العدد : ١٧٦٦٣ - الأحد ٠٢ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٩ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٦٣ - الأحد ٠٢ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٩ صفر ١٤٤٨هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

اللي خالي من الدين غني

معلوم‭ ‬أن‭ ‬المصارف‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬أنحاء‭ ‬الدنيا‭ ‬منحازة‭ ‬للأغنياء‭ ‬والوجهاء،‭ ‬لأنهم‭ ‬يقترضون‭ ‬مبالغ‭ ‬ضخمة‭ ‬ويقدمون‭ ‬ضمانات‭ ‬معقولة،‭ ‬ولكن‭ ‬كثيرين‭ ‬من‭ ‬الأغنياء‭ ‬هم‭ ‬سبب‭ ‬نكبات‭ ‬البنوك،‭ ‬لأنهم‭ ‬يماطلون‭ ‬ويتهربون‭ ‬من‭ ‬سداد‭ ‬الديون‭. ‬والبنوك‭ ‬لا‭ ‬تشمر‭ ‬عضلاتها‭ ‬بشراسة‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬ملاحقة‭ ‬المساكين،‭ ‬وقد‭ ‬يصادرون‭ ‬سيارتك‭ ‬لأنك‭ ‬دفعت‭ ‬90‭ ‬ألف‭ ‬كذا‭ ‬من‭ ‬قيمتها،‭ ‬ولكنك‭ ‬لم‭ ‬تسدد‭ ‬آخر‭ ‬قسط‭ ‬مستحق‭ (‬1500‭ ‬كذا‭). ‬وهكذا‭ ‬يسويها‭ ‬الكبار‭ ‬بال«الزوغان‮»‬‭ ‬بالملايين،‭ ‬ونطيح‭ ‬فيها‭ ‬نحن‭ ‬المساكين‭. ‬دعك‭ ‬من‭ ‬حالنا‭ ‬البائس‭ ‬أصلا،‭ ‬ففي‭ ‬أمريكا‭ ‬وحدها‭ ‬فقد‭ ‬الملايين‭ ‬ممن‭ ‬تجاوزوا‭ ‬الستين،‭ ‬مرارا‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬ادخروا‭ ‬لشيخوختهم‭. ‬بسبب‭ ‬تقلبات‭ ‬سوق‭ ‬المال،‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬غول‭ ‬السوق‭ ‬الحر‭ ‬عندما‭ ‬يكون‭ ‬بلا‭ ‬كوابح‭.‬

أرجو‭ ‬ألا‭ ‬يفهم‭ ‬من‭ ‬كلامي‭ ‬هذا‭ ‬أنني‭ ‬أسيء‭ ‬الظن‭ ‬بالبنوك‭ ‬عامة‭.. ‬لا‭.. ‬لست‭ ‬من‭ ‬هواة‭ ‬إصدار‭ ‬الأحكام‭ ‬المطلقة‭. ‬وخصوصا‭ ‬في‭ ‬أمور‭ ‬لا‭ ‬أفهم‭ ‬فيها‭ ‬كثيرا‭. ‬ولكن‭ ‬هناك‭ ‬بنوك‭ ‬‮«‬بلدية‮»‬‭ ‬وتدار‭ ‬بطرق‭ ‬بدائية،‭ ‬وهناك‭ ‬بنوك‭ ‬عليها‭ ‬القيمة‭ ‬وعند‭ ‬كلمتها‭. ‬في‭ ‬منطقتنا‭ ‬لا‭ ‬يتضرر‭ ‬من‭ ‬أزمة‭ ‬البنوك‭ ‬وأسواق‭ ‬المال‭ ‬سوى‭ ‬الشبعانين‭ ‬لدرجة‭ ‬التخمة‭ ‬الذين‭ ‬يتاجرون‭ ‬على‭ ‬الورق‭ ‬ويجمعون‭ ‬الملايين‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬المضاربات،‭ ‬وبعض‭ ‬المتهورين‭ ‬من‭ ‬‮«‬مهدودي‭ ‬الدخل‮»‬‭. ‬وهب‭ ‬ان‭ ‬البنك‭ ‬الذي‭ ‬يتسلم‭ ‬راتبي‭ ‬انهار‭ ‬وأفلس‭! ‬كل‭ ‬ما‭ ‬سأقوله‭: ‬ما‭ ‬دائم‭ ‬إلا‭ ‬الله‭. ‬وأملك‭ ‬من‭ ‬الحياء‭ ‬ما‭ ‬يمنعني‭ ‬من‭ ‬العويل‭ ‬والنحيب‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬أخسره‭ ‬من‭ ‬مال‭ ‬نتيجة‭ ‬ذلك‭ ‬الإفلاس‭. ‬كم‭ ‬المبلغ‭ ‬الذي‭ ‬سيضيع‭ ‬علي‭: (‬عشرين‭ ‬ألف؟‭ ‬تسعين‭ ‬ألف؟‭) ‬يا‭ ‬عمي‭ ‬ضاع‭ ‬معظم‭ ‬العمر‭ ‬في‭ ‬الأوهام‭ (‬وعود‭ ‬الرفاهية‭ ‬والرخاء‭ ‬وتحرير‭ ‬الأرض‭). ‬لا‭ ‬بديل‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬البنوك،‭ ‬بس‭ ‬ليت‭ ‬معظم‭ ‬الموظفين‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬تمتلئ‭ ‬جيوبهم‭ ‬بدرجة‭ ‬أو‭ ‬بأخرى‭ ‬مرة‭ ‬واحدة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬شهر‭ ‬يعملون‭ ‬بالحكمة‭ ‬التي‭ ‬علمتني‭ ‬إياها‭ ‬أمي‭: ‬اللي‭ ‬خالي‭ ‬من‭ ‬الدين‭ ‬غني‭. ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬غير‭ ‬مدين‭ ‬لأحد‭ ‬درجة‭ ‬مريحة‭ ‬من‭ ‬الغنى‭. ‬ياما‭ ‬تعرضت‭ ‬لإغراءات‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬أصدقاء‭ ‬يعملون‭ ‬في‭ ‬بنوك‭: ‬لماذا‭ ‬تشتري‭ ‬السيارة‭ ‬نقدا‭. ‬دع‭ ‬نقودك‭ ‬في‭ ‬حسابك‭ ‬وسنتولى‭ ‬نحن‭ ‬تمويل‭ ‬شراء‭ ‬السيارة‭! ‬شكر‭ ‬الله‭ ‬سعيكم‭ ‬وسامحكم،‭ ‬تبيعون‭ ‬لي‭ ‬سيارة‭ ‬قيمتها‭ ‬60‭ ‬ألفا‭ ‬بـ‭ ‬72‭ ‬ألفا‭ ‬وتحسبون‭ ‬أنكم‭ ‬قدمتم‭ ‬لي‭ ‬خدمة؟‭ ‬يفتح‭ ‬الله‭! ‬التمويل‭ ‬بالاقتراض‭ ‬ربما‭ ‬يصلح‭ ‬مع‭ ‬التاجر‭ ‬ورجل‭ ‬الأعمال‭ ‬والمستثمر،‭ ‬ولكنه‭ ‬لا‭ ‬يصلح‭ ‬مع‭ ‬شخص‭ ‬تعبان‭ ‬مثلي‭ ‬ومثلك‭. ‬ابتعد‭ ‬عن‭ ‬غواية‭ ‬الاقتراض،‭ ‬وقبلها‭ ‬ابتعد‭ ‬عن‭ ‬غواية‭ ‬الاستعراض‭. ‬أعني‭ ‬أنك‭ ‬لو‭ ‬تفاديت‭ ‬مجاراة‭ ‬الآخرين‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬المظاهر‭ ‬فإن‭ ‬ما‭ ‬عندك‭ ‬من‭ ‬مال‭ ‬سيستر‭ ‬حالك‭ ‬فلا‭ ‬تضطر‭ ‬الى‭ ‬الدين‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬ذلٌّ‭ ‬بالنهار‭ ‬وهمٌّ‭ ‬بالليل‭.‬

كان‭ ‬لدينا‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬الثانوية‭ ‬مدرس‭ ‬جغرافيا‭ ‬محبوب‭ ‬من‭ ‬الجميع،‭ ‬وكان‭ ‬دائم‭ ‬الشكوى‭ ‬من‭ ‬بؤس‭ ‬رواتب‭ ‬المعلمين‭ ‬وذات‭ ‬يوم‭ ‬سأله‭ ‬طالب‭ ‬من‭ ‬نفس‭ ‬بلدته‭: ‬ولكن‭ ‬أباك‭ ‬كان‭ ‬تاجرا‭ ‬معروفا‭ ‬وبالتأكيد‭ ‬نلت‭ ‬نصيبا‭ ‬طيبا‭ ‬من‭ ‬ارثه‭ ‬بعد‭ ‬وفاته‭. ‬صاح‭ ‬المدرس‭: ‬اسكت‭ ‬يا‭ ‬حمار‭.. ‬لا‭ ‬تقلب‭ ‬علي‭ ‬المواجع‭. ‬عندما‭ ‬أحس‭ ‬والدي‭ ‬رحمه‭ ‬الله‭ ‬بدنو‭ ‬الأجل‭ ‬قادنا‭ ‬الى‭ ‬ركن‭ ‬في‭ ‬البيت‭ ‬وطلب‭ ‬منا‭ ‬ان‭ ‬نحفر‭ ‬الأرض‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬معين‭. ‬وعلى‭ ‬عمق‭ ‬نحو‭ ‬قدم‭ ‬وجدنا‭ ‬‮«‬فتافيت‮»‬‭ ‬من‭ ‬الورق‭.. ‬طفق‭ ‬والدي‭ ‬يحفر‭ ‬الأرض‭ ‬بيديه‭ ‬ثم‭ ‬دخل‭ ‬في‭ ‬غيبوبة‭. ‬اتضح‭ ‬انه‭ ‬كان‭ ‬يلف‭ ‬الأوراق‭ ‬النقدية‭ ‬في‭ ‬قصاصات‭ ‬صحف‭ ‬ويدفنها‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬البقعة‭.. ‬ووجد‭ ‬النمل‭ ‬الأبيض‭ (‬نسميه‭ ‬في‭ ‬السودان‭ ‬‮«‬الأرضة‮»‬‭) ‬طريقه‭ ‬إليها‭ ‬وهكذا‭ ‬صارت‭ ‬كل‭ ‬ثروة‭ ‬وتركة‭ ‬والدي‭ ‬من‭ ‬نصيب‭ ‬النمل‭.. ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬في‭ ‬متجره‭ ‬بضائع‭ ‬تكفي‭ ‬حتى‭ ‬لسداد‭ ‬قيمتها‭ (‬الكمبيالات‭). ‬ولو‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬بنوك،‭ ‬ولو‭ ‬كان‭ ‬أبو‭ ‬أستاذنا‭ ‬يتعامل‭ ‬مع‭ ‬البنوك‭ ‬لما‭ ‬‮«‬استفرد‮»‬‭ ‬النمل‭ ‬بثروته‭.‬

لنتوجه‭ ‬الى‭ ‬ولاية‭ ‬بيهار‭ ‬الهندية‭ ‬لمواساة‭ ‬عمنا‭ ‬دواريكا‭ ‬براساد‭ ‬الذي‭ ‬استأجر‭ ‬خزانة‭ ‬خاصة‭ ‬deposit‭ ‬box‭ ‬في‭ ‬بنك‭ ‬وضع‭ ‬فيها‭ ‬16000‭ ‬دولار‭ ‬هي‭ ‬مدخراته‭ ‬للتقاعد‭ ‬وذهب‭ ‬مؤخرا‭ ‬الى‭ ‬البنك‭ ‬ووجد‭ ‬ان‭ ‬نقوده‭ ‬طارت‭. ‬أكلها‭ ‬النمل‭ ‬الأبيض،‭ ‬وقالت‭ ‬إدارة‭ ‬البنك‭ ‬إنها‭ ‬مسؤولة‭ ‬فقط‭ ‬عن‭ ‬سلامة‭ ‬الخزانة‭ ‬من‭ ‬الكسر‭ ‬والتلف،‭ ‬وإنه‭ ‬ليس‭ ‬هناك‭ ‬مادة‭ ‬في‭ ‬القانون‭ ‬الهندي‭ ‬تسمح‭ ‬بطلب‭ ‬تعويض‭ ‬من‭ ‬النمل‭. ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬قصدته‭ ‬بقولي‭ ‬‮«‬بنك‭ ‬عن‭ ‬بنك‭ ‬يفرق‮»‬‭.. ‬عندنا‭ ‬مثل‭ ‬شعبي‭ ‬جميل‭ ‬في‭ ‬السودان‭ ‬يقول‭ ‬‮«‬يلمَّها‭ ‬النمل‭ ‬ويطأها‭ ‬الفيل‮»‬‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬الكائن‭ ‬الضعيف‭ ‬يجتهد‭ ‬في‭ ‬لم‭/ ‬جمع‭ ‬ما‭ ‬يلزمه‭ ‬ويأتي‭ ‬كائن‭ ‬ضخم‭ ‬فيطأها‭ ‬ويدمرها‭ ‬والمثل‭ ‬في‭ ‬الحكايتين‭ ‬أعلاه‭ ‬معكوس‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا