العدد : ١٧٦٦٤ - الاثنين ٠٣ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٠ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٦٤ - الاثنين ٠٣ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٠ صفر ١٤٤٨هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

الهواتف والجفاء الاجتماعي

في‭ ‬كل‭ ‬عيد‭ ‬يحز‭ ‬في‭ ‬نفسي‭ ‬ان‭ ‬ألاحظ‭ ‬ان‭ ‬عدد‭ ‬ضيوفي‭ ‬يتناقص‭ ‬من‭ ‬عام‭ ‬إلى‭ ‬آخر،‭ ‬فبعد‭ ‬التفشي‭ ‬الوبائي‭ ‬للهواتف،‭ ‬صار‭ ‬كثيرون‭ ‬يكتفون‭ ‬برفع‭ ‬السماعة‭ ‬و«كل‭ ‬سنة‭ ‬وأنتم‭ ‬طيبون‭.. ‬ويعود‭ ‬علينا‭ ‬وعليكم‭ ‬بالخير‭.. ‬عساكم‭ ‬من‭ ‬عواده‮»‬،‭ ‬ثم‭ ‬جاء‭ ‬الهاتف‭ ‬الجوال‭ ‬وانقطعت‭ ‬الاتصالات‭ ‬الهاتفية‭ ‬الصوتية‭ ‬وانتشرت‭ ‬موضة‭ ‬رسائل‭ ‬التهاني‭ ‬المسجوعة‭. ‬وتصلك‭ ‬رسالة‭ ‬حلوة‭ ‬فتحولها‭ ‬انت‭ ‬إلى‭ ‬غيرك،‭ ‬وهكذا‭ ‬تبدأ‭ ‬رسالة‭ ‬ما‭ ‬انطلاقتها‭ ‬من‭ ‬المنامة‭ ‬مثلا‭ ‬وتصل‭ ‬بنصها‭ ‬وحروفها‭ ‬الى‭ ‬أشخاص‭ ‬لا‭ ‬يتعارفون‭ ‬في‭ ‬اليابان‭ ‬وكندا‭ ‬والشيشان،‭ ‬وكانت‭ ‬رسائل‭ ‬الهاتف‭ ‬الجوال‭ ‬النصية‭ ‬عبر‭ ‬واتساب‭ ‬ومسنجر‭ ‬وغيره‭ ‬من‭ ‬التطبيقات‭ ‬التي‭ ‬توصف‭ ‬بالذكاء‭ ‬هي‭ ‬المسمار‭ ‬الأخير‭ ‬في‭ ‬نعش‭ ‬كتابة‭ ‬العرائض‭/ ‬المعاريض‭. ‬وهي‭ ‬نصوص‭ ‬تتعلق‭ ‬في‭ ‬غالب‭ ‬الأحيان‭ ‬بأمر‭ ‬مخاطبة‭ ‬جهة‭ ‬عليا‭ ‬او‭ ‬قضائية‭ ‬لـ«عرض‭ ‬الحال‮»‬،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬نسميها‭ ‬في‭ ‬السودان‭ ‬ومصر‭ ‬عرض‭ ‬حال‭.‬

‭(‬للشاعر‭ ‬السوداني‭ ‬المبدع‭ ‬عبدالقادر‭ ‬الكتيابي‭ ‬قصيدة‭ ‬اسمها‭ ‬عرض‭ ‬حال،‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬استهلالها‭:‬

سيدي‭.. ‬يا‭ ‬محضَ‭ ‬روحِ‭ ‬الصدقِ‭.. ‬يا‭ ‬خيرَ‭ ‬البريةْ

‭ ‬زادك‭ ‬اللهُ‭ ‬صلاةً‭ ‬في‭ ‬سلام‭ ‬في‭ ‬مقاماتٍ‭ ‬سَنيّةْ

ثمَّ‭ ‬آلَ‭ ‬البيتِ‭ ‬والأصحابَ‭ ‬ـ‭ ‬أحبابي‭ ‬وأُهديك‭ ‬التحيَّةْ

ثمَّ‭ ‬أمَّا‭ ‬بعد‭:.......‬

لأكثر‭ ‬من‭ ‬قرن‭ ‬كنت‭ ‬تجد‭ ‬أمام‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المكاتب‭ ‬الحكومية،‭ ‬ودور‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬خاص،‭ ‬أشخاصا‭ ‬مهنتهم‭ ‬هي‭ ‬كتابة‭ ‬العرائض‭ ‬التي‭ ‬صار‭ ‬اسمها‭ ‬مذكرات‭. ‬أذكر‭ ‬أنني‭ ‬ذهبت‭ ‬ذات‭ ‬مرة‭ ‬الى‭ ‬المحكمة‭ ‬الشرعية‭ ‬في‭ ‬الخرطوم‭ ‬لتوثيق‭ ‬توكيل‭ ‬مني‭ ‬لشخص‭ ‬ما،‭ ‬وفي‭ ‬مدخل‭ ‬المبنى‭ ‬سألت‭ ‬أحدهم‭ ‬عن‭ ‬القسم‭ ‬المختص‭ ‬بالتوثيق‭ ‬فطلب‭ ‬مني‭ ‬أن‭ ‬أريه‭ ‬الورقة‭ ‬التي‭ ‬كتبت‭ ‬فيها‭ ‬نص‭ ‬التوكيل،‭ ‬ثم‭ ‬قرأها‭ ‬على‭ ‬عجل‭ ‬وقال‭: ‬ما‭ ‬ينفع‭.. ‬التوكيل‭ ‬لا‭ ‬يكتب‭ ‬بهذه‭ ‬الطريقة‭.. ‬انتزعت‭ ‬الورقة‭ ‬من‭ ‬يده‭ ‬وأنا‭ ‬أغلي‭ ‬من‭ ‬الغيظ‭: ‬من‭ ‬تكون‭ ‬أنت‭ ‬أيها‭ ‬التعبان‭ ‬أمامي‭ ‬انا‭ ‬خريج‭ ‬الجامعة‭ ‬حتى‭ ‬تحكم‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬أكتبه‭ ‬بأنه‭ ‬‮«‬ما‭ ‬ينفع‮»‬‭.. ‬المهم‭ ‬دخلت‭ ‬على‭ ‬الموظف‭ ‬المختص‭ ‬وقدمت‭ ‬له‭ ‬التوكيل‭ ‬فألقى‭ ‬عليه‭ ‬نظرة‭ ‬وطلب‭ ‬مني‭ ‬ان‭ ‬أذهب‭ ‬الى‭ ‬أحد‭ ‬كتاب‭ ‬العرائض‭ ‬الجالسين‭ ‬تحت‭ ‬الأشجار‭ ‬كي‭ ‬يكتب‭ ‬لي‭ ‬نصا‭ ‬بديلا‭. ‬لمح‭ ‬نظرات‭ ‬الاستنكار‭ ‬على‭ ‬وجهي‭ ‬فقال‭ ‬لي‭: ‬هؤلاء‭ ‬الجماعة‭ ‬يعرفون‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأشياء‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬صغار‭ ‬القضاة،‭ ‬وفعلا‭ ‬دفعت‭ ‬عشرة‭ ‬قروش‭ ‬لأحدهم‭ ‬وكتب‭ ‬لي‭ ‬‮«‬التوكيل‮»‬‭ ‬بلغة‭ ‬سليمة‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬بعض‭ ‬مفرداتها‭ ‬عجيبة‭.. ‬مثلا‭ ‬في‭ ‬السطر‭ ‬الأول‭ ‬‮«‬أنا‭ ‬جعفر‭ ‬عباس‭ ‬الذكر‭ ‬البالغ‭...‬‮»‬‭ ‬ابتسمت‭ ‬على‭ ‬خفيف‭ ‬في‭ ‬تهكم‭: ‬يعني‭ ‬جعفر‭ ‬عباس‭ ‬حيكون‭ ‬فتاة‭ ‬قاصر؟

في‭ ‬العاصمة‭ ‬القطرية‭ ‬الدوحة‭ ‬كانت‭ ‬كتابة‭ ‬العرائض‭ ‬وتعبئة‭ ‬الاستمارات‭ ‬نشاطا‭ ‬يحتكره‭ ‬السودانيون،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬ممكنا‭ ‬لأحد‭ ‬دخول‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬كفيل‭ ‬سوداني‭. ‬كانت‭ ‬لديهم‭ ‬أكشاك‭ ‬في‭ ‬مواقع‭ ‬كثيرة‭ ‬وقرب‭ ‬مكاتب‭ ‬حكومية‭ ‬بعينها‭. ‬واختفوا‭ ‬الآن‭.. ‬والله‭ ‬يجازي‭ ‬الهاتف‭ ‬الجوال‭ ‬الذي‭ ‬عصف‭ ‬بالتراسل‭ ‬والكتابة‭ ‬بأكثر‭ ‬مما‭ ‬فعل‭ ‬الكمبيوتر‭ ‬والانترنت،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬ضحاياه‭ ‬الأوراق‭ ‬والأقلام،‭ ‬بل‭ ‬أيضا‭ ‬الآلة‭ ‬الكاتبة‭ (‬التايبرايتر‭)‬،‭ ‬وهناك‭ ‬جيل‭ ‬كامل‭ ‬لم‭ ‬يسمع‭ ‬بالرونيو،‭ ‬آلة‭ ‬النسخ‭ ‬الكربونية‭. ‬في‭ ‬السودان‭ ‬أصدر‭ ‬الإنجليز‭ ‬قرارا‭ ‬في‭ ‬ثلاثينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬يمنع‭ ‬إدخال‭ ‬الآلات‭ ‬الكاتبة‭ ‬إلا‭ ‬بموجب‭ ‬ترخيص‭ ‬من‭ ‬وزارة‭ ‬الداخلية،‭ ‬وكان‭ ‬ذلك‭ ‬لأن‭ ‬أحزاب‭ ‬الحركة‭ ‬الوطنية‭ ‬كانت‭ ‬تستخدمها‭ ‬لكتابة‭ ‬المنشورات‭ ‬السياسية‭ ‬السرية‭ ‬المطالبة‭ ‬بالاستقلال،‭ ‬وجاء‭ ‬الاستقلال‭ ‬وظل‭ ‬الحظر‭ ‬على‭ ‬الآلات‭ ‬الكاتبة‭ ‬قائما‭ ‬حتى‭ ‬قبل‭ ‬سنوات‭. ‬في‭ ‬ثمانينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬أيضا‭ ‬اكتشف‭ ‬موظف‭ ‬في‭ ‬وزارة‭ ‬المالية‭ ‬المصرية‭ ‬ان‭ ‬حكومة‭ ‬بلاده‭ ‬ظلت‭ ‬تدفع‭ ‬جزية‭ ‬الى‭ ‬الباب‭ ‬العالي‭ (‬السلطان‭ ‬العثماني‭) ‬في‭ ‬استنبول‭ ‬رغم‭ ‬انقطاع‭ ‬علاقة‭ ‬مصر‭ ‬بالدولة‭ ‬التركية‭ ‬عشرات‭ ‬السنين‭.‬

نشرت‭ ‬صحيفة‭ ‬تايمز‭ ‬اللندنية‭ ‬تقريرا‭ ‬طريفا‭ ‬عن‭ ‬كاتب‭ ‬رسائل‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬مومباي‭ (‬بومباي‭) ‬اسمه‭ ‬جي‭ ‬بي‭ ‬ساوانت،‭ ‬يشكو‭ ‬من‭ ‬سوء‭ ‬الحال‭ ‬بعد‭ ‬تطفل‭ ‬الموبايل‭ ‬على‭ ‬مهنته‭.. ‬وبات‭ ‬يهدد‭ ‬النساء‭ ‬اللواتي‭ ‬كان‭ ‬يكتب‭ ‬لهن‭ ‬الرسائل‭ ‬بإفشاء‭ ‬أسرارهن،‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يلجأن‭ ‬اليه‭ ‬مجددا‭ ‬للتواصل‭ ‬مع‭ ‬ذويهن‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬أنحاء‭ ‬الهند‭.. ‬وقد‭ ‬تم‭ ‬اعتقاله‭ ‬بتهمة‭ ‬الابتزاز‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا