زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
مرحبا بالعمالة إذا...
لست ممن ينفرون مما يسمى بالفكر المستورد، وقد يجلب علي ذلك اتهاما بالعمالة للغرب، ومرحبا بالعمالة إذا كانت واستيراد الفكر تعنيان ان أطالب من دون خوف من عواقب وخيمة، بأن تكون لي بعض الحقوق والواجبات التي يتمتع بها المواطن الغربي، فأمرنا عجيب لأننا نستورد كل شيء من الغرب. بما في ذلك اسماء الدوائر الحكومية والمسميات الوظيفية، ونستورد صعاليك الغرب ونسميهم خبراء واستشاريين، ولست طماعا، ولا أطالب بأن تعاملني حكومتي كما تعامل الحكومات الغربية مواطنيها، بل احلم بان تكون لي نفس الحقوق التي يتمتع بها الكلب البريطاني والقط الامريكاني والحوت النرويجي، بل ربع الحقوق التي أتمتع بها عندما أكون زائرا لبلد غربي.
خلال إقامتي في لندن دفعت عربون سيارة مستعملة وعرضتها على رابطة السيارات AA التي نلت عضويتها، ففحص مهندسوها السيارة، وأتاني أحدهم الى بيتي واصطحبني الى الوكالة التي اشتريت منها السيارة، وهناك اتضح انه محامي الرابطة، وهدد الوكالة بمقاضاتها بتهمة الغش والخداع، ما لم تعد اليّ العربون كاملا وفوقه بوسة (اعتذار)، وبكل مذلة وانكسار اعتذر لي مدير الوكالة وسلمني العربون كاملا. وعندما تقرر إيقاف قناة تلفزيون بي بي سي العربية في عام 1996 واجهنا، نحن الصحفيين العرب، مستقبلا مجهولا، فقد كان معظمنا قد ضحى بوظيفته في دول مختلفة، وفجأة وجدنا أنفسنا محاطين بكتيبة من المحامين من الاتحاد الوطني للصحفيين البريطانيين والاتحاد الاوروبي للصحفيين، ووقفت معنا ثلاث نقابات من العاملين في بي بي سي، وهددوا بإصابة الهيئة بالشلل، وانتهى الأمر بأن نال كل واحد منا راتب 4 أشهر فوق مكافأة نهاية الخدمة وغادرت بريطانيا وجيبي مليان فلوس ومعنوياتي عالية لأن هناك جهات وأشخاصا لا أعرفهم دافعوا عن حقوقي وأعطوني الاحساس بأنني شخص له قيمة. بينما في وطني طردت من الخدمة مرتين ودخلت السجن مرة واحدة، ومنعوني من كتابة المقالات الصحفية عدة مرات. وكتبت هنا قبل شهور قلائل عن تجربة تسجيل عيالي في مدرسة في لندن، عندما قال لي مدير مدرسة عرضت عليه «الشهادات الموثقة» إن من حق أي طفل ان ينال التعليم حتى لو كان أهله مهاجرين غير قانونيين، ثم اكتشافي ان مدرسة أخرى سجلت فيها ولدي وبنتي ذات أداء ضعيف. رفعت سماعة الهاتف واتصلت بمسؤولة في ادارة التعليم في شمال لندن وقلت لها إنني تعرضت للتضليل وان اثنين من عيالي، ألحقا بمدرسة كذا الفاشلة وانني اطالب بنقلهما فورا. لأنني حرمت مما يسمونه حق الوالدين في الاختيار parental choice.. ولما لمست منها تفهما لغضبي قمت بتمثيل دور الانسان المدرك لحقوقه بموجب القانون البريطاني وقلت لها: بالمناسبة نحن مسلمون ولا أريد لأي من عيالي الدراسة المختلطة، وكنت وقتها قد علمت ان أفضل مدرستين في منطقتنا (فينشلي) هما كوين اليزابيث للبنات (فقط) وكرايست كولدج للبنين (فقط)، فما كان منها إلا أن اعتذرت بشدة لأنها لم تكن تدرك أننا مسلمون وخلال دقائق كانت قد أجرت اتصالات بالمدرستين وأبلغت كل منها بالطالبة/ الطالب الجديد.
عندما نطالب بحرية التعبير وحق العيش والعمل والتنقل نصبح عملاء للفكر المستورد، ونِعْم العمالة. من طبيعة الكلب ان ينبح إذا شاهد أو سمع ما يعتبره خطأ.. والقطة تموء لو جاعت، فلماذا يحرم الانسان العربي من الصراخ والشكوى؟.. عندما أغلقوا قناة بي بي سي التي كنت أعمل بها حاصرنا المبنى ومعنا المئات من الخواجات وهتفنا ضد إدارة الهيئة والحكومة. أحسست بالزهو فها أنا القادم من حظيرة عربية لا يحق لي فيها الاحتجاج إلى رداءة التبن الذي يعرض في الأسواق، اشتم حكومة بريطانيا ولا أثر لشرطي من حولنا. ما هذا التسيب؟ وبعدها بسنوات فهمت لماذا قامت الحكومة الأمريكية بتسليم بعض معتقلي غوانتنامو الى دول عربية فاعترف بعضهم باغتيال غاندي والمشاركة في غزوة بدر الكبرى. «نعترف بكل شيء بس أخرجونا من بلاد العرب أوطاني»!!!

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك