العدد : ١٧٦٦٨ - الجمعة ٠٧ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٦٨ - الجمعة ٠٧ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤٨هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

الإنجليز «زينين وشينين»

لسنوات‭ ‬طوال‭ ‬كان‭ ‬جيلنا‭ ‬في‭ ‬السودان‭ ‬لا‭ ‬يقبل‭ ‬او‭ ‬يحترم‭ ‬أي‭ ‬سلعة‭ ‬لا‭ ‬تحمل‭ ‬عبارة‭ ‬‮«‬ميد‭ ‬إن‭ ‬إنجلند‮»‬،‭ ‬أي‭ ‬‮«‬صنع‭ ‬في‭ ‬انجلترا‮»‬،‭ ‬وإلى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا‭ ‬فالمدخنون‭ ‬السودانيون‭ ‬لا‭ ‬يستخدمون‭ ‬من‭ ‬التبغ‭ ‬المستورد‭ ‬سوى‭ ‬سجائر‭ ‬بنسون‭ ‬وروثمانز‭ ‬المصنوعة‭ ‬في‭ ‬انجلترا،‭ ‬ومعجون‭ ‬الاسنان‭ ‬المفضل‭ ‬للسوداني‭ ‬هو‭ ‬سيجنال،‭ ‬حتى‭ ‬المساطر‭ ‬واقلام‭ ‬الرصاص‭ ‬كانت‭ ‬على‭ ‬عهدنا‭ ‬بالدارسة‭ ‬مصنوعة‭ ‬في‭ ‬انجلترا‭. ‬والحال‭ ‬هو‭ ‬ان‭ ‬الانجليز‭ ‬حكموا‭ ‬السودان‭ ‬لنصف‭ ‬قرن‭ ‬فقط،‭ ‬وتخيل‭ ‬لو‭ ‬انهم‭ ‬مكثوا‭ ‬عندنا‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬على‭ ‬قرنين‭ ‬او‭ ‬ثلاثة‭ ‬كما‭ ‬فعلوا‭ ‬في‭ ‬الهند‭. ‬الانجليز‭ ‬جديرون‭ ‬بالاحترام‭ ‬لأنهم‭ ‬قدموا‭ ‬للحضارة‭ ‬الانسانية‭ ‬الكثير‭ ‬المثير‭ ‬الخطير،‭ ‬ولكن‭ ‬يصعب‭ ‬عليك‭ ‬اختراقهم‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الإنساني‭ ‬والاجتماعي‭. ‬هم‭ ‬بعكس‭ ‬ما‭ ‬يتصور‭ ‬الكثيرون‭ ‬شديدو‭ ‬المرح‭ ‬ويحبون‭ ‬الدعابة،‭ ‬ولكنهم‭ ‬لا‭ ‬يسقطون‭ ‬الحواجز‭ ‬حتى‭ ‬مع‭ ‬بعضهم‭ ‬البعض‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬تعارف‭ ‬يدوم‭ ‬سنوات‭.. ‬وقد‭ ‬عشت‭ ‬في‭ ‬انجلترا‭ ‬سنوات‭ ‬وزرت‭ ‬اسكتلندا‭ ‬ثلاث‭ ‬مرات‭ ‬لفترات‭ ‬قصيرة،‭ ‬ولكن‭ ‬وخلال‭ ‬تلك‭ ‬الفترات‭ ‬كان‭ ‬عدد‭ ‬الاسكتلنديين‭ ‬الذين‭ ‬تعرفت‭ ‬بهم‭ ‬عشرة‭ ‬أضعاف‭ ‬الانجليز‭ ‬الذين‭ ‬تواصلت‭ ‬معهم‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الاجتماعي‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬سنوات‭ ‬إقامتي‭ ‬هناك‭. ‬وعندهم‭ ‬حساسية‭ ‬عجيبة‭ ‬مع‭ ‬‮«‬المصافحة‮»‬،‭ ‬وحتى‭ ‬قبل‭ ‬سنوات‭ ‬قليلة‭ ‬كان‭ ‬الانجليزي‭ ‬الذي‭ ‬يستقبلك‭ ‬او‭ ‬تستقبله‭ ‬في‭ ‬مطار‭ ‬–‭ ‬مثلا‭ ‬–‭ ‬يكتفي‭ ‬بـ‮«‬هاي‭.. ‬هاو‭ ‬آر‭ ‬يو؟‮»‬‭ ‬ويداه‭ ‬في‭ ‬جيبه‭ ‬فتود‭ ‬لو‭ ‬ترد‭ ‬عليه‭: ‬هوا‭ ‬ياخدك‭ ‬يا‭ ‬بارد‭.‬

في‭ ‬اول‭ ‬حفل‭ ‬عشاء‭ ‬احضره‭ ‬بعد‭ ‬التحاقي‭ ‬بالسفارة‭ ‬البريطانية‭ ‬في‭ ‬الخرطوم‭ ‬نبهتني‭ ‬زوجة‭ ‬مستشار‭ ‬السفارة‭ ‬–‭ ‬وكانت‭ ‬من‭ ‬مقاطعة‭ ‬ويلز‭ ‬–‭ ‬أن‭ ‬اتجنب‭ ‬مد‭ ‬يدي‭ ‬للإنجليز‭ ‬لأنهم‭ ‬لا‭ ‬يحسون‭ ‬بالراحة‭ ‬عند‭ ‬ملامسة‭ ‬أجسام‭ ‬الآخرين‭.. ‬اسم‭ ‬الله‭ ‬عليهم‭.. ‬لا‭ ‬يحبون‭ ‬الملامسة‭ ‬بالأيدي‭ ‬ولكنك‭ ‬تجدهم‭ ‬في‭ ‬الحدائق‭ ‬العامة‭ ‬والساحات‭ ‬يتلامسون‭ ‬بال‭.... (‬خليها‭ ‬مستورة‭)‬،‭ ‬وبعد‭ ‬ان‭ ‬قضيت‭ ‬بضعة‭ ‬أشهر‭ ‬في‭ ‬السفارة‭ ‬كنت‭ ‬استمتع‭ ‬بمضايقة‭ ‬الانجليز‭ ‬في‭ ‬الحفلات‭ ‬بمبادلتهم‭ ‬التحية‭ ‬بالطريقة‭ ‬السودانية‭: ‬احضان‭ ‬وطبطبة‭ ‬على‭ ‬الظهر‭ ‬حتى‭ ‬يصاب‭ ‬الواحد‭ ‬منهم‭ ‬بنوبة‭ ‬سعال‭. ‬وجميع‭ ‬كبار‭ ‬المسؤولين‭ ‬في‭ ‬روسيا‭ ‬لديهم‭ ‬تعليمات‭ ‬مشددة‭ ‬بعدم‭ ‬القاء‭ ‬التحية‭ ‬على‭ ‬الضيوف‭ ‬الانجليز‭ ‬بالطريقة‭ ‬الروسية‭ ‬وهي‭ ‬البوس‭ ‬على‭ ‬الشفتين‭. ‬تخيل‭ ‬انك‭ ‬تبوس‭ ‬شخصا‭ ‬عبوسا‭ ‬كما‭ ‬بوتين‭ ‬بالطريقة‭ ‬الروسية‭ ‬يييييع‭.‬

أفضال‭ ‬الانجليز‭ ‬على‭ ‬السودان‭ ‬كثيرة،‭ ‬ولكنها‭ ‬كانت‭ ‬بمنطق‭ ‬بارك‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬من‭ ‬نفع‭ ‬واستنفع،‭ ‬فقد‭ ‬بنوا‭ ‬السدود‭ ‬واقاموا‭ ‬أكبر‭ ‬مزرعة‭ ‬مروية‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬لإنتاج‭ ‬القطن‭ (‬لصنع‭ ‬ملبوسات‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬لانكشاير‭)‬،‭ ‬وشبكة‭ ‬عملاقة‭ ‬للسكك‭ ‬الحديدية‭ ‬وكلية‭ ‬جامعية‭ (‬1904‭)‬،‭ ‬ولكن‭ ‬أهم‭ ‬خدمة‭ ‬قدموها‭ ‬للسودان‭ ‬هي‭ ‬أنهم‭ ‬لم‭ ‬يعلموا‭ ‬شعبه‭ ‬تلك‭ ‬اللعبة‭ ‬السخيفة‭ ‬السمجة‭ ‬المسماة‭ ‬كريكيت‭ ‬التي‭ ‬مسك‭ ‬فيها‭ ‬الهنود‭ ‬والسريلانكيون‭ ‬والباكستانيون‭ ‬ولهذا‭ ‬لم‭ ‬يفلحوا‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬رياضة‭ ‬تنافسية‭ ‬ذات‭ ‬معنى،‭ ‬فأكثر‭ ‬من‭ ‬مليار‭ ‬هندي‭ ‬لم‭ ‬ينجبوا‭ ‬11‭ ‬لاعب‭ ‬كرة‭ ‬قدم‭ ‬يصمد‭ ‬أمام‭ ‬فريق‭ ‬درجة‭ ‬رابعة‭ ‬في‭ ‬وطني‭ ‬الصغير‭ ‬جزيرة‭ ‬بدين،‭ ‬كما‭ ‬فعل‭ ‬الإنجليز‭ ‬خيرا‭ ‬لكونهم‭ ‬لم‭ ‬يحاولوا‭ ‬نقل‭ ‬لعبة‭ ‬الرجبي‭ ‬الى‭ ‬السودان،‭ ‬وهي‭ ‬لعبة‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬ممارستها‭ ‬إلا‭ ‬بلطجية‭ ‬محترفون‭ ‬ذوو‭ ‬كراديس‭.‬

‭(‬يا‭ ‬جماعة‭ ‬ناشدتكم‭ ‬اكثر‭ ‬من‭ ‬مرة‭ ‬تشرحوا‭ ‬لي‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬هذه‭ ‬الكراديس‭ ‬وأين‭ ‬موقعها‭ ‬في‭ ‬الجسم،‭ ‬وقد‭ ‬سبق‭ ‬لي‭ ‬ان‭ ‬طلبت‭ ‬من‭ ‬فاعلي‭ ‬الخير‭ ‬من‭ ‬القراء‭ ‬ان‭ ‬يشرحوا‭ ‬لي‭ ‬معنى‭ ‬المثل‭ ‬المصري‭ ‬الذي‭ ‬يفيد‭ ‬بأن‭ ‬دخول‭ ‬الحمّام‭ ‬ليس‭ ‬مثل‭ ‬الخروج‭ ‬منه،‭ ‬ولم‭ ‬أكن‭ ‬أعرف‭ ‬مكمن‭ ‬الصعوبة‭ ‬في‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬الحمام‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬عرفت‭ ‬ان‭ ‬المثل‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬الحقبة‭ ‬التركية‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬الاتراك‭ ‬بارعين‭ ‬في‭ ‬فرض‭ ‬الضرائب‭ ‬وجبايتها،‭ ‬وكانت‭ ‬هناك‭ ‬حمامات‭ ‬عامة‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬ويدخلها‭ ‬شخص‭ ‬ما‭ ‬ثم‭ ‬يخرج‭ ‬ويفاجأ‭ ‬بأن‭ ‬عليه‭ ‬ان‭ ‬يدفع‭ ‬ضريبة‭ ‬استخدام‭ ‬الحمام‭.. ‬يعني‭ ‬لو‭ ‬طلبوا‭ ‬منك‭ ‬الرسوم‭ ‬مقدما‭ ‬قد‭ ‬تصرف‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬دخول‭ ‬الحمام،‭ ‬ولهذا‭ ‬ينتظرونك‭ ‬حتى‭ ‬تخرج‭ ‬لتعرف‭ ‬طعم‭ ‬الزنقة‭ ‬الحقيقية‭).‬

 

 

 

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا