العدد : ١٧٦٧٧ - الأحد ١٦ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٧٧ - الأحد ١٦ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

لا تملأ حياتك بالرمل

بعض‭ ‬ذوي‭ ‬العقول‭ ‬المصفحة‭ ‬التي‭ ‬يستعصي‭ ‬اختراقها‭ ‬ـ‭ ‬لا‭ ‬يجدي‭ ‬معهم‭ ‬نصح‭ ‬ولا‭ ‬وعظ،‭ ‬بل‭ ‬ولا‭ ‬موعظة‭ ‬حسنة‭ - ‬تأتيهم‭ ‬بنية‭ ‬حسنة‭ ‬من‭ ‬اليمين‭ ‬فيأتونك‭ ‬من‭ ‬الشمال،‭ ‬تقول‭ ‬لهم‭: ‬إن‭ ‬التدخين‭ ‬ضار‭ ‬بالصحة،‭ ‬فيقولون‭ ‬لك‭ ‬إن‭ ‬فلانا‭ ‬يدخن‭ ‬منذ‭ ‬خمسين‭ ‬سنة‭ ‬وما‭ ‬زال‭ ‬قويا‭ ‬مثل‭ ‬الثور‭ (‬سبحان‭ ‬الله‭ ‬نتخذ‭ ‬الثور‭ ‬وليس‭ ‬البقرة‭ ‬رمزا‭ ‬للقوة‭ ‬والجلَد،‭ ‬ثم‭ ‬نستخدم‭ ‬الكلمة‭ ‬للشتم،‭ ‬وإذا‭ ‬قلنا‭ ‬عن‭ ‬شخص‭ ‬إنه‭ ‬ثور‭ ‬فإننا‭ ‬نعني‭ ‬أنه‭ ‬غبي‭. ‬وأتذكر‭ ‬هنا‭ ‬طرفة‭ ‬الرجل‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يراسل‭ ‬ويغازل‭ ‬فتاة‭ ‬عبر‭ ‬منصات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬سابق‭ ‬معرفة،‭ ‬وسألها‭ ‬ذات‭ ‬يوم‭ ‬عن‭ ‬اسمها،‭ ‬فقالت‭: ‬ان‭ ‬اسمها‭ ‬مأخوذ‭ ‬من‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم،‭ ‬فقال‭ ‬لها‭ ‬الشاب‭ ‬ذو‭ ‬المخ‭ ‬المصفح‭: ‬بقرة؟‭). ‬المهم‭: ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬البشر‭ ‬تقول‭ ‬لهم‭ ‬ثور،‭ ‬يقولون‭: ‬احلبوه،‭ ‬وتقول‭ ‬لهم‭: ‬حمامة،‭ ‬فيقولون‭: ‬دجاجة‭ ‬ولو‭ ‬طارت،‭ ‬وخير‭ ‬مثال‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬مع‭ ‬أستاذ‭ ‬الفلسفة‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬أمريكية،‭ ‬الذي‭ ‬وقف‭ ‬أمام‭ ‬طلابه‭ ‬وأمامه‭ ‬وعاء‭ ‬زجاجي‭ ‬دائري،‭ ‬ثم‭ ‬وضع‭ ‬فيه‭ ‬قطعا‭ ‬من‭ ‬الحجارة‭ ‬المستديرة‭ ‬والاسطوانية‭ ‬الشكل،‭ ‬قطر‭ ‬الواحدة‭ ‬منها‭ ‬نحو‭ ‬خمس‭ ‬سنتيمترات‭ ‬حتى‭ ‬وصلت‭ ‬آخر‭ ‬قطعة‭ ‬الى‭ ‬فوهة‭ ‬الوعاء‭ ‬وسأل‭ ‬الطلاب‭: ‬هل‭ ‬هذا‭ ‬الوعاء‭ ‬ممتلئ؟‭ ‬فردوا‭ ‬بالإيجاب،‭ ‬فما‭ ‬كان‭ ‬منه‭ ‬إلا‭ ‬ان‭ ‬وضع‭ ‬قطعا‭ ‬صغيرة‭ ‬من‭ ‬الحصى‭ ‬في‭ ‬الوعاء‭ ‬في‭ ‬الفراغات‭ ‬بين‭ ‬الحجارة،‭ ‬ثم‭ ‬سأل‭ ‬الطلاب‭ ‬ما‭ ‬اذا‭ ‬ان‭ ‬الوعاء‭ ‬ممتلئا‭ ‬فردوا‭ ‬أيضا‭ ‬بالإيجاب،‭ ‬فأتى‭ ‬ببعض‭ ‬الرمل‭ ‬وصبه‭ ‬في‭ ‬الوعاء‭ ‬فتسرب‭ ‬بين‭ ‬الحجارة‭ ‬والحصى‭ ‬حتى‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬هناك‭ ‬فراغ‭ ‬ظاهر‭ ‬في‭ ‬الوعاء،‭ ‬وهنا‭ ‬أيضا‭ ‬قال‭ ‬الطلاب‭: ‬ان‭ ‬الوعاء‭ ‬ممتلئ،‭ ‬فما‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الاستاذ‭ ‬إلا‭ ‬ان‭ ‬قال‭ ‬لهم‭: ‬هذه‭ ‬حياة‭ ‬كل‭ ‬واحد‭ ‬منكم،‭ ‬فالحجارة‭ ‬الكبيرة‭ ‬هي‭ ‬الأشياء‭ ‬المهمة‭ ‬مثل‭ ‬الأسرة‭ ‬والعيال‭ ‬والصحة‭ ‬وما‭ ‬الى‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬أشياء‭ ‬أساسية،‭ ‬تجعل‭ ‬حياتك‭ ‬ممتلئة‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬فقدت‭ ‬أشياء‭ ‬أخرى،‭ ‬والحصى‭ ‬هو‭ ‬الأشياء‭ ‬التي‭ ‬تعني‭ ‬بالنسبة‭ ‬لك‭ ‬الكثير‭ ‬مثل‭ ‬الوظيفة‭ ‬والسيارة‭ ‬والبيت،‭ ‬اما‭ ‬الرمل‭ ‬فهو‭ ‬الأشياء‭ ‬الصغيرة‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تنجم‭ ‬عن‭ ‬فعل‭ ‬قمت‭ ‬به‭ ‬او‭ ‬حدث‭ ‬ألمَّ‭ ‬بك‭.‬

وواصل‭ ‬الاستاذ‭ ‬الشرح‭: ‬اذا‭ ‬وضعت‭ ‬الرمل‭ ‬أولا‭ ‬في‭ ‬الوعاء،‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬متسع‭ ‬للأشياء‭ ‬الأخرى،‭ ‬من‭ ‬حجارة‭ ‬وحصى،‭ ‬وفي‭ ‬الحياة‭ ‬فانك‭ ‬اذا‭ ‬ملأت‭ ‬حياتك‭ ‬بما‭ ‬لا‭ ‬يجدي،‭ ‬أي‭ ‬أهدرت‭ ‬وقتك‭ ‬وطاقتك‭ ‬في‭ ‬الأشياء‭ ‬التافهة‭ ‬او‭ ‬الثانوية،‭ ‬فانك‭ ‬لن‭ ‬تجد‭ ‬الوقت‭ ‬والطاقة‭ ‬والحيِّز‭ ‬للأشياء‭ ‬المهمة‭ ‬والضرورية،‭ ‬فكرسوا‭ ‬وقتكم‭ ‬واهتمامكم‭ ‬لما‭ ‬هو‭ ‬ضروري‭ ‬وحيوي‭ ‬ومهم‭: ‬خصصوا‭ ‬وقتا‭ ‬طويلا‭ ‬لأطفالكم‭ ‬وزوجاتكم‭ ‬واهتموا‭ ‬بصحتكم‭ ‬وادخروا‭ ‬المال‭ ‬لوقت‭ ‬الحاجة‭ ‬الماسة،‭ ‬رتبوا‭ ‬أولوياتكم‭ ‬جيدا،‭ ‬واهتموا‭ ‬بالصخور،‭ ‬لا‭ ‬بالرمال‭ ‬والقشور‭ ‬وتوافه‭ ‬الأمور‭. ‬هنا‭ ‬صعد‭ ‬طالب‭ ‬الى‭ ‬المنصة‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يقف‭ ‬عليها‭ ‬الاستاذ‭ ‬وبدا‭ ‬في‭ ‬صب‭ ‬بيرة‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬ذلك‭ ‬الوعاء،‭ ‬وبداهة‭ ‬فقد‭ ‬تسرب‭ ‬ذلك‭ ‬المشروب‭ ‬السائل‭ ‬في‭ ‬الفراغات‭ ‬بين‭ ‬ذرات‭ ‬الرمال‭ ‬والفجوات‭ ‬بين‭ ‬الحجارة‭ ‬والحصى،‭ ‬وهنا‭ ‬قلب‭ ‬الطالب‭ ‬منطق‭ ‬أستاذه‭ ‬رأسا‭ ‬على‭ ‬عقب‭ ‬بقوله‭: ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬حياتك‭ ‬ممتلئة‭ ‬فإن‭ ‬فيها‭ ‬حيزا‭ ‬لا‭ ‬بأس‭ ‬به‭ ‬لقليل‭ ‬من‭ ‬البيرة‭ ‬أو‭ ‬أي‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الخمر‭! ‬فابتسم‭ ‬الاستاذ‭ ‬وقال‭ ‬للطالب‭: ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬على‭ ‬حق‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬الفنية‭ ‬الـ«تكنيكال‮»‬‭ ‬ولكن‭ ‬أنظر‭ ‬ماذا‭ ‬فعلت‭ ‬البيرة؟‭ ‬لقد‭ ‬حولت‭ ‬الرمل‭ ‬الى‭ ‬طين‭ ‬وأدت‭ ‬الى‭ ‬تفاعلات‭ ‬كيميائية‭ ‬في‭ ‬الحجارة‭ ‬والحصى،‭ ‬غيرت‭ ‬من‭ ‬طبيعتها،‭ ‬او‭ ‬على‭ ‬الاقل‭ ‬جعلت‭ ‬رائحتها‭ ‬كريهة‭.‬

وقريب‭ ‬من‭ ‬موقف‭ ‬وتصرف‭ ‬هذا‭ ‬الطالب‭ ‬المشاغب‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬كلية‭ ‬للطب‭ ‬حين‭ ‬وقف‭ ‬الاستاذ‭ ‬حاملا‭ ‬قارورة‭ ‬فيها‭ ‬كحول‭ ‬ثم‭ ‬امسك‭ ‬بدودة‭ ‬تتلوى‭ ‬ووضعها‭ ‬في‭ ‬القارورة‭ ‬فماتت‭ ‬خلال‭ ‬بضع‭ ‬ثوان‭ ‬فتساءل‭: ‬ماذا‭ ‬نفهم‭ ‬مما‭ ‬حدث‭ ‬للدودة؟‭ ‬فأجاب‭ ‬طالب‭: ‬إذا‭ ‬كنت‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬الديدان‭ ‬عليك‭ ‬بالكحول‭. ‬قد‭ ‬يصبح‭ ‬هذا‭ ‬الطالب‭ ‬خوش‭ ‬دكتور‭ ‬على‭ ‬رأي‭ ‬إخواننا‭ ‬الكويتيين،‭ ‬وجيرانهم‭ ‬الى‭ ‬الشمال‭ ‬والذين‭- ‬جيران‭ ‬الكويت‭ ‬الى‭ ‬الشمال‭- ‬يعيشون‭ ‬حاليا‭ ‬‮«‬حالة‮»‬‭ ‬هي‭ ‬نقيض‭ ‬خوش‭! ‬لا‭ ‬بارك‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬جورج‭ ‬بوش‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا