كان نهارًا ليس كباقي النهارات.. نهارا أخبروني فيه بأنك قد رحلت..
كنت أعلم أن هذا الخبر آتٍ لا محالة.. حين أخبرني الطبيب المشرف على علاجك بكل شفافية.. بأنك قريبٌ من الرحيل.
لم أرد تصديق ذلك.. وعشت أيامًا مريرةً أتهرّب فيها من الهاتف قدر المستطاع.. في محاولات يائسةٍ بائسة للهروب من الواقع.. لكن تلك اللحظة التي أبيت الاستعداد لها.. جاءت حاسمةً قاطعة.
خرجت بسيارتي أجوب الشوارع بحثًا عنك.. هناك.. عند كل ما تغنّت فيه أشعارك.
بحثت عنك في أزقة المحرق.. بين سعف النخيل.. وخلف زبد البحر.
توجّهت إلى مكتبك.. أبحث عنك بين أغراضك.. بين أوراقك.. بين التحف الصغيرة التي تجمّل بها حياتك.
كان المكتب باردًا.. هادئًا.. بلا رائحة ولا لون.. كانت هناك الذاكرة فقط لا غير.
قلّبت الكثير من الرسائل التي تبعثها لي كل يوم.. لكني لم أجد رسالة ذاك الصباح.
أدركت حينها.. نعم.. لقد رحلت.. وكم كان مرور الوقت يومها بطيئًا.
كان البحر هادئًا على غير عادته.. إذ هرب منه موجه عندما أدرك بأنه فقد معشوقه.
كان النخيل جامدًا بلا ظل.. فقد أدرك أن من كان يحوّل ظلاله إلى شعرٍ قد مضى.
كانت كتب التراث خائفةً من أن يغلّفها الغبار.. بعدما فقدت من كان يتفقّدها منذ أن رأت النور.
أما القصائد والكلمات.. فقد أصبحت يتيمة.. تخشى من أن تنام فلا يوقظها أحد من بعدك.
وأنا.. شعرت بأني فقدت وطنًا.. وبدأت الأفكار والتأملات وفوضى الحواس.
من سيجمع الحكايات المتناثرة على أطراف القرى قبل أن تذروها الريح بعد اليوم؟
ومن سيُقنع الأطفال أن للبحر ذاكرة، وأن للنخلة حكاية، وأن للوطن وجوهًا لا تُرى إلا بالكلمات؟
وماذا عن أحلامنا الثقافية.. ومشاريعنا التي لم تكتمل.. والأفكار التي اتفقنا أن نمنحها الحياة معًا؟
وبعد أن مرت على قلبي وعقلي بضع دقائقَ كشهور طويلة.. أدركت.
أن بعض الناس لا يرحلون وحدهم.. بل يرحل معهم شيءٌ من أعماقنا. ومن ملامح المكان.. ومن رائحة الزمن.. ومن عمق الذاكرة.. ومن دفء المجالس.. ومن طمأنينة الروح التي تقول لنا إن كل شيء سيكون بخير.
نعم.. لقد غاب جسد علي عبدالله خليفة.
لكن العظماء لا يختفون.. إنهم يغيّرون فقط مكان إقامتهم.. فيسكنون في ذاكرة الناس وقلوبهم.
ولا يرحل الشعراء حين يرحلون.. إنهم يغيّرون فقط المكان الذي نسمع منه أصواتهم.. فيبقون في الأرواح أثرًا لا يزول.
يمضي اليوم أربعون يومًا على رحيلك.. وأنا موقنةٌ أن الذين يزرعون الجمال في الأرواح لا يأخذهم الغياب.
فستبقى بيننا كلمةً لا تموت.. وصوتًا لا يخفت.. وذكرى لا يملك الزمن إلا أن يزيدها حضورًا.
فليس كلُّ غيابٍ رحيلًا... فالذين يسكنون القلوب.. يبقون فيها وإن غابوا.. وسيظل فراغُ رحيلك كبيرًا.. وألمُ فقدك موجعًا.. والأيامُ بغيابك أثقل.. ودربُ الثقافة من دونك موحشًا.
لكن سلواي.. هو أن أظل أكتبك.. لأملأ الجزء الذي رحل من روحي معك.
أمين عام مركز عبدالرحمن كانو الثقافي

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك