«الثقافة» اليوم هي إحدى أهم الأدوات التي تصنع حضور الدول ومكانتها
كل قطعة أثرية بالمتحف شاهدة على زمن مضى وتحمل رسالة
الفيلم الناجح.. سفير ثقافي يعرّف العالم بالدول ويبني جسور التواصل
الإعلام أداة هامة قادرة على التعريف بهوية الأمم وحفظ ذاكرتها وإبراز حضورها على الساحة العالمية

لعل المتأمل في مسيرة مملكة البحرين يلحظ أن الاستثمار في الثقافة لم يكن منفصلًا عن مشروع الدولة، بل كان جزءًا من رؤيتها لهويتها ومكانتها. فالمتاحف، والمواقع المدرجة على قائمة التراث العالمي، والمهرجانات، والمعارض، والمبادرات التي تحتفي بالأدب والفن والموسيقى، لم تُنشأ لتكون محطات للزيارة فحسب، وإنما لتروي حكاية وطن اختار أن يقدّم نفسه للعالم بلغته الحضارية.
فالأوطان تؤكد حضورها بما تصنعه في المشهد الثقافي؛ فالإنسان بطبيعته يحب الاستماع لقصص الدول والشعوب ويميل لمعرفة كيف بُنيت الحضارات، والفنون التي يتذوقها، والوجوه التي يتعرف إليها، والأماكن التي تحمل ذاكرة الشعوب.
ولهذا فإن الثقافة اليوم ليست شأنًا داخليًا، أو مساحة ترفيهية تضاف إلى حياة المجتمعات، بل هي إحدى أهم الأدوات التي تصنع حضور الدول ومكانتها. فالدولة التي تنجح في تقديم ثقافتها للعالم، تقدم رؤيتها للإنسان والتاريخ والحياة.
إن الصورة التي يحملها العالم عن أي وطن لا تُصنع داخل أروقة السياسة وحدها، فهناك سفارات أخرى أكثر هدوءًا وأعمق تأثيرًا؛ سفارات تحمل كتابًا، أو فيلمًا، أو لوحة، أو أغنية، أو معرضًا فنيًا. إنها دبلوماسية الثقافة، التي لا تعتمد على البيانات الرسمية، بل على قدرة الإبداع على الوصول إلى الإنسان أينما كان.
تُعد متاحف الدول مؤسسات هامة تحفظ هوية الأمم وتعيد تقديمها للعالم فالمتحف يذكرنا بمن نحن؟ وكيف نريد أن يتذكرنا الآخرون؟ وكيف نسعى لحفظ مكتسبات أوطاننا وهويتنا ومالذي سيراه الأجيال من بعدنا. فكل قطعة أثرية شاهدة على زمن مضى، و رسالة تحمل قصة شعب وحضارة. ولهذا أصبحت المتاحف الكبرى في العالم جزءًا من صورة الدول ومكانتها الثقافية.
فمتحف البحرين الوطني مثلاً؛ يعد صرحًا هامًا بل هو ذاكرة وطنية حية تختصر قصة البحرين وحضارتها الممتدة عبر آلاف السنين. فمن خلال قاعاته التي توثق مسيرة الإنسان البحريني، بدءًا من حضارة دلمون العريقة وصولًا إلى مراحل التطور الحديثة، يقدم المتحف رواية متكاملة عن هوية المملكة وإرثها الثقافي والحضاري.
ولا يقتصر دور المتحف على حفظ التاريخ، بل يحول الموروث إلى تجربة إنسانية نابضة تتيح للزوار التعرف على تفاصيل الحياة القديمة، وعلاقات البحرين الحضارية مع مختلف شعوب العالم، ليصبح بذلك نافذة ثقافية تعكس مكانة المملكة، وتجسد كيف يمكن للمتاحف أن تكون جسورًا تربط الماضي بالحاضر وتصنع حضور الدول على الخريطة الثقافية العالمية.
أما قلعة البحرين، فهي أحد أهم المعالم الأثرية التي تقف شاهدة على حقبة تاريخية مضت، كما إنها بوابة تطل منها المملكة على صفحات عريقة من تاريخ حضارة دلمون التي ازدهرت قبل آلاف السنين. فقد كانت القلعة، بموقعها الاستراتيجي المطل على الخليج، جزءًا من مركز حضاري وتجاري مهم يعكس الدور الذي لعبته البحرين كمحطة للتواصل بين الحضارات والشعوب.
وتحمل القلعة في تفاصيلها شواهد على تعاقب الحضارات التي مرت على الجزيرة، لتروي قصة أرض لم تكن يومًا معزولة، بل كانت ملتقى للتجارة والثقافة والتبادل الإنساني. واليوم، تمثل قلعة البحرين رمزًا للهوية التاريخية للمملكة، وواجهة ثقافية تستقطب الزوار للتعرف على عمق الإرث الحضاري البحريني، مؤكدة أن المواقع التاريخية، أدوات حية لصناعة الوعي وتعزيز حضور الدول ثقافيًا أمام العالم.
ولعل متحف اللوفر في باريس خير مثال على ذلك أيضًا؛ فهو أحد أهم الرموز العالمية التي توثق الهوية الفرنسية، بل إنه وجهة هامة يقصدها الزوار من مختلف أنحاء العالم لاكتشاف روائع الفن الإنساني، ليصبح بذلك جزءًا من صورة فرنسا ومكانتها الثقافية الدولية.
وفي المنطقة العربية، قدمت التجارب الحديثة نماذج تؤكد أن المتحف يمكن أن يكون جسرًا بين الماضي والمستقبل. فمتحف اللوفر أبوظبي لم يقدم مقتنيات فنية فقط، بل طرح فكرة الحوار بين الحضارات، مؤكدًا أن الثقافة مساحة للقاء الإنساني. كما يمثل المتحف المصري الكبير امتدادًا لحضارة تمتلك واحدة من أكثر القصص تأثيرًا في تاريخ البشرية، حيث تتحول الآثار إلى لغة عالمية تخاطب مختلف الشعوب.
إذا كانت المتاحف تحفظ ذاكرة الشعوب، فإن السينما تصنع صورتها المتحركة حيث تقدم مجتمعًا كاملًا؛ بشوارعه، وأزياءه، وعاداته وتقاليده، وأحلامه، وطريقة تفكيره ولهذا أصبحت السينما واحدة من أقوى أدوات التأثير الثقافي في العالم. فكم من مدينة عرفها الناس من خلال فيلم قبل أن يزوروها؟ وكم من ثقافة اكتشفها الجمهور عبر شاشة السينما قبل أن يقرأ عنها في الكتب؟
لقد لعبت هوليوود دورًا كبيرًا في تشكيل صورة الولايات المتحدة عالميًا، فقد قدمت السينما المدن الأمريكية، ونمط الحياة، والقيم الاجتماعية، والأحلام الفردية إلى ملايين المشاهدين حول العالم.
وفي المقابل، استطاعت كوريا الجنوبية خلال السنوات الماضية أن تقدم نموذجًا استثنائيًا في استخدام الثقافة لصناعة الحضور العالمي. فالدراما الكورية، والأفلام التي حققت نجاحًا دوليًا والموسيقى الكورية التي انتشرت في مختلف القارات، تحولت جميعها إلى بوابة تعرف العالم من خلالها على اللغة والثقافة والمجتمع الكوري.
وكذلك فعلت السينما الهندية التي جعلت من "بوليوود" سفيرًا ثقافيًا للهند، فقد جعلت من صناعة الأفلام، نافذة يطل منها العالم على الثقافة الهندية بكل تفاصيلها؛ من الأغنية والرقصة والأزياء التقليدية إلى العادات والقصص التي تعكس تنوع المجتمع الهندي.
ومن خلال الأفلام، نجحت بوليوود في بناء علاقة وجدانية بين المشاهدين والهند، حيث لم يكتفِ الجمهور بمتابعة الحكايات، بل أصبح شغوفًا باكتشاف المدن والتقاليد والمعالم التي ظهرت على الشاشة. وهنا تظهر قوة السينما الحقيقية؛ فهي لا تطلب من العالم أن يعرف الوطن، بل تجعله يرغب في معرفته، وتحول الصورة الفنية إلى جسر للتواصل الثقافي والسياحي بين الشعوب.
ولهذا يمكن القول إن الفيلم الناجح قد يحقق للدولة ما لا تحققه حملات إعلامية ضخمة، لأنه يخاطب المشاعر قبل المعلومات، والخيال قبل الواقع.
وتعد المهرجانات الفنية والثقافية منصات هامة تصنع صورة المدن والدول فمهرجان كان السينمائي في فرنسا يعتبر جزء من الهوية الثقافية الفرنسية، ومهرجان البندقية في إيطاليا يعكس تاريخًا طويلًا من ارتباط الفن بالمدينة والحضارة.
وفي المنطقة العربية، أصبحت المهرجانات الثقافية والسينمائية جزءًا من الحراك الذي يعيد تعريف المنطقة أمام العالم. فمهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي، والمهرجانات الفنية المختلفة في الخليج، من المنصات الهامة لدعم صناعة السينما، واستقطاب المواهب، وفتح الحوارات الثقافية العالمية، فالمدينة التي تستضيف مهرجانًا عالميًا لا تستقبل الفنانين فقط، بل تستقبل الإعلام، والسياح، والمستثمرين، والمهتمين بالثقافة. وهكذا تتحول الفعالية الثقافية إلى قوة اقتصادية وحضارية في الوقت نفسه.
ولا يمكننا الحديث عن قوة الثقافة في صناعة صورة الدول دون ذكر الدور المهم الذي يقوم به الإعلاميون والصحفيون، فهم سفراء الكلمة والصورة الذين يوثقون مسيرة الأوطان، ويرصدون نجاحاتها، وينقلون للعالم ملامح حضاراتها وثقافاتها. فمن خلال التقارير والتحقيقات والحوارات والقصص الإنسانية، لا يكتفون بنقل الأحداث، بل يقدمون رواية متكاملة عن الشعوب، تعكس تاريخها، وإنجازاتها، وجمالها، وتنوعها الثقافي. فالإعلامي والصحفي يمثلان نافذة يطل منها العالم على الدول، حيث تسهم أعمالهم في تشكيل الانطباعات وبناء جسور التواصل بين الحضارات. نحن اليوم نعيش عصر الكلمة كقوة مؤثرة، تحول الإعلام فيها إلى أداة من أدوات القوة الناعمة، قادرة على التعريف بهوية الأمم وحفظ ذاكرتها وإبراز حضورها على الساحة العالمية.


هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك