بحكم موقعها وثقلها العربي وعلاقاتها مع مختلف الأطراف وخبرتها الطويلة في الوساطة وإدارة الأزمات. لكن الدور المصري الأفضل ليس قيادة محور جديد، وإنما الدفع باتجاه إطار إقليمي مفتوح لا يستثنى أحدًا، ويضع المصالح الأمنية المشتركة فوق حسابات الاستقطاب.
في النهاية، لا تكمن قيمة «هلسنكي الشرق الأوسطية» في الاسم بقدر ما تكمن في الفكرة التي يمثلها. نحن بحاجة إلى عملية طويلة النفس، تبدأ بالحوار وتنتهي، إذا نجحت، إلى بناء منظومة إقليمية للأمن الجماعي. وقد لا تؤدى هذه العملية إلى إنهاء صراعات الشرق الأوسط في سنوات قليلة، لكنها تستطيع أن تجعل الحرب أقل احتمالًا، والتفاوض أكثر حضورًا، والوساطة أكثر فاعلية، واستخدام القوة أكثر كلفة سياسيًا.
لقد جرب الشرق الأوسط الحروب والتحالفات والردع والاعتماد على القوى الخارجية لعقود طويلة، ولم ينتج ذلك استقرارًا مستدامًا. وربما آن الأوان لتجربة شيء مختلف: أن تجلس دول المنطقة، حول طاولة واحدة، لا لكي تتفق على كل شيء، وإنما لكي تتفق أولا على ألا تسمح لخلافاتها بأن تدمر أمنها ومستقبلها المشترك. تلك هي الفكرة الجوهرية التي يمكن أن تجعل من إطلاق عملية هلسنكي شرق أوسطية ليس مجرد مبادرة دبلوماسية جديدة، وإنما بداية تحول حقيقي من إدارة الصراعات بالقوة إلى إدارتها بالحوار وبناء أمن اقليمي يقوم، تدريجيا، على التفاهمات الجماعية.
{ أستاذ العلوم السياسية
في جامعة القاهرة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك