زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
الإنجليز «زينين وشينين»
لسنوات طوال كان جيلنا في السودان لا يقبل او يحترم أي سلعة لا تحمل عبارة «ميد إن إنجلند»، أي «صنع في انجلترا»، وإلى يومنا هذا فالمدخنون السودانيون لا يستخدمون من التبغ المستورد سوى سجائر بنسون وروثمانز المصنوعة في انجلترا، ومعجون الاسنان المفضل للسوداني هو سيجنال، حتى المساطر واقلام الرصاص كانت على عهدنا بالدارسة مصنوعة في انجلترا. والحال هو ان الانجليز حكموا السودان لنصف قرن فقط، وتخيل لو انهم مكثوا عندنا ما يزيد على قرنين او ثلاثة كما فعلوا في الهند. الانجليز جديرون بالاحترام لأنهم قدموا للحضارة الانسانية الكثير المثير الخطير، ولكن يصعب عليك اختراقهم على المستوى الإنساني والاجتماعي. هم بعكس ما يتصور الكثيرون شديدو المرح ويحبون الدعابة، ولكنهم لا يسقطون الحواجز حتى مع بعضهم البعض إلا بعد تعارف يدوم سنوات.. وقد عشت في انجلترا سنوات وزرت اسكتلندا ثلاث مرات لفترات قصيرة، ولكن وخلال تلك الفترات كان عدد الاسكتلنديين الذين تعرفت بهم عشرة أضعاف الانجليز الذين تواصلت معهم على المستوى الاجتماعي على مدى سنوات إقامتي هناك. وعندهم حساسية عجيبة مع «المصافحة»، وحتى قبل سنوات قليلة كان الانجليزي الذي يستقبلك او تستقبله في مطار – مثلا – يكتفي بـ«هاي.. هاو آر يو؟» ويداه في جيبه فتود لو ترد عليه: هوا ياخدك يا بارد.
في اول حفل عشاء احضره بعد التحاقي بالسفارة البريطانية في الخرطوم نبهتني زوجة مستشار السفارة – وكانت من مقاطعة ويلز – أن اتجنب مد يدي للإنجليز لأنهم لا يحسون بالراحة عند ملامسة أجسام الآخرين.. اسم الله عليهم.. لا يحبون الملامسة بالأيدي ولكنك تجدهم في الحدائق العامة والساحات يتلامسون بال.... (خليها مستورة)، وبعد ان قضيت بضعة أشهر في السفارة كنت استمتع بمضايقة الانجليز في الحفلات بمبادلتهم التحية بالطريقة السودانية: احضان وطبطبة على الظهر حتى يصاب الواحد منهم بنوبة سعال. وجميع كبار المسؤولين في روسيا لديهم تعليمات مشددة بعدم القاء التحية على الضيوف الانجليز بالطريقة الروسية وهي البوس على الشفتين. تخيل انك تبوس شخصا عبوسا كما بوتين بالطريقة الروسية يييييع.
أفضال الانجليز على السودان كثيرة، ولكنها كانت بمنطق بارك الله في من نفع واستنفع، فقد بنوا السدود واقاموا أكبر مزرعة مروية في العالم لإنتاج القطن (لصنع ملبوسات في مدينة لانكشاير)، وشبكة عملاقة للسكك الحديدية وكلية جامعية (1904)، ولكن أهم خدمة قدموها للسودان هي أنهم لم يعلموا شعبه تلك اللعبة السخيفة السمجة المسماة كريكيت التي مسك فيها الهنود والسريلانكيون والباكستانيون ولهذا لم يفلحوا في أي رياضة تنافسية ذات معنى، فأكثر من مليار هندي لم ينجبوا 11 لاعب كرة قدم يصمد أمام فريق درجة رابعة في وطني الصغير جزيرة بدين، كما فعل الإنجليز خيرا لكونهم لم يحاولوا نقل لعبة الرجبي الى السودان، وهي لعبة لا يستطيع ممارستها إلا بلطجية محترفون ذوو كراديس.
(يا جماعة ناشدتكم اكثر من مرة تشرحوا لي ما هي هذه الكراديس وأين موقعها في الجسم، وقد سبق لي ان طلبت من فاعلي الخير من القراء ان يشرحوا لي معنى المثل المصري الذي يفيد بأن دخول الحمّام ليس مثل الخروج منه، ولم أكن أعرف مكمن الصعوبة في الخروج من الحمام إلى أن عرفت ان المثل يعود إلى الحقبة التركية حيث كان الاتراك بارعين في فرض الضرائب وجبايتها، وكانت هناك حمامات عامة في الأسواق ويدخلها شخص ما ثم يخرج ويفاجأ بأن عليه ان يدفع ضريبة استخدام الحمام.. يعني لو طلبوا منك الرسوم مقدما قد تصرف النظر عن دخول الحمام، ولهذا ينتظرونك حتى تخرج لتعرف طعم الزنقة الحقيقية).

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك