زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
الهواتف والجفاء الاجتماعي
في كل عيد يحز في نفسي ان ألاحظ ان عدد ضيوفي يتناقص من عام إلى آخر، فبعد التفشي الوبائي للهواتف، صار كثيرون يكتفون برفع السماعة و«كل سنة وأنتم طيبون.. ويعود علينا وعليكم بالخير.. عساكم من عواده»، ثم جاء الهاتف الجوال وانقطعت الاتصالات الهاتفية الصوتية وانتشرت موضة رسائل التهاني المسجوعة. وتصلك رسالة حلوة فتحولها انت إلى غيرك، وهكذا تبدأ رسالة ما انطلاقتها من المنامة مثلا وتصل بنصها وحروفها الى أشخاص لا يتعارفون في اليابان وكندا والشيشان، وكانت رسائل الهاتف الجوال النصية عبر واتساب ومسنجر وغيره من التطبيقات التي توصف بالذكاء هي المسمار الأخير في نعش كتابة العرائض/ المعاريض. وهي نصوص تتعلق في غالب الأحيان بأمر مخاطبة جهة عليا او قضائية لـ«عرض الحال»، ومن ثم نسميها في السودان ومصر عرض حال.
(للشاعر السوداني المبدع عبدالقادر الكتيابي قصيدة اسمها عرض حال، جاء في استهلالها:
سيدي.. يا محضَ روحِ الصدقِ.. يا خيرَ البريةْ
زادك اللهُ صلاةً في سلام في مقاماتٍ سَنيّةْ
ثمَّ آلَ البيتِ والأصحابَ ـ أحبابي وأُهديك التحيَّةْ
ثمَّ أمَّا بعد:.......
لأكثر من قرن كنت تجد أمام عدد من المكاتب الحكومية، ودور القضاء على نحو خاص، أشخاصا مهنتهم هي كتابة العرائض التي صار اسمها مذكرات. أذكر أنني ذهبت ذات مرة الى المحكمة الشرعية في الخرطوم لتوثيق توكيل مني لشخص ما، وفي مدخل المبنى سألت أحدهم عن القسم المختص بالتوثيق فطلب مني أن أريه الورقة التي كتبت فيها نص التوكيل، ثم قرأها على عجل وقال: ما ينفع.. التوكيل لا يكتب بهذه الطريقة.. انتزعت الورقة من يده وأنا أغلي من الغيظ: من تكون أنت أيها التعبان أمامي انا خريج الجامعة حتى تحكم على ما أكتبه بأنه «ما ينفع».. المهم دخلت على الموظف المختص وقدمت له التوكيل فألقى عليه نظرة وطلب مني ان أذهب الى أحد كتاب العرائض الجالسين تحت الأشجار كي يكتب لي نصا بديلا. لمح نظرات الاستنكار على وجهي فقال لي: هؤلاء الجماعة يعرفون في هذه الأشياء أكثر من صغار القضاة، وفعلا دفعت عشرة قروش لأحدهم وكتب لي «التوكيل» بلغة سليمة وإن كانت بعض مفرداتها عجيبة.. مثلا في السطر الأول «أنا جعفر عباس الذكر البالغ...» ابتسمت على خفيف في تهكم: يعني جعفر عباس حيكون فتاة قاصر؟
في العاصمة القطرية الدوحة كانت كتابة العرائض وتعبئة الاستمارات نشاطا يحتكره السودانيون، ولم يكن ممكنا لأحد دخول هذا المجال من دون كفيل سوداني. كانت لديهم أكشاك في مواقع كثيرة وقرب مكاتب حكومية بعينها. واختفوا الآن.. والله يجازي الهاتف الجوال الذي عصف بالتراسل والكتابة بأكثر مما فعل الكمبيوتر والانترنت، ولم يكن ضحاياه الأوراق والأقلام، بل أيضا الآلة الكاتبة (التايبرايتر)، وهناك جيل كامل لم يسمع بالرونيو، آلة النسخ الكربونية. في السودان أصدر الإنجليز قرارا في ثلاثينيات القرن الماضي يمنع إدخال الآلات الكاتبة إلا بموجب ترخيص من وزارة الداخلية، وكان ذلك لأن أحزاب الحركة الوطنية كانت تستخدمها لكتابة المنشورات السياسية السرية المطالبة بالاستقلال، وجاء الاستقلال وظل الحظر على الآلات الكاتبة قائما حتى قبل سنوات. في ثمانينيات القرن الماضي أيضا اكتشف موظف في وزارة المالية المصرية ان حكومة بلاده ظلت تدفع جزية الى الباب العالي (السلطان العثماني) في استنبول رغم انقطاع علاقة مصر بالدولة التركية عشرات السنين.
نشرت صحيفة تايمز اللندنية تقريرا طريفا عن كاتب رسائل في مدينة مومباي (بومباي) اسمه جي بي ساوانت، يشكو من سوء الحال بعد تطفل الموبايل على مهنته.. وبات يهدد النساء اللواتي كان يكتب لهن الرسائل بإفشاء أسرارهن، ما لم يلجأن اليه مجددا للتواصل مع ذويهن في مختلف أنحاء الهند.. وقد تم اعتقاله بتهمة الابتزاز.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك