زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
لا تملأ حياتك بالرمل
بعض ذوي العقول المصفحة التي يستعصي اختراقها ـ لا يجدي معهم نصح ولا وعظ، بل ولا موعظة حسنة - تأتيهم بنية حسنة من اليمين فيأتونك من الشمال، تقول لهم: إن التدخين ضار بالصحة، فيقولون لك إن فلانا يدخن منذ خمسين سنة وما زال قويا مثل الثور (سبحان الله نتخذ الثور وليس البقرة رمزا للقوة والجلَد، ثم نستخدم الكلمة للشتم، وإذا قلنا عن شخص إنه ثور فإننا نعني أنه غبي. وأتذكر هنا طرفة الرجل الذي كان يراسل ويغازل فتاة عبر منصات التواصل الاجتماعية، من دون سابق معرفة، وسألها ذات يوم عن اسمها، فقالت: ان اسمها مأخوذ من القرآن الكريم، فقال لها الشاب ذو المخ المصفح: بقرة؟). المهم: هذا النوع من البشر تقول لهم ثور، يقولون: احلبوه، وتقول لهم: حمامة، فيقولون: دجاجة ولو طارت، وخير مثال على هذا ما حدث مع أستاذ الفلسفة في جامعة أمريكية، الذي وقف أمام طلابه وأمامه وعاء زجاجي دائري، ثم وضع فيه قطعا من الحجارة المستديرة والاسطوانية الشكل، قطر الواحدة منها نحو خمس سنتيمترات حتى وصلت آخر قطعة الى فوهة الوعاء وسأل الطلاب: هل هذا الوعاء ممتلئ؟ فردوا بالإيجاب، فما كان منه إلا ان وضع قطعا صغيرة من الحصى في الوعاء في الفراغات بين الحجارة، ثم سأل الطلاب ما اذا ان الوعاء ممتلئا فردوا أيضا بالإيجاب، فأتى ببعض الرمل وصبه في الوعاء فتسرب بين الحجارة والحصى حتى لم يعد هناك فراغ ظاهر في الوعاء، وهنا أيضا قال الطلاب: ان الوعاء ممتلئ، فما كان من الاستاذ إلا ان قال لهم: هذه حياة كل واحد منكم، فالحجارة الكبيرة هي الأشياء المهمة مثل الأسرة والعيال والصحة وما الى ذلك من أشياء أساسية، تجعل حياتك ممتلئة حتى لو فقدت أشياء أخرى، والحصى هو الأشياء التي تعني بالنسبة لك الكثير مثل الوظيفة والسيارة والبيت، اما الرمل فهو الأشياء الصغيرة في الحياة التي قد تنجم عن فعل قمت به او حدث ألمَّ بك.
وواصل الاستاذ الشرح: اذا وضعت الرمل أولا في الوعاء، لن يكون هناك متسع للأشياء الأخرى، من حجارة وحصى، وفي الحياة فانك اذا ملأت حياتك بما لا يجدي، أي أهدرت وقتك وطاقتك في الأشياء التافهة او الثانوية، فانك لن تجد الوقت والطاقة والحيِّز للأشياء المهمة والضرورية، فكرسوا وقتكم واهتمامكم لما هو ضروري وحيوي ومهم: خصصوا وقتا طويلا لأطفالكم وزوجاتكم واهتموا بصحتكم وادخروا المال لوقت الحاجة الماسة، رتبوا أولوياتكم جيدا، واهتموا بالصخور، لا بالرمال والقشور وتوافه الأمور. هنا صعد طالب الى المنصة التي كان يقف عليها الاستاذ وبدا في صب بيرة في نفس ذلك الوعاء، وبداهة فقد تسرب ذلك المشروب السائل في الفراغات بين ذرات الرمال والفجوات بين الحجارة والحصى، وهنا قلب الطالب منطق أستاذه رأسا على عقب بقوله: مهما كانت حياتك ممتلئة فإن فيها حيزا لا بأس به لقليل من البيرة أو أي نوع من الخمر! فابتسم الاستاذ وقال للطالب: قد تكون على حق من الناحية الفنية الـ«تكنيكال» ولكن أنظر ماذا فعلت البيرة؟ لقد حولت الرمل الى طين وأدت الى تفاعلات كيميائية في الحجارة والحصى، غيرت من طبيعتها، او على الاقل جعلت رائحتها كريهة.
وقريب من موقف وتصرف هذا الطالب المشاغب ما حدث في كلية للطب حين وقف الاستاذ حاملا قارورة فيها كحول ثم امسك بدودة تتلوى ووضعها في القارورة فماتت خلال بضع ثوان فتساءل: ماذا نفهم مما حدث للدودة؟ فأجاب طالب: إذا كنت تعاني من الديدان عليك بالكحول. قد يصبح هذا الطالب خوش دكتور على رأي إخواننا الكويتيين، وجيرانهم الى الشمال والذين- جيران الكويت الى الشمال- يعيشون حاليا «حالة» هي نقيض خوش! لا بارك الله في جورج بوش.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك