«مؤسسة مستقرة»: تعزيز استقرار الحياة الزوجية يجب أن يبدأ قبل الزواج
إدراج مقرر جامعي في المهارات الأسرية والحياتية للطلبة ضرورة
كتبت: ياسمين العقيدات
في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه الحياة الزوجية وما يترتب عليها من آثار تمتد إلى الأبناء والمجتمع، يتجدد النقاش حول أهمية تأهيل المقبلين على الزواج، وما إذا كانت «رخصة الثقافة الزوجية» يمكن أن تشكل أداة وقائية تسهم في تعزيز الاستقرار الأسري والحد من تفاقم الخلافات. ولعل اللقاء الذي جمع النائب الدكتور سرور مع مؤسسة «مستقرة»، ناقش التحديات التي تواجه المؤسسات المعنية بالدعم الأسري والاجتماعي، واعتماد «مستقرة» على الأساليب العلمية وإشاعة المعرفة لتحقيق الاستقرار الأسري، والاستعانة بكوادر متخصّصة ومؤهلة ومتطوعين، مؤكّدًا ضرورة التوسّع في تنظيم البرامج التوعوية الهادفة إلى تعزيز التوافق والثقافة الزواجية، ومناقشة تجربة رخصة الثقافة الزواجية التي حققت نجاحًا في بعض البلدان، إذ يرى نواب ومختصون أن نجاح الحياة الزوجية لا يرتبط بالمشاعر وحدها، وإنما يحتاج إلى وعي بالحقوق والواجبات، ومهارات في الحوار وإدارة الخلاف، وقدرة على التخطيط المالي وفهم المسؤوليات المشتركة. وبينما يؤيد بعضهم فكرة وجود برنامج تأهيلي قبل الزواج، يرى آخرون ضرورة دراسة الجوانب القانونية والاجتماعية والنفسية والشرعية قبل تحديد طبيعة أي «رخصة» أو جعلها جزءًا من إجراءات الزواج.
بناء الوعي
في البداية يؤكد الدكتور محسن علي الغريري رئيس مجلس أمناء مؤسسة مستقرة، أن تعزيز استقرار الحياة الزوجية يجب أن يبدأ قبل الزواج، من خلال بناء الوعي لدى الشباب والفتيات وتصحيح المفاهيم المرتبطة بالحياة الأسرية، وإكساب المقبلين على الزواج المهارات التي تساعدهم على الاختيار السليم وفهم طبيعة العلاقة الزوجية ومسؤولياتها.
وأوضح أن برنامج التأهيل قبل الزواج يمثل أحد أهم مسارات الوقاية الأسرية، باعتبار أن الاستثمار في بناء الوعي قبل نشوء المشكلة أكثر فاعلية من انتظار وقوع الخلافات ثم التدخل لمعالجتها.
وأشار إلى أن الثقافة الزوجية لا تعني أن الأسرة لن تواجه مشكلات، فالاختلاف أمر طبيعي في أي علاقة إنسانية، وإنما تكمن أهميتها في منح الزوجين الأدوات التي تساعدهما على إدارة تلك الاختلافات بصورة ناضجة، ومنع تحول المشكلات البسيطة إلى أزمات أسرية يصعب احتواؤها.
وفيما يتعلق بمقترحات «رخصة الثقافة الزوجية»، أكد الغريري أن الفكرة تستحق الدراسة المتعمقة، مشددًا على أهمية الاستفادة من التجارب المقارنة قبل تبني نموذج محدد، ومعرفة مدى نجاح تلك التجارب والتحديات التي واجهتها.
وأكد أن أي رخصة أو برنامج وطني للتأهيل قبل الزواج يجب ألا يتحول إلى مجرد شهادة حضور أو إجراء بيروقراطي، وإنما ينبغي أن يستند إلى محتوى واضح يتضمن مهارات اختيار شريك الحياة، وفهم التوقعات الواقعية من الزواج، والتواصل والحوار، وإدارة الخلاف والغضب، والتخطيط المالي، والحقوق والمسؤوليات، والعلاقة مع أسرتي الزوجين، والاستعداد للإنجاب والتربية، إلى جانب الوعي بتأثير وسائل التواصل الاجتماعي في العلاقة الزوجية.
إدراج مهارات أسرية في الجامعات
وطرح الغريري فكرة توسيع مفهوم الثقافة الأسرية ليبدأ قبل مرحلة الإقبال المباشر على الزواج، مقترحًا دراسة إدراج مقرر جامعي في المهارات الأسرية والحياتية لجميع طلبة الجامعات، بغض النظر عن تخصصاتهم، يتناول مهارات الحوار وتحمل المسؤولية وإدارة المال وحل المشكلات وبناء العلاقات الإنسانية السليمة.
كما شدد على أهمية استخدام الحوافز لتشجيع الشباب على المشاركة في برامج التأهيل، بدل تقديمها بصورة تجعلها مجرد التزام إضافي، مشيرًا إلى إمكانية بناء شراكات مع القطاع الخاص لتوفير مزايا للمشاركين، مثل التخفيضات في قاعات الأفراح والفنادق وبعض الخدمات والتجهيزات المرتبطة بالزواج.
من جانبه أكد النائب الدكتور منير سرور أن حماية الأسرة البحرينية لم تعد مسؤولية اجتماعية فحسب، وإنما أصبحت أولوية وطنية تتطلب تطوير أدوات الوقاية والإصلاح، في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه الحياة الزوجية.
وأوضح أن كثيرًا من النزاعات الزوجية لا تبدأ بمشكلات كبيرة، وإنما تتفاقم بسبب غياب الحوار، وتأخر طلب المشورة، وضعف الوصول إلى خدمات الإصلاح الأسري في الوقت المناسب، مشيرًا إلى أن الوقاية والتدخل المبكر يمثلان الطريق الأقصر للحفاظ على تماسك الأسرة.
واعتبر سرور أن ما يطرح بشأن «رخصة الثقافة الزوجية» يمثل خطوة إيجابية في نشر الوعي، لكنه لا ينبغي أن يكون نهاية المطاف، بل جزءًا من رؤية أشمل لبناء منظومة متكاملة تعزز الاستقرار الأسري وتدعم الأزواج قبل وصول الخلافات إلى مرحلة يصعب احتواؤها.
وكشف عن دراسته التقدم بمقترح برغبة يدعو إلى تطوير خدمات الإصلاح والوساطة الأسرية في مراكز التنمية الاجتماعية، وتعزيز التدخل الأسري المبكر قبل وصول النزاعات الزوجية إلى المحاكم، وشدد على أن الهدف ليس زيادة الإجراءات، وإنما توفير حلول عملية تساعد الأسر على تجاوز الخلافات في بدايتها وتحافظ على استقرارها.
التأهيل ليس قيدا على الزواج
من جانبها، أكدت النائب جليلة علوي السيد أن اشتراط رخصة للزواج لا ينبغي أن يكون وسيلة لتقييد حق الأفراد في الزواج، وإنما يجب أن ينصب التركيز على تطوير سياسات وبرامج وطنية تسهم في تأهيل المقبلين على الزواج ورفع جاهزيتهم لتحمل المسؤوليات الأسرية.
وقالت إن الاستثمار في التوعية والتأهيل قبل الزواج يعد استثمارًا في استقرار المجتمع، ويمكن أن يتم من خلال برامج وطنية منظمة تتناول الحقوق والواجبات الزوجية، وإدارة المسؤوليات الأسرية، والتخطيط المالي، وبناء ثقافة الحوار.
وأكدت وجود فرق بين اشتراط برنامج تأهيلي يهدف إلى رفع الوعي وتعزيز المسؤولية، وبين ربط الزواج باختبارات أو تقييمات قد تؤدي إلى تقييد هذا الحق، مشيرة إلى أن الدور التشريعي ينبغي أن يركز على توفير البيئة الداعمة لاستقرار الأسرة.
وأضافت أن ارتفاع معدلات الطلاق يرتبط بجملة من العوامل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ما يستدعي رؤية وطنية متكاملة تشارك فيها الجهات التشريعية والتنفيذية والمؤسسات التعليمية والمجتمعية.
فيما أكدت جليلة إسماعيل الخباز، المدير الإداري لمركز عائشة يتيم للإرشاد الأسري والأخصائية النفسية الأسرية، أن من أبرز التحديات التي تهدد تماسك الكيان الأسري ارتفاع معدلات الطلاق، خصوصًا في السنوات الأولى من الزواج.
وأوضحت أن الزواج يعد من أهم المشاريع وأكثرها تأثيرًا في حياة الإنسان، إلا أن الواقع يكشف عن تركيز كثير من الشباب والشابات على تفاصيل حفل الزفاف، مقابل إهمال التخطيط للحياة الزوجية نفسها.
وأشارت إلى أن غياب التأهيل المسبق يدفع المقبلين على الزواج إلى الاعتماد على توجيهات مجتزأة من الأهل والأصدقاء، دون اكتساب المهارات الأساسية اللازمة لبناء علاقة مستقرة، ومنها إدارة الميزانية الأسرية، وفهم الاختلافات الشخصية، وضبط التوقعات المتعلقة بالمسؤوليات المالية وخطط الإنجاب.
ولفتت إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي أسهمت في تكريس صورة مثالية عن الزواج من خلال عرض مظاهر السفر والهدايا واللحظات السعيدة فقط، وهو ما قد يخلق فجوة بين التوقعات والواقع، ويؤدي إلى الإحباط والخلافات.
قبول مشروط بالمحتوى
وحول رخصة الثقافة الزوجية، أوضحت الخباز أنها تحظى بقبول واسع لدى المختصين باعتبارها توجهًا وقائيًا يهدف إلى تعزيز استقرار الأسرة والحد من المشكلات الزوجية، شريطة أن تصمم وفق منهجية علمية مبسطة تجمع بين المعرفة النظرية والتطبيقات العملية، وتركز على تنمية المهارات الحياتية والتواصلية.
وأشارت إلى أن تجربة الفحص الطبي قبل الزواج تمثل نموذجًا يمكن الاستفادة منه، باعتباره بدأ إجراءً اختياريًا ثم أصبح إلزاميًا، مبينة أن اعتماد برنامج تأهيل نفسي واجتماعي إلى جانب الفحص الطبي يمكن أن يسهم في رفع مستوى الوعي بالمسؤوليات الزوجية وتصحيح المفاهيم وتنمية مهارات التواصل وإدارة الخلافات.
وأكدت الأخصائية النفسية الإكلينيكية خديجة العويناتي أن نقص التأهيل قبل الزواج يعد أحد العوامل التي قد تؤثر في استقرار بعض الزيجات، موضحة أن جزءًا من حالات الطلاق التي تعاملت معها، خصوصًا في السنوات الأولى من الزواج، كان يمكن تفاديه لو توفر تأهيل حقيقي قبل الزواج.
وقالت إن المشكلة لا ترتبط بغياب الحب أو النوايا الطيبة، وإنما بمدى جاهزية الطرفين للحياة الزوجية، مشيرة إلى أن كثيرًا من المقبلين على الزواج يستعدون بشكل كبير لتفاصيل العرس، لكنهم لا يستعدون للزواج نفسه.
وأكدت أن الثقافة الزوجية تمثل حجر الأساس في بناء علاقة مستقرة، لأنها تساعد الزوجين على فهم طبيعة الاختلافات النفسية والعاطفية بينهما، والتعامل مع الضغوط والاحتياجات بصورة أكثر نضجًا.
كما شددت على أهمية وضع حدود صحية مع العائلة الممتدة دون قطيعة، خصوصًا في المجتمعات الخليجية التي تتميز بقوة الترابط العائلي، مؤكدة أن الوعي الزوجي يحول الخلاف من مواجهة بين الطرفين إلى تعاون مشترك لحل المشكلة.
إلزامية بشرط
وحول رخصة الثقافة الزوجية، أكدت العويناتي تأييدها للفكرة، معتبرة أنها خطوة مهمة لتعزيز الوعي بأن الزواج ليس مجرد علاقة عاطفية، وإنما مسؤولية تحتاج إلى معرفة ومهارات.
وشددت على أهمية أن تكون الرخصة قائمة على برنامج تفاعلي وتطبيقي يتضمن جلسات حوارية وتقييمًا نفسيًا ونماذج واقعية من الحياة الخليجية، وألا تتحول إلى مجرد إجراء روتيني.
وأكدت تأييدها لأن تكون الرخصة إلزامية، بشرط أن تكون إلزامية هادفة وليست إجراءً شكليًا، موضحة أن البرامج الاختيارية قد لا تصل إلى الأشخاص الأكثر حاجة إليها.
وأشارت إلى ارتفاع الطلب على الاستشارات الأسرية والنفسية، معتبرة أن ذلك يعكس زيادة وعي الأفراد بأهمية الاستعانة بالمختصين، إلا أن طبيعة المشكلات أصبحت أكثر تعقيدًا، وتشمل تأثير وسائل التواصل الاجتماعي والخيانة الإلكترونية والفجوة الفكرية بين الأزواج والضغوط المادية.
وفي ضوء هذه التحديات، تبرز الحاجة إلى الانتقال من التعامل مع المشكلات الأسرية بعد وقوعها إلى تعزيز الوقاية والتأهيل المبكر، بما يضمن بناء وعي أكبر لدى المقبلين على الزواج، ويمنحهم الأدوات اللازمة لإدارة الحياة المشتركة بصورة أكثر نضجًا واستقرارًا.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك