تمتلك الولايات المتحدة الأمريكية تاريخًا طويلا في توقيع المعاهدات وقطع الالتزامات ثم التنصل منها (ويمكن سؤال قبائل السكان الأصليين عن ذلك)، إلا أن سجل السياسة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط خلال هذا القرن يُعد أمراً استثنائياً للغاية.
فقد ألحقت التحولات الجذرية في السياسات، ونقض المعاهدات، والوعود التي قُطعت ثم نُسيت وتم التنصل منها، والحروب الحمقاء التي أُشعل فتيلها دون أدنى اكتراث بالفوضى التي تسببت فيها للآخرين، فضلاً عن انتهاك وتقويض القانون الدولي والاتفاقيات الدولية - أضراراً جسيمة بمنطقة الشرق الأوسط وزعزعت الثقة التي يوليها الآخرون للولايات المتحدة الأمريكية.
من المريح للجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء توجيه أصابع الاتهام إلى «الطرف الآخر» فيما يتعلق بتراجع مكانة الولايات المتحدة الأمريكية وفقدانها للدعم على الساحة الدولية؛ إلا أن الواقع يشير إلى أن جميع الإدارات التي تعاقبت على الحكم في هذا القرن تتحمل قسطاً وافراً من المسؤولية في حدوث ذلك.
لقد أشعل الرئيس جورج دبليو بوش فتيل الحروب وأمر بعمليات الاحتلال الكارثية في أفغانستان والعراق، غير أن الرئيسين باراك أوباما وجوزيف بايدن أنهيا كلا النزاعين بطريقة سيئة، مما فاقم الأضرار التي كانت قد لحقت بالفعل.
وفي حين أن جورج بوش ربما ضرب بالقانون الدولي والاتفاقيات عرض الحائط من خلال اللجوء إلى التعذيب، وعمليات التسليم الاستثنائي، وعمليات القتل المستهدف خارج نطاق القضاء، فإن باراك أوباما قوض بدوره التزام الولايات المتحدة الأمريكية بسيادة القانون؛ إذ رفض المطالبة بمحاسبة المسؤولين عن تلك الجرائم.
لقد تحدث جو بايدن ببراعة وبلاغة دفاعاً عما أسماه «النظام الدولي القائم على القواعد»، لكنه قوض موقفه بنفسه حين اتضح أن التزامه بهذا المبدأ انتقائي؛ إذ اقتصر تطبيقه على الغزو الروسي لأوكرانيا دون أن يشمل سياسات الإبادة الجماعية التي تمارسها إسرائيل في فلسطين.
وفي سياق الحديث عن فلسطين، نجد أنه خلال الربع الأول من هذا القرن الحادي والعشرين، لم تتخذ أي إدارة أمريكية التدابير الحازمة اللازمة لكبح الممارسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، أو في لبنان، ومؤخراً في سوريا.
وقد كانت النتيجة واضحة: إذ باتت إسرائيل تتصرف بمنأى عن أي مساءلة أو عقاب، وفقد الفلسطينيون الأمل، كما تلاشت لدى شعوب المنطقة حتى ذرة من الإيمان بقدرة الولايات المتحدة الأمريكية على أداء دور بناء في صنع السلام.
وعلى خلفية السجل القاتم للإدارات الأربع التي تعاقبت على الحكم في هذا القرن، وجّه الرئيس دونالد ترامب -منذ عودته إلى البيت الأبيض عام 2025- الضربة القاضية لما تبقى من ثقة في القيادة الأمريكية بمنطقة الشرق الأوسط.
ففي حين سبق أن توجّه بايدن إلى مجلس الأمن الدولي وانتزع قراراً بوقف إطلاق النار في غزة -مُدّعياً أمام المجلس أن إسرائيل وافقت عليه، رغم علمه التام بأنها لم تقبل ببنوده - فإن ترامب قد مضى قدماً في نهج الخداع والتضليل هذا إلى أبعد من ذلك؛ إذ حشد القادة وسط ضجة إعلامية كبيرة لحضور فعالية احتفت بخطته للسلام المكونة من 20 بنداً لإنهاء الصراع في غزة، غير أن المشكلة - بطبيعة الحال- تمثلت في أن أياً من الأطراف المتحاربة، سواء حركة حماس أو -على وجه الخصوص- إسرائيل، لم تكن قد وافقت على بنود تلك الخطة.
لقد بلغ أسلوب ترامب المفعم بالتبجح في إدارة حربه مع إيران مستويات جديدة من العبث؛ إذ أعلن في 42 مناسبة على الأقل أن الحرب قد انتهت وأنه خرج منتصراً، أو أن إيران تتوسل للتفاوض وفق شروطه، ليعود بعد يوم أو يومين مهدداً -بعبارات عنيفة أو بذيئة- بمحو إيران من الوجود إذا لم تقم، على حد تعبيره، بـما يسميه «رفع الراية البيضاء» والاستسلام.
وتُضاف إلى هذا الوضع المأساوي لآلاف اللبنانيين الذين قُتلوا وعشرات القرى التي دمرتها إسرائيل منذ سريان وقف إطلاق النار المدعوم من ترامب، فضلاً عن عمليات التهجير وأعمال العنف المروعة التي يرتكبها المستوطنون والجنود الإسرائيليون في الضفة الغربية، واستمرار الإبادة الجماعية في غزة، وحالة انعدام الأمن في دول الخليج العربي التي تضم قواعد أمريكية تتعرض لهجمات متهورة بالصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية.
لا عجب أن العرب فقدوا الثقة ليس فقط في التزام الولايات المتحدة الأمريكية بالسلام والأمن الإقليميين، بل أيضاً في مصداقيتها كحليف.
إن مشكلة بهذا الحجم لا يمكن حلها بمجرد انتخابات أمريكية واحدة؛ فبعد عقود من التقلبات الحادة والمضطربة التي تضمنت حروباً قامت على الأكاذيب، وانتهاكات للقوانين والاتفاقيات الدولية، ووعود قُطعت ثم نُقضت، ووصولاً إلى إدارة تتصرف باندفاع وتطلق تصريحات متناقضة وكأن الكلمات بلا معنى، تلاشت الثقة تماماً.
في أعقاب الكوارث التي تمخضت عنها حرب إدارة بوش في العراق، وسياساتها الداخلية المعادية للعرب والمسلمين، و«أجندة الديمقراطية» سيئة التخطيط التي تبنتها، توجه الرئيس أوباما إلى القاهرة ليلقي خطاباً استهدف فتح صفحة جديدة في العلاقات الأمريكية مع المنطقة.
وبعد مرور سبع سنوات دون اتخاذ خطوات حاسمة لتنفيذ الوعود التي قطعها في خطاب القاهرة، أجرى أوباما مقابلة مطولة مع مجلة «ذا أتلانتيك» حمّل فيها العرب مسؤولية عدم بذل الجهد الكافي.
عندما تحدثتُ معه بشأن ذلك الخطاب وتلك المقابلة، أخبرني بأن سقف توقعات العرب كان مرتفعاً للغاية. فرددتُ عليه بأنه هو من رفع سقف تلك التوقعات، وهو من قطع الوعود بأنه «سيُغيّر واشنطن، وسيُغيّر أمريكا، وسيُغيّر العالم»؛ وقلتُ له: «لا تلمهم لأنهم صدَّقوك».
بات من الواضح الآن أن العالم العربي لم يعد يصدق الوعود الأمريكية أو حتى كلماتنا؛ فقد بدأ يشق طريقه في نظام عالمي يتجاوز الهيمنة الأمريكية، وذلك من خلال إقامة تحالفات جديدة، أو إيجاد شركاء جدد، أو إعطاء الأولوية لمصالحه الخاصة.
إذا كان للولايات المتحدة الأمريكية أن تحظى بمكانة في هذا النظام الجديد، فإننا بحاجة إلى ما هو أكثر من مجرد رئيس جديد يطلق وعوداً بالتغيير؛ إذ يتطلب الأمر مراجعة متأنية لعقود من الإخفاقات والتجاوزات، بما يفضي إلى تبني سياسات جديدة تحقق العدالة للفلسطينيين وتؤسس لشراكات إقليمية وتعزز الأمن.
غير أن الإقرار بالمشكلات ليس سوى الخطوة الأولى؛ إذ لا بد أن يليه التزامٌ ملموس ومستمر بتطبيق نهجٍ مغاير للتعامل مع الأزمات المتعددة التي ساهمنا في خلقها أو تفاقمها في أرجاء المنطقة.
ونظراً لأننا استغرقنا جيلاً كاملاً لنوقع أنفسنا في هذه المآزق العميقة والمعقدة في العالم العربي، فإن الخروج منها لن يكون سريعاً ولا سهلاً؛ فاستعادة الثقة تتطلب وقتا طويلا وعملا دؤوبا.
{ رئيس المعهد العربي الأمريكي

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك