العدد : ١٧٦٩٧ - السبت ٠٥ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٣ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٩٧ - السبت ٠٥ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٣ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

دور الأحرار والشعوب في مقاومة الاستعمار الجديد

بقلم: جعفر العلوني

الجمعة ٠٤ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

من‭ ‬الوجوه‭ ‬الجديدة‭ ‬لليمين‭ ‬المتطرِّف‭ ‬التي‭ ‬تجتاح‭ ‬العالم،‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬الخطابات‭ ‬السياسية‭ ‬السيليكونية‭ ‬المتزيّنة‭ ‬بكماليات‭ ‬الحداثة‭ ‬والأمن‭ ‬والكفاءة‭ ‬والتطوّر‭ ‬والتكنولوجيا،‭ ‬والتي‭ ‬ليست،‭ ‬جوهرياً،‭ ‬إلا‭ ‬خدمةً‭ ‬لأهداف‭ ‬استعمارية‭ ‬جديدة،‭ ‬نشهد‭ ‬اليوم‭ ‬دروس‭ ‬التاريخ‭ ‬القاسية‭ ‬والمتكرّرة،‭ ‬نشهد‭ ‬اليوم‭ ‬خيانة‭ ‬جوهر‭ ‬فكرة‭ ‬الاستقلال‭ ‬والأوطان‭ ‬والإنسان‭ ‬الحر‭. ‬

وتتجسد‭ ‬هذه‭ ‬الخيانات‭ ‬في‭ ‬أمور‭ ‬كثيرة‭: ‬في‭ ‬قبول‭ ‬الإبادات‭ ‬الجماعية‭ ‬على‭ ‬تنوعها،‭ ‬بدءاً‭ ‬من‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬من‭ ‬غزة،‭ ‬وفي‭ ‬إضفاء‭ ‬الشرعيات‭ ‬على‭ ‬احتلال‭ ‬الأراضي،‭ ‬وفي‭ ‬تبرير‭ ‬الحروب‭ ‬والعدوان،‭ ‬وفي‭ ‬تسويغ‭ ‬الهروب‭ ‬من‭ ‬الأوطان‭ ‬وتبريرها‭ ‬باسم‭ ‬الهجرات،‭ ‬وفي‭ ‬عدم‭ ‬التصدي‭  ‬للقوى‭ ‬الإمبريالية‭ ‬المحتلة‭ ‬ومع‭ ‬من‭ ‬يسفك‭ ‬الدم‭ ‬وينهب‭ ‬الثروات‭ ‬ويدمّر‭ ‬الذاكرة،‭ ‬وفي‭ ‬تدمير‭ ‬شعوب‭ ‬وتهجيرها‭ ‬وسلب‭ ‬مواردها،‭ ‬وفي‭ ‬خرق‭ ‬القوانين‭ ‬الدولية،‭ ‬وإثارة‭ ‬الفتن،‭ ‬وتعميم‭ ‬لغة‭ ‬الطائفية،‭ ‬وترسيخ‭ ‬ثقافة‭ ‬العنف،‭ ‬وتعميم‭ ‬الثقافة‭ ‬الاستهلاكية،‭ ‬وتكريس‭ ‬الحروب‭ ‬الكونية‭ ‬والمتواصلة،‭ ‬واحتكار‭ ‬الحقيقة‭ ‬بوصفها‭ ‬سلعة‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬السلع‭.‬

يتحوّل‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬إلى‭ ‬سجن‭ ‬كبير‭. ‬وما‭ ‬نعيشه‭ ‬ليس‭ ‬تغيّراً‭ ‬في‭ ‬الاتجاه‭ ‬السياسي‭. ‬إنّه‭ ‬إهانة‭ ‬مباشرة‭ ‬ومدروسة‭ ‬للإرث‭ ‬التاريخي‭ ‬لنضال‭ ‬الأحرار‭ ‬ضدّ‭ ‬كل‭ ‬أشكال‭ ‬الطغيان‭ ‬وضدّ‭ ‬أنواع‭ ‬الاستعمار‭ ‬كلّها؛‭ ‬خصوصاً‭ ‬هذا‭ ‬الاستعمار‭ ‬الجديد‭ ‬الذي‭ ‬يرسم‭ ‬خرائطنا‭ ‬التي‭ ‬نعيشُ‭ ‬فيها،‭ ‬ويقسِّمها،‭ ‬ويوزعها‭ ‬علينا‭ ‬كيفما‭ ‬يشاء‭ ‬ومتى‭ ‬يشاء‭.‬

إنه‭ ‬المشهد‭ ‬الأخير‭ ‬من‭ ‬حضورنا‭. ‬المشهد‭ ‬الأخير‭ ‬من‭ ‬موتنا‭ ‬شعوباً‭. ‬والكل‭ ‬مستعدٌ‭ ‬كي‭ ‬يسدل‭ ‬الستار‭ ‬علينا،‭ ‬الكل‭ ‬يهيئ‭ ‬اللمسة‭ ‬الأخيرة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬موتنا‭. ‬فماذا‭ ‬نفعل؟‭ ‬هل‭ ‬نواصل‭ ‬النوم‭ ‬والنهوض‭ ‬والشراب‭ ‬والطعام؟‭ ‬هل‭ ‬نتابع‭ ‬الهرب؟‭ ‬هل‭ ‬نستسلم‭ ‬لمشهد‭ ‬زوالنا؟‭ ‬هل‭ ‬نستسلم‭ ‬لهذا‭ ‬كله‭ ‬ونقول‭ ‬لحناجرنا‭ ‬أن‭ ‬تصمت‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬تختنق‭ ‬غمغمةً؟

المقاومة‭ ‬هي‭ ‬الشيء‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬يثبت‭ ‬أن‭ ‬الحياة‭ ‬الصحيحة‭ ‬ممكنة‭. ‬وهي‭ ‬الوحيدة‭ ‬القادرة‭ ‬أن‭ ‬تعطي‭ ‬للإنسان‭ ‬العربي‭ ‬وجهاً‭ ‬يقترن‭ ‬بالشمس‭.‬

ثمة‭ ‬حاجة‭ ‬كبيرة‭ ‬إلى‭ ‬المقاومة‭. ‬ولا‭ ‬أقصد‭ ‬هنا‭ ‬مقاومة‭ ‬السلاح‭ ‬فحسب،‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬ضرورة‭ ‬وجودية‭ ‬وحقٌّ‭ ‬شرعيٌّ‭ ‬وقانوني‭ ‬أمام‭ ‬أي‭ ‬احتلال‭ ‬خارجي‭ ‬غاشم‭ ‬يسلب‭ ‬الأراضي‭ ‬ويقتل‭ ‬الأطفال‭ ‬والنساء‭ ‬والأبرياء‭. ‬أقصد‭ ‬أيضاً‭ ‬المقاومة‭ ‬الواعية‭ ‬التي‭ ‬تعيدُ‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬كلّ‭ ‬شيء‭. ‬وكل‭ ‬شيء‭ ‬في‭ ‬عالمنا‭ ‬العربي‭ ‬لإعادة‭ ‬النظر‭. ‬أقصد‭ ‬المقاومة‭ ‬التي‭ ‬تغيّر‭ ‬إطارنا‭ ‬الذهني‭ ‬وتغلّبنا‭ ‬على‭ ‬مخاوفنا‭ ‬وعلى‭ ‬ما‭ ‬جعلنا‭ ‬نفقد‭ ‬العادة‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬المخاطر‭ ‬والأسئلة،‭ ‬وهو‭ ‬نفسه‭ ‬ما‭ ‬جعلنا‭ ‬نفقد‭ ‬العادة‭ ‬على‭ ‬الحياة‭.‬

حقاً،‭ ‬تحوَّل‭ ‬عالمنا‭ ‬إلى‭ ‬سجن‭ ‬كبير،‭ ‬وثمة‭ ‬حاجة‭ ‬كبيرة‭ ‬إلى‭ ‬المقاومة،‭ ‬ومهمة‭ ‬الأحرار‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬هي‭ ‬تقويض‭ ‬جدران‭ ‬هذا‭ ‬السجن‭ ‬الكبير،‭ ‬وهدمها،‭ ‬ومن‭ ‬أجل‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬بدَّ‭ ‬من‭ ‬المقاومة،‭ ‬والمقاومة‭ ‬هنا‭ ‬ابتكار‭. ‬إنّها‭ ‬ابتكارٌ‭ ‬للحرية،‭ ‬وكلُّ‭ ‬حرية‭ ‬هي‭ ‬مخاطرة،‭ ‬والمبدعون‭ ‬والمقاومون‭ ‬والمفكّرون‭ ‬الأحرار‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكونوا‭ ‬المحاربين‭ ‬الأوائل‭ ‬الذين‭ ‬يخاطرون‭ ‬ويحاربون‭ ‬القيود‭ ‬وطرائق‭ ‬التفكير‭ ‬المحبطة،‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكونوا‭ ‬المقاومين‭ ‬الأوائل‭ ‬ضد‭ ‬أشكال‭ ‬الاستعمار‭ ‬الجديد‭. ‬والمقاومة‭ ‬التي‭ ‬نحتاج‭ ‬إليها‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تتجاوز‭ ‬السياسة‭ ‬والاقتصاد‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬البُنى‭ ‬الأساسية‭ ‬للحياة،‭ ‬خصوصا‭ ‬حياتنا‭ ‬العربية‭ ‬السائدة،‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬عمق‭ ‬الأعماق‭ ‬النفسية‭ ‬والعقلية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والدينية‭ ‬والثقافية‭ ‬فيها‭. ‬

لقد‭ ‬صار‭ ‬ضرورياً‭ ‬تغيير‭ ‬إنساننا‭ ‬العربي‭ ‬من‭ ‬الداخل‭ ‬لكي‭ ‬تصبح‭ ‬المقاومة‭ ‬فعّالة‭ ‬ومؤثرة‭.‬

إن‭ ‬المقاومة‭ ‬عمق‭ ‬وتأسيس‭. ‬هي‭ ‬تدشين‭ ‬لحياة‭ ‬جديدة‭ ‬ولعالم‭ ‬جديد‭. ‬إنها‭ ‬خيار‭ ‬صعب،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬أنَّ‭ ‬كلاً‭ ‬منا‭ ‬من‭ ‬حوله‭ ‬حرب‭ ‬عليه‭.. ‬حرب‭ ‬ثقافية‭ ‬واجتماعية‭ ‬ونفسية‭ ‬وسياسية‭. ‬فإما‭ ‬أن‭ ‬نمضي‭ ‬حياتنا‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬إلى‭ ‬الموت،‭ ‬وإما‭ ‬أن‭ ‬نقاوم‭. ‬والمقاومة‭ ‬هنا‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬وعي‭ ‬عميق‭ ‬وشقيّ‭. ‬فإما‭ ‬أن‭ ‬نَستأصل‭ ‬ما‭ ‬يسلبُنا‭ ‬الحياة‭ ‬وإما‭ ‬أن‭ ‬نُستأصل‭. ‬والمقاومة‭ ‬هي‭ ‬الشيء‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬يثبت‭ ‬أن‭ ‬الحياة‭ ‬الصحيحة‭ ‬ممكنة‭. ‬وهي‭ ‬الوحيدة‭ ‬القادرة‭ ‬أن‭ ‬تعطي‭ ‬للإنسان‭ ‬العربي‭ ‬وجها‭ ‬يقترن‭ ‬بالشمس‭.‬

 

 شاعر‭ ‬وصحفي‭ ‬سوري

‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬إسبانيا

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا