العدد : ١٧٦٨٣ - السبت ٢٢ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٨٣ - السبت ٢٢ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

أخبار البحرين

ما بين مفهومي الحضارة والإمبراطورية

بقلم: سميرة بن رجب

السبت ٢٢ أغسطس ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬محاولةٍ‭ ‬للبحثِ‭ ‬عن‭ ‬معاني‭ ‬وتصنيفات‭ ‬الدول‭ (‬قديمًا‭ ‬وحديثًا‭)‬،‭ ‬توقفتُ‭ ‬كثيرًا‭ ‬أمام‭ ‬تصنيفِ‭ ‬دول‭ ‬الإمبراطوريات،‭ ‬ودول‭ ‬الحضارات،‭ ‬وتحديد‭ ‬مفاهيمهما،‭ ‬وحصر‭ ‬نقاط‭ ‬الالتقاء‭ ‬والاختلاف‭ ‬بينهما،‭ ‬والفروقات‭ ‬الجوهرية‭ ‬ذات‭ ‬الدلالات‭ ‬العميقة‭ ‬المميزة‭ ‬لكل‭ ‬منهما‭... ‬حيث‭ ‬إن‭ ‬الفرقَ‭ ‬بين‭ ‬‮«‬الإمبراطورية‮»‬‭ ‬و«الحضارة‮»‬‭ ‬ليس‭ ‬اعتباطيًّا،‭ ‬بل‭ ‬يعكسُ‭ ‬اختلافًا‭ ‬في‮ ‬البنية‭ ‬السياسيَّةِ،‭ ‬والتنظيمِ‭ ‬الإداري،‭ ‬وطبيعة‭ ‬التوسع،‭ ‬والاستمرارية‭ ‬التاريخية؛‭ ‬ويعكس‭ ‬اختلافًا‭ ‬جوهريًّا‭ ‬في‭ ‬العطاءِ‭ ‬وصناعة‭ ‬الأثر‭ ‬الذي‭ ‬تتوارثه‭ ‬الأجيالُ‭ ‬المتعاقبةُ‭ ‬على‭ ‬المديات‭ ‬الطويلة‭ ‬والمستمرة‭... ‬وهنا‭ ‬إيجازٌ‭ ‬لبعض‭ ‬من‭ ‬نتائج‭ ‬مطالعاتي‭ ‬على‭ ‬عددٍ‭ ‬من‭ ‬المقالاتِ‭ ‬العلمية‭ (‬مذكورة‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المقال‭). ‬

الإمبراطورية‭... ‬المُلْكْ

‭ ‬والسيادة‭ ‬والسيطرة

يشير‭ ‬مصطلحُ‭ ‬الإمبراطوريَّة‭ ‬إلى‮ ‬كيانٍ‭ ‬سياسي‭ ‬موحد،‭ ‬له‭ ‬حدودٌ‭ ‬واضحة‭ (‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬متغيرة‭)‬،‭ ‬وعاصمة،‭ ‬وجيش‭ ‬نظامي،‭ ‬وإدارة‭ ‬مركزية،‭ ‬وقوانين‭ ‬مكتوبة،‭ ‬وزعيم‭ ‬واحد‭ (‬إمبراطور‭/‬شاه‭/‬ملك‭ ‬الملوك‭).‬

الإمبراطوريات‭ ‬هي‮ ‬دول بالمعنى‭ ‬السياسي‭ ‬الكامل‭ ‬للكلمة،‭ ‬وتقوم‭ ‬على‭ ‬فكرة‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬أراضٍ‭ ‬وشعوب‭ ‬متعددة،‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬الغزو‭ ‬العسكري‭ ‬المباشر؛‭ ‬وتُنشئ‭ ‬أجهزة‭ ‬حكم‭ (‬ولاة،‭ ‬ضرائب،‭ ‬طرق،‭ ‬جيش‭) ‬لإدارة‭ ‬هذه‭ ‬الأراضي‭ ‬الممتدة‭.‬

وأبرز‭ ‬الأمثلة‭ ‬التطبيقية‭ ‬لمفهوم‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬هي‭ ‬1-‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬الساسانية‭: ‬دولة‭ ‬فارسية‭ ‬مركزية،‭ ‬لها‭ ‬عاصمة‭ (‬قطيسفون،‭ ‬الاسم‭ ‬الفارسي‭ ‬لمنطقة‭ ‬المدائن‭ ‬العراقية‭)‬،‭ ‬وجيش‭ ‬نظامي،‭ ‬وديوان‭ ‬للضرائب،‭ ‬ودين‭ ‬رسمي‭ ‬للدولة‭ (‬الزرادشتية‭)‬،‭ ‬وحدود‭ ‬سياسية‭ ‬واضحة‭ ‬مع‭ ‬روما‭ ‬والهند‭... ‬2‭- ‬الإمبراطورية‭ ‬الرومانية‭: ‬دولة‭ ‬متكاملة‭ ‬بقوانين‭ (‬كالقانون‭ ‬الروماني‭)‬،‭ ‬ومواطنة،‭ ‬وجيوش‭ ‬فيالق،‭ ‬وسياسة‭ ‬توسعية‭ ‬واضحة‭... ‬3‭- ‬الإمبراطورية‭ ‬الإغريقية‭: ‬قامت‭ ‬على‭ ‬غزوات‭ ‬الإسكندر‭ ‬المقدوني،‭ ‬وتم‭ ‬تقسيمها‭ ‬إلى‭ ‬ممالك‭ ‬هلنستية‭ (‬كالبطالمة‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬والسلوقيين‭ ‬في‭ ‬الشام‭) ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬دولاً‭ ‬بيروقراطية‭ ‬مركزية‭.‬

الحضارة‭... ‬العلوم‭ ‬والنسيج‭ ‬الثقافي‭ ‬والاستمرارية

أما‭ ‬‮«‬الحضارة‮»‬‭ ‬فهو‭ ‬مصطلح‭ ‬أوسع‭ ‬وأعم،‭ ‬لا‭ ‬يشير‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬الدولة،‭ ‬بل‭ ‬إلى كل‭ ‬ما‭ ‬أنتجه‭ ‬مجتمع‭ ‬معين‭ ‬عبر‭ ‬قرون‭ ‬أو‭ ‬آلاف‭ ‬السنين من‭ ‬لغة،‭ ‬دين،‭ ‬فن،‭ ‬عمارة،‭ ‬علوم،‭ ‬نظم‭ ‬كتابة،‭ ‬وعادات‭ ‬اجتماعية‭. ‬قد‭ ‬تتكون‭ ‬الحضارة‭ ‬الواحدة‭ ‬من‭ ‬عدة‭ ‬دول‭ ‬وإمبراطوريات‭ ‬تعاقبت‭ ‬عليها،‭ ‬لكن‭ ‬الخيط‭ ‬الثقافي‭ ‬الموحّد‭ ‬يبقى‭ ‬مستمراً‭. ‬تُستخدم‭ ‬التسمية‭ ‬غالباً‭ ‬لتلك‭ ‬المجتمعات‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تُشكّل‭ ‬دولة‭ ‬مركزية‭ ‬موحّدة‭ ‬بالمعنى‭ ‬الإداري،‭ ‬أو‭ ‬التي‭ ‬تأسست‭ ‬كدويلات‭ ‬مدينة‭.‬

من‭ ‬أهم‭ ‬مميزات‭ ‬الدولة‭ ‬الحضارة‭ ‬هي‭ ‬الاستمرارية‭ ‬رغم‭ ‬الانقطاع‭ ‬السياسي؛‭ ‬قد‭ ‬تسقط‭ ‬دولة‭ ‬‮«‬الإمبراطورية‮»‬،‭ ‬لكن‭ ‬دولة‭ ‬‮«‬الحضارة‮»‬‭ ‬تبقى‭ ‬وتؤثر‭ ‬فيمن‭ ‬بعدها‭... ‬بالمفاهيم‭ ‬المتداولة‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬التاريخي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬الحضارة‭ ‬هي‭ ‬النظام‭ ‬الرمزي‭ ‬والمادي‭ (‬السيميائي‭) ‬المتكامل‭ ‬الذي‭ ‬يستمر‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬قرن‭ ‬ويؤثر‭ ‬في‭ ‬جيرانه‭.‬

وأهم‭ ‬الأمثلة‭ ‬التطبيقية‭ ‬للحضارات‭ ‬هي‭ ‬1‭- ‬حضارة‭ ‬بلاد‭ ‬الرافدين‭: ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬دولة‭ ‬واحدة،‭ ‬بل‭ ‬تعاقبت‭ ‬عليها‭ ‬إمبراطوريات‭ ‬متعددة‭ (‬أكدية،‭ ‬بابلية،‭ ‬آشورية،‭ ‬كلدانية‭)‬،‭ ‬لكنها‭ ‬تشترك‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الخلفية‭ ‬الثقافية،‭ ‬أي‭ ‬في‭ ‬الكتابة‭ ‬المسمارية،‭ ‬الأساطير‭ ‬السومرية،‭ ‬نظم‭ ‬الري،‭ ‬والقوانين‭. ‬لذا‭ ‬يُطلق‭ ‬عليها‭ ‬‮«‬حضارة‮»‬‭ ‬لأنها‭ ‬أعم‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬دولة‭ ‬واحدة‭... ‬2‭- ‬الحضارة‭ ‬الصينية‭: ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أنها‭ ‬قامت‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬كدولة‭ ‬موحدة‭ (‬إمبراطوريات‭ ‬متعاقبة‭)‬،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬المؤرخين‭ ‬يسمونها‭ ‬‮«‬حضارة‮»‬‭ ‬لأنها‭ ‬تمثل‭ ‬استمرارية‭ ‬ثقافية‭ ‬ولغوية‭ ‬وفكرية‭ ‬متصلة‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬3000‭ ‬عام،‭ ‬تجاوزت‭ ‬أي‭ ‬أسرة‭ ‬حاكمة‭ ‬معيّنة‭... ‬3‭- ‬حضارة‭ ‬المايا‭: ‬لم‭ ‬تشكّل‭ ‬إمبراطورية‭ ‬موحدة،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬دويلات‭ ‬المدن‭ ‬المستقلة،‭ ‬لكنها‭ ‬تشترك‭ ‬في‭ ‬نظام‭ ‬كتابة‭ ‬واحد،‭ ‬وتقويم،‭ ‬وفنون،‭ ‬ودين‭. ‬

نستخلص‭ ‬مما‭ ‬سبق‭ ‬إن‭ ‬الحضارة‭ ‬هي‭ ‬نسيج‭ ‬ثقافي‭ ‬واجتماعي‭ ‬واقتصادي‭ ‬متكامل،‭ ‬يحمل‭ ‬أبعادًا‭ ‬رمزية‭ ‬ومادية،‭ ‬ويستمر‭ ‬عبر‭ ‬الزمن‭ ‬ويتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬الدول‭ ‬والإمبراطوريات‭... ‬والإمبراطورية‭ ‬هي‭ ‬شكل‭ ‬سياسي‭ ‬محدد‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬التنظيم‭ ‬المنفرد،‭ ‬أو‭ ‬داخل‭ ‬إطار‭ ‬حضاري‭ ‬أوسع؛‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الحضارة‭ ‬أكثر‭ ‬امتدادًا‭ ‬جغرافيًا‭ ‬وانفتاحًا‭ ‬من‭ ‬الإمبراطوريات‭ ‬والدول‭.‬

الحضارة‭ ‬الإسلامية‭ ‬

‭(‬العربية‭)... ‬وخصائصها

وهنا‭ ‬أعترف‭ ‬بأنني،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬هذا‭ ‬البحث‭ ‬المعرفي،‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭ ‬أتعرف‭ ‬على‭ ‬وصف‭ ‬للحضارة‭ ‬الإسلامية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬المفاهيم‭ ‬التي‭ ‬استخلصناها‭ ‬لمفاهيم‭ ‬وخصائص‭ ‬الفئتين‭ ‬من‭ ‬الدول؛‭ ‬وتوصلت‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬وصف‭ ‬الحضارة‭ ‬الإسلامية‭ ‬العربية،‭ ‬عبر‭ ‬تاريخها،‭ ‬هو‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬سؤال‭ ‬يقع‭ ‬في‭ ‬صلب‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬نفهم‭ ‬بها‭ ‬مفاهيم‭ ‬‮«‬الإمبراطورية‮»‬‭ ‬و«الحضارة‮»‬‭... ‬والإجابة‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬خيار‭ ‬واحد،‭ ‬بل‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬فهم‭ ‬هذه‭ ‬الحضارة‭ ‬كحالة‭ ‬فريدة‭ ‬تمتلك‭ ‬خصائص‭ ‬كلتا‭ ‬الفئتين،‭ ‬وتتطور‭ ‬بينهما‭ ‬عبر‭ ‬الزمن‭.‬

المفهوم‭ ‬الأول‭... ‬‮«‬الإسلامية‮»‬‭ ‬كنموذج‭ ‬حضاري‭ ‬لا‭ ‬عرقي

وهنا،‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬البُعدين‭ ‬الأساسيين‭: ‬العرقي‭ (‬العربي‭) ‬والديني‭ (‬الإسلامي‭). ‬وإن‭ ‬الحضارة‭ ‬الإسلامية‭ ‬لم‭ ‬تُعرّف‭ ‬نفسها‭ ‬قط‭ ‬كحضارة‭ ‬‮«‬عربية‮»‬‭ ‬بالمعنى‭ ‬العرقي‭ ‬الضيق،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬كانت‭ ‬وعاءها‭ ‬الأولي‭... ‬لأن‭ ‬السمة‭ ‬الأكثر‭ ‬جوهرية‭ ‬فيها‭ ‬هي‮ ‬الدينية‭ ‬والثقافية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يُفسر‭ ‬لماذا‭ ‬يُطلق‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬الدراسات‭ ‬الحديثة‭ ‬اسم‭ ‬‮«‬الحضارة‭ ‬الإسلامية‮»‬،‭ ‬وليس‭ ‬‮«‬الإمبراطورية‭ ‬العربية‮»‬‭.‬

منذ‭ ‬البداية،‭ ‬كانت‭ ‬الوحدة‭ ‬التي‭ ‬جمعت‭ ‬الشعوب‭ ‬تحت‭ ‬راية‭ ‬هذه‭ ‬الحضارة‭ ‬هي‭ ‬الدين‭ ‬الإسلامي،‭ ‬وليس‭ ‬الانتماء‭ ‬العرقي‭. ‬نشأت‭ ‬الدولة‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬البداية،‭ ‬لكنها‭ ‬تحولت‭ ‬بسرعة‭ ‬إلى‭ ‬مشروع‭ ‬حضاري‭ ‬واسع‭ ‬استوعب‭ ‬شعوباً‭ ‬من‭ ‬خلفيات‭ ‬عرقية‭ ‬ولغوية‭ ‬متعددة‭ (‬الفرس،‭ ‬الأتراك،‭ ‬البربر،‭ ‬وغيرهم‭). ‬بعد‭ ‬قرن‭ ‬من‭ ‬الفتوحات،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬وصفها‭ ‬بأنها‭ ‬‮«‬عربية‮»‬‭ ‬فقط،‭ ‬لأن‭ ‬الإسلام‭ ‬تخطى‭ ‬الحدود‭ ‬القبلية‭ ‬والعرقية‭ ‬إلى‭ ‬الجوهر‭ ‬الديني‭ ‬والثقافي‭.‬

حدثت‭ ‬النقلة‭ ‬الجوهرية‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الثامن‭ ‬الميلادي،‭ ‬عندما‭ ‬استوعبت‭ ‬الدولة‭ ‬الإسلامية‭ ‬أعداداً‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬العرب‭ (‬الموالي‭)‬،‭ ‬مما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬كسر‭ ‬البنية‭ ‬العرقية‭ ‬للدولة‭ ‬وتحولها‭ ‬إلى‭ ‬مجتمع‭ ‬إسلامي‭ ‬متعدد‭ ‬الأعراق،‭ ‬مع‭ ‬بقاء‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬كلغة‭ ‬الدين‭ ‬والعلم‭ ‬والثقافة‭ ‬الموحدة‭.‬

‭ ‬المفهوم‭ ‬الثاني‭... ‬‮«‬الإسلامية‮»‬‭ ‬كإمبراطورية‭ ‬سياسية‭ ‬وامتداد‭ ‬للحضارات‭ ‬السابقة

من‭ ‬الناحية‭ ‬السياسية‭ ‬والإدارية،‭ ‬كانت‭ ‬الحضارة‭ ‬الإسلامية‭ ‬في‭ ‬قرونها‭ ‬الأولى إمبراطورية،‭ ‬لكنها‭ ‬لم‭ ‬تقطع‭ ‬مع‭ ‬ماضيها،‭ ‬بل‭ ‬كانت وارثة‭ ‬ومطورة له‭.‬

في‭ ‬البداية،‭ ‬نشأت‭ ‬‮«‬إمبراطورية‭ ‬عربية‮»‬‭ ‬بفضل‭ ‬الفتوحات‭ ‬التي‭ ‬امتدت‭ ‬من‭ ‬الهند‭ ‬إلى‭ ‬إسبانيا‭ ‬في‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬قرن؛‭ ‬لكن‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬السياسية،‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬تحولت‭ ‬هذه‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬لتصبح‭ ‬الخلافة‭ ‬الإسلامية،‭ ‬التي‭ ‬يُنظر‭ ‬إليها‭ ‬غالباً‭ ‬كاستمرار‭ ‬لتقاليد‭ ‬الإمبراطوريات‭ ‬السابقة‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬البحر‭ ‬الأبيض‭ ‬المتوسط‭ ‬والشرق‭ ‬الأدنى،‭ ‬وليس‭ ‬كقطيعة‭ ‬معها‭.‬

ورث‭ ‬الأمويون‭ ‬نمط‭ ‬الإدارة‭ ‬والمركزية‭ ‬والجيش‭ ‬من‭ ‬الحضارة‭ ‬البيزنطية،‭ ‬كما‭ ‬لم‭ ‬يرَ‭ ‬العباسيون‭ ‬أنفسهم‭ ‬رافضين‭ ‬للتراث‭ ‬القديم،‭ ‬بل‭ ‬خلفاء‭ ‬وورثة‭ ‬للحضارات‭ ‬التي‭ ‬سبقتهم،‭ ‬مثل‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬الرومانية‭ ‬والتراث‭ ‬اليوناني‭. ‬بنوا‭ ‬عاصمتهم‭ ‬بغداد‭ ‬لتكون‭ ‬مركزاً‭ ‬لإمبراطورية‭ ‬وثقافة‭ ‬امتزجت‭ ‬فيها‭ ‬هذه‭ ‬التقاليد‭ ‬القديمة‭ ‬مع‭ ‬الإسلام‭.‬

لذلك،‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬يُشار‭ ‬إلى‭ ‬فترة‭ ‬الخلافتين‭ ‬الأموية‭ ‬والعباسية‭ (‬خاصة‭ ‬من‭ ‬750م‭ ‬إلى‭ ‬945م‭) ‬بأنها‭ ‬‮«‬العصر‭ ‬الكلاسيكي‮»‬‭ ‬للحضارة‭ ‬الإسلامية،‭ ‬حيث‭ ‬تشكلت‭ ‬مؤسساتها‭ ‬وقيمها‭ ‬الفكرية‭ ‬والروحية‭ ‬والأخلاقية‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬دولة‭ ‬واحدة‭ ‬شاسعة‭ ‬وقوية‭.‬

المفهوم‭ ‬الثالث‭... ‬‮«‬الإسلامية‮»‬‭ ‬كحضارة‭ ‬متعددة‭ ‬السياسات‭ ‬

‭(‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الإمبراطورية‭)‬

مع‭ ‬تفكك‭ ‬الوحدة‭ ‬السياسية‭ ‬للخلافة‭ ‬العباسية‭ ‬وبروز‭ ‬دول‭ ‬وإمارات‭ ‬وسلالات‭ ‬حاكمة‭ ‬متعددة،‭ ‬تحولت‭ ‬الحضارة‭ ‬الإسلامية‭ ‬من‭ ‬كونها‭ ‬‮«‬إمبراطورية‮»‬‭ ‬موحدة‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬نسيج‭ ‬حضاري‮»‬‭ ‬متعدد‭ ‬الأقطاب،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يؤكد‭ ‬طابعها‭ ‬كحضارة‭ ‬أوسع‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬دولة‭.‬

حتى‭ ‬بعد‭ ‬انهيار‭ ‬السلطة‭ ‬المركزية،‭ ‬استمرت‭ ‬الحضارة‭ ‬الإسلامية‭ ‬كإطار‭ ‬ثقافي‭ ‬وديني‭ ‬ولغوي‭ ‬موحد،‭ ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬التعددية‭ ‬السياسية‭ ‬ازدهرت‭ ‬الفنون‭ ‬والعلوم،‭ ‬وانتشرت‭ ‬من‭ ‬الأندلس‭ ‬إلى‭ ‬آسيا‭ ‬الوسطى‭... ‬وأثبتت‭ ‬الحضارة‭ ‬الإسلامية‭ ‬قدرة‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬استيعاب‭ ‬الشعوب‭ ‬المختلفة‭ ‬وتوفير‭ ‬إطار‭ ‬لحياتهم‭ ‬الدينية‭ ‬والثقافية،‭ ‬وظلت‭ ‬مفتوحة‭ ‬للتأثر‭ ‬من،‭ ‬والتأثير‭ ‬في،‭ ‬الحضارات‭ ‬المجاورة‭.‬

في‭ ‬المحصلة،‭ ‬يمكن‭ ‬وضع‭ ‬إطار‭ ‬التعريف‭ ‬الأنسب‭ ‬لوصف‭ ‬الحضارة‭ ‬الإسلامية‭ ‬العربية‭ ‬عبر‭ ‬تاريخها‭ ‬كونها‭: ‬حضارة‭ ‬إمبراطورية،‭ ‬نشأت‭ ‬من‭ ‬بوتقة‭ ‬عربية،‭ ‬وتطورت‭ ‬بسرعة‭ ‬إلى‭ ‬ظاهرة‭ ‬دينية‭ ‬وثقافية‭ ‬عالمية،‭ ‬وورثت‭ ‬وأعادت‭ ‬صياغة‭ ‬تراث‭ ‬الإمبراطوريات‭ ‬السابقة‭ ‬لتخلق‭ ‬نسيجاً‭ ‬حضارياً‭ ‬فريداً‭ ‬ومتعدد‭ ‬الأوجه‭.  ‬فهي‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬إمبراطورية‭ ‬انقضت‭ ‬بزوال‭ ‬الدولة،‭ ‬لأنها‭ ‬استمرت‭ ‬كحضارة‭... ‬وليست‭ ‬مجرد‭ ‬حضارة‭ ‬عرقية،‭ ‬لأن‭ ‬جوهرها‭ ‬ديني‭ ‬وثقافي‭ ‬يتجاوز‭ ‬العروبة‭.‬

المؤرخون‭ ‬لا‭ ‬يمنحون‭ ‬لقب‭ ‬‮«‬حضارة‮»‬‭ ‬لأي‭ ‬دولة‭ ‬غازية‭. ‬فمثلاً،‭ ‬الغزوات‭ ‬المغولية‭ ‬كانت‭ ‬مدمرة‭ ‬ولم‭ ‬تنتج‭ ‬حضارة‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬أو‭ ‬بلاد‭ ‬فارس،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬مجرد‭ ‬سيطرة‭ ‬عسكرية،‭ ‬فلم‭ ‬يُمنح‭ ‬المغول‭ ‬لقب‭ ‬‮«‬الحضارة‮»‬‭ ‬رغم‭ ‬اتساع‭ ‬مساحة‭ ‬حكمهم‭ ‬وغزواتهم‭ ‬على‭ ‬مساحات‭ ‬من‭ ‬جنوب‭ ‬وغرب‭ ‬آسيا‭ ‬فترة‭ ‬من‭ ‬الزمن‭.‬

ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق‭ ‬الفلسفي‭ ‬التاريخي‭ ‬يمكن‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬ثلاثة‭ ‬مفاهيم‭ ‬متداخلة،‭ ‬ولكنها‭ ‬مختلفة،‭ ‬في‭ ‬تصنيف‭ ‬الدول‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬الإمبراطورية،‭ ‬والحضارة،‭ ‬وهي‭: ‬الغزو‭ ‬العسكري،‮ ‬الاستمرارية‭ ‬الإدارية،‭ ‬والتأثير‭- ‬التجديد‭ ‬الثقافي‭ ‬والحضاري،‭ ‬والتي‭ ‬تم‭ ‬تحديدها‭ ‬كنتائج‭ ‬مباشرة‭ ‬لنظريات‭ ‬كلاسيكية‭ ‬وأبحاث‭ ‬عميقة‭ ‬في‭ ‬علوم‭ ‬الاجتماع‭ ‬والأنثروبولوجيا،‭ ‬وتحليل‭ ‬نظريات‭ ‬علماء‭ ‬الاجتماع‭.‬

 

المراجع‭:‬

1-‭  ‬إميل‭ ‬دوركايم،‭ ‬ومارسيل‭ ‬موس‭ (‬Between‭ ‬Sociology‭ ‬and‭ ‬Anthropology‭ ‬II‭ | ‬12‭ | ‬‘Civilizations‭: ‬Elements‭).‬

2-‭ ‬ماكس‭ ‬فايبر‭- ‬مقال‭ ‬‮«‬الأخلاق‭ ‬البروتستانتية‭ ‬وروح‭ ‬الرأسمالية‮»‬‭(‬The‭ ‬Protestant‭ ‬Ethic‭ ‬and‭ ‬the‭ ‬Spirit‭ ‬of‭ ‬Capitalism‭)‬،‭ ‬ومقدمته‭ ‬التي‭ ‬تحمل‭ ‬عنوان‭ (‬A‭ ‬Note‭ ‬on‭ ‬Civilizations‭ ‬and‭ ‬Economies‭. ‬in‭ ‬SearchWorks‭ ‬

articles‭).‬

 

sr@sameerarajab‭.‬net

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا