العدد : ١٧٦٦٢ - السبت ٠١ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٨ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٦٢ - السبت ٠١ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٨ صفر ١٤٤٨هـ

مقالات

علي عبدالله خليفة..
حين يصبح الإنسان جزءا من الروح

بقلم: د. معصومة المطاوعة

السبت ٠١ أغسطس ٢٠٢٦ - 02:00

كان‭ ‬نهارًا‭ ‬ليس‭ ‬كباقي‭ ‬النهارات‭.. ‬نهارا‭ ‬أخبروني‭ ‬فيه‭ ‬بأنك‭ ‬قد‭ ‬رحلت‭..‬

كنت‭ ‬أعلم‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الخبر‭ ‬آتٍ‭ ‬لا‭ ‬محالة‭.. ‬حين‭ ‬أخبرني‭ ‬الطبيب‭ ‬المشرف‭ ‬على‭ ‬علاجك‭ ‬بكل‭ ‬شفافية‭.. ‬بأنك‭ ‬قريبٌ‭ ‬من‭ ‬الرحيل‭.‬

لم‭ ‬أرد‭ ‬تصديق‭ ‬ذلك‭.. ‬وعشت‭ ‬أيامًا‭ ‬مريرةً‭ ‬أتهرّب‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬الهاتف‭ ‬قدر‭ ‬المستطاع‭.. ‬في‭ ‬محاولات‭ ‬يائسةٍ‭ ‬بائسة‭ ‬للهروب‭ ‬من‭ ‬الواقع‭.. ‬لكن‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬التي‭ ‬أبيت‭ ‬الاستعداد‭ ‬لها‭.. ‬جاءت‭ ‬حاسمةً‭ ‬قاطعة‭.‬

خرجت‭ ‬بسيارتي‭ ‬أجوب‭ ‬الشوارع‭ ‬بحثًا‭ ‬عنك‭.. ‬هناك‭.. ‬عند‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬تغنّت‭ ‬فيه‭ ‬أشعارك‭.‬

بحثت‭ ‬عنك‭ ‬في‭ ‬أزقة‭ ‬المحرق‭.. ‬بين‭ ‬سعف‭ ‬النخيل‭.. ‬وخلف‭ ‬زبد‭ ‬البحر‭.‬

توجّهت‭ ‬إلى‭ ‬مكتبك‭.. ‬أبحث‭ ‬عنك‭ ‬بين‭ ‬أغراضك‭.. ‬بين‭ ‬أوراقك‭.. ‬بين‭ ‬التحف‭ ‬الصغيرة‭ ‬التي‭ ‬تجمّل‭ ‬بها‭ ‬حياتك‭.‬

كان‭ ‬المكتب‭ ‬باردًا‭.. ‬هادئًا‭.. ‬بلا‭ ‬رائحة‭ ‬ولا‭ ‬لون‭.. ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬الذاكرة‭ ‬فقط‭ ‬لا‭ ‬غير‭.‬

قلّبت‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الرسائل‭ ‬التي‭ ‬تبعثها‭ ‬لي‭ ‬كل‭ ‬يوم‭.. ‬لكني‭ ‬لم‭ ‬أجد‭ ‬رسالة‭ ‬ذاك‭ ‬الصباح‭.‬

أدركت‭ ‬حينها‭.. ‬نعم‭.. ‬لقد‭ ‬رحلت‭.. ‬وكم‭ ‬كان‭ ‬مرور‭ ‬الوقت‭ ‬يومها‭ ‬بطيئًا‭.‬

كان‭ ‬البحر‭ ‬هادئًا‭ ‬على‭ ‬غير‭ ‬عادته‭.. ‬إذ‭ ‬هرب‭ ‬منه‭ ‬موجه‭ ‬عندما‭ ‬أدرك‭ ‬بأنه‭ ‬فقد‭ ‬معشوقه‭.‬

كان‭ ‬النخيل‭ ‬جامدًا‭ ‬بلا‭ ‬ظل‭.. ‬فقد‭ ‬أدرك‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬كان‭ ‬يحوّل‭ ‬ظلاله‭ ‬إلى‭ ‬شعرٍ‭ ‬قد‭ ‬مضى‭.‬

كانت‭ ‬كتب‭ ‬التراث‭ ‬خائفةً‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يغلّفها‭ ‬الغبار‭.. ‬بعدما‭ ‬فقدت‭ ‬من‭ ‬كان‭ ‬يتفقّدها‭ ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬رأت‭ ‬النور‭.‬

أما‭ ‬القصائد‭ ‬والكلمات‭.. ‬فقد‭ ‬أصبحت‭ ‬يتيمة‭.. ‬تخشى‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تنام‭ ‬فلا‭ ‬يوقظها‭ ‬أحد‭ ‬من‭ ‬بعدك‭.‬

وأنا‭.. ‬شعرت‭ ‬بأني‭ ‬فقدت‭ ‬وطنًا‭.. ‬وبدأت‭ ‬الأفكار‭ ‬والتأملات‭ ‬وفوضى‭ ‬الحواس‭.‬

من‭ ‬سيجمع‭ ‬الحكايات‭ ‬المتناثرة‭ ‬على‭ ‬أطراف‭ ‬القرى‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تذروها‭ ‬الريح‭ ‬بعد‭ ‬اليوم؟

ومن‭ ‬سيُقنع‭ ‬الأطفال‭ ‬أن‭ ‬للبحر‭ ‬ذاكرة،‭ ‬وأن‭ ‬للنخلة‭ ‬حكاية،‭ ‬وأن‭ ‬للوطن‭ ‬وجوهًا‭ ‬لا‭ ‬تُرى‭ ‬إلا‭ ‬بالكلمات؟

وماذا‭ ‬عن‭ ‬أحلامنا‭ ‬الثقافية‭.. ‬ومشاريعنا‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تكتمل‭.. ‬والأفكار‭ ‬التي‭ ‬اتفقنا‭ ‬أن‭ ‬نمنحها‭ ‬الحياة‭ ‬معًا؟

وبعد‭ ‬أن‭ ‬مرت‭ ‬على‭ ‬قلبي‭ ‬وعقلي‭ ‬بضع‭ ‬دقائقَ‭ ‬كشهور‭ ‬طويلة‭.. ‬أدركت‭.‬

أن‭ ‬بعض‭ ‬الناس‭ ‬لا‭ ‬يرحلون‭ ‬وحدهم‭.. ‬بل‭ ‬يرحل‭ ‬معهم‭ ‬شيءٌ‭ ‬من‭ ‬أعماقنا‭. ‬ومن‭ ‬ملامح‭ ‬المكان‭.. ‬ومن‭ ‬رائحة‭ ‬الزمن‭.. ‬ومن‭ ‬عمق‭ ‬الذاكرة‭.. ‬ومن‭ ‬دفء‭ ‬المجالس‭.. ‬ومن‭ ‬طمأنينة‭ ‬الروح‭ ‬التي‭ ‬تقول‭ ‬لنا‭ ‬إن‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬سيكون‭ ‬بخير‭.‬

نعم‭.. ‬لقد‭ ‬غاب‭ ‬جسد‭ ‬علي‭ ‬عبدالله‭ ‬خليفة‭. ‬

لكن‭ ‬العظماء‭ ‬لا‭ ‬يختفون‭.. ‬إنهم‭ ‬يغيّرون‭ ‬فقط‭ ‬مكان‭ ‬إقامتهم‭.. ‬فيسكنون‭ ‬في‭ ‬ذاكرة‭ ‬الناس‭ ‬وقلوبهم‭. ‬

ولا‭ ‬يرحل‭ ‬الشعراء‭ ‬حين‭ ‬يرحلون‭.. ‬إنهم‭ ‬يغيّرون‭ ‬فقط‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬نسمع‭ ‬منه‭ ‬أصواتهم‭.. ‬فيبقون‭ ‬في‭ ‬الأرواح‭ ‬أثرًا‭ ‬لا‭ ‬يزول‭.‬

يمضي‭ ‬اليوم‭ ‬أربعون‭ ‬يومًا‭ ‬على‭ ‬رحيلك‭.. ‬وأنا‭ ‬موقنةٌ‭ ‬أن‭ ‬الذين‭ ‬يزرعون‭ ‬الجمال‭ ‬في‭ ‬الأرواح‭ ‬لا‭ ‬يأخذهم‭ ‬الغياب‭. ‬

فستبقى‭ ‬بيننا‭ ‬كلمةً‭ ‬لا‭ ‬تموت‭.. ‬وصوتًا‭ ‬لا‭ ‬يخفت‭.. ‬وذكرى‭ ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬الزمن‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬يزيدها‭ ‬حضورًا‭.‬

فليس‭ ‬كلُّ‭ ‬غيابٍ‭ ‬رحيلًا‭... ‬فالذين‭ ‬يسكنون‭ ‬القلوب‭.. ‬يبقون‭ ‬فيها‭ ‬وإن‭ ‬غابوا‭.. ‬وسيظل‭ ‬فراغُ‭ ‬رحيلك‭ ‬كبيرًا‭.. ‬وألمُ‭ ‬فقدك‭ ‬موجعًا‭.. ‬والأيامُ‭ ‬بغيابك‭ ‬أثقل‭.. ‬ودربُ‭ ‬الثقافة‭ ‬من‭ ‬دونك‭ ‬موحشًا‭.‬

لكن‭ ‬سلواي‭.. ‬هو‭ ‬أن‭ ‬أظل‭ ‬أكتبك‭.. ‬لأملأ‭ ‬الجزء‭ ‬الذي‭ ‬رحل‭ ‬من‭ ‬روحي‭ ‬معك‭.‬

 

أمين‭ ‬عام‭ ‬مركز‭ ‬عبدالرحمن‭ ‬كانو‭ ‬الثقافي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا