العدد : ١٧٦٦٢ - السبت ٠١ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٨ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٦٢ - السبت ٠١ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٨ صفر ١٤٤٨هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

عن نساء بلدتنا الماجدات

عندما‭ ‬بلغت‭ ‬الصف‭ ‬الثالث‭ ‬من‭ ‬المرحلة‭ ‬الابتدائية،‭ ‬كنت‭ ‬كرصفائي‭ ‬قادرا‭ ‬على‭ ‬الكتابة‭ ‬والقراءة‭ ‬بدرجة‭ ‬طيبة،‭ ‬وكنت‭ ‬بذلك‭ ‬قد‭ ‬صرت‭ ‬هدفا‭ ‬لرجل‭ ‬أضفى‭ ‬على‭ ‬نفسه‭ ‬لقب‭ ‬شيخ،‭ ‬لا‭ ‬لأمرٍ‭ ‬سوى‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬أقلية‭ ‬ضئيلة‭ ‬جدا‭ ‬تعرف‭ ‬القراءة‭ ‬والكتابة،‭ ‬واستهدفني‭ ‬الرجل،‭ ‬لأن‭ ‬جاراتنا‭ ‬في‭ ‬الحي‭ ‬صرن‭ ‬يلجأن‭ ‬لي‭ ‬ولزملائي‭ ‬في‭ ‬المدرسة‭ ‬لنكتب‭ ‬لهن‭ ‬رسائل‭ ‬إلى‭ ‬أزواجهن‭ ‬او‭ ‬أولادهن‭ ‬المهاجرين‭ ‬بحثا‭ ‬عن‭ ‬عمل‭ ‬في‭ ‬أنحاء‭ ‬مختلفة‭ ‬من‭ ‬السودان‭ ‬ومصر‭ ‬والسعودية‭. ‬وكان‭ ‬دخولنا‭ ‬سوق‭ ‬كتابة‭ ‬الرسائل‭ ‬خطرا‭ ‬على‭ ‬حضرة‭ ‬الشيخ‭ ‬لأننا‭ ‬كنا‭ ‬نكتبها‭ ‬بدون‭ ‬مقابل،‭ ‬بل‭ ‬بكل‭ ‬سرور‭ ‬لنستعرض‭ ‬قدراتنا‭ ‬اللغوية،‭ ‬وكان‭ ‬الشيخ‭ ‬لا‭ ‬يكتب‭ ‬رسالة‭ ‬لأحد‭ ‬إلا‭ ‬بموجب‭ ‬موعد‭ ‬مسبق،‭ ‬وكان‭ ‬ذلك‭ ‬لضمان‭ ‬أن‭ ‬‮«‬طالبة‮»‬‭ ‬الرسالة‭ ‬ستجد‭ ‬الوقت‭ ‬الكافي‭ ‬لتقوم‭ ‬بالواجب‭ ‬نحوه‭ (‬الشيخ‭) ‬والواجب‭ ‬كان‭ ‬صينية‭ ‬طعام‭ ‬دسمة،‭ ‬وربما‭ ‬قطعة‭ ‬نقدية‭ ‬معدنية‭. ‬وكانت‭ ‬للشيخ‭ ‬صيغة‭ ‬ثابتة‭ ‬في‭ ‬استهلال‭ ‬كل‭ ‬رسالة‭: ‬السلام‭ ‬عليكم‭ ‬ورحمة‭ ‬الله‭ ‬وبركاته‭. ‬نشتاق‭ ‬اليكم‭ ‬اشتياق‭ ‬الطير‭ ‬الى‭ ‬أعشاشها‭ ‬واشتياق‭ ‬الصائم‭ ‬للغروب،‭ ‬وإن‭ ‬سألتم‭ ‬عنا‭ ‬فنحن‭ ‬والحمد‭ ‬لله‭ ‬بخير‭ ‬ولا‭ ‬ينقصنا‭ ‬سوى‭ ‬عدم‭ ‬مشاهدتكم‭ ‬الغالية‭ (‬مع‭ ‬ان‭ ‬العبارة‭ ‬تعني‭ ‬أن‭ ‬مشاهدتكم‭ ‬لا‭ ‬تفرِق‭ ‬معنا‭ ‬ولو‭ ‬قال‭ ‬‮«‬لا‭ ‬تنقصنا‭ ‬سوى‭ ‬مشاهدتكم‮»‬‭ ‬لاستقام‭ ‬المعنى‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يبتغيه‭). ‬وكانت‭ ‬الرسائل‭ ‬كلها‭ ‬تنتهي‭ ‬عنده‭ ‬بـ«ويغريكم‭ ‬السلام‭ ...‬‮»‬‭ ‬ويلي‭ ‬ذلك‭ ‬طابور‭ ‬من‭ ‬الأسماء،‭ ‬معظمها‭ ‬نسوية‭. ‬يغريكم‭ ‬السلام‭ ‬تحريف‭ ‬لـ‮«‬يقرئكم‭ ‬السلام‮»‬،‭ ‬وبصراحة‭ ‬كنت‭ ‬أيضا‭ ‬اكتبها‭ ‬بتلك‭ ‬الطريقة‭ ‬الخطأ‭ ‬بسبب‭ ‬علة‭ ‬في‭ ‬العامية‭ ‬السودانية‭ ‬في‭ ‬عدم‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬الغين‭ ‬والقاف‭ (‬ونحن‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬أفضل‭ ‬حالا‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬الشعوب‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬تنعكس‭ ‬عاداتها‭ ‬في‭ ‬الكلام‭ ‬العامي‭ ‬على‭ ‬كتاباتها‭ ‬بالفصحى‭).‬

كلما‭ ‬تذكرت‭ ‬تلك‭ ‬الحقبة‭ ‬من‭ ‬عمري،‭ ‬أحسست‭ ‬باحترام‭ ‬عميق‭ ‬وجارف‭ ‬لنساء‭ ‬منطقتنا‭. ‬نعم‭ ‬كل‭ ‬بيوتنا‭ ‬قريبة‭ ‬جدا‭ ‬من‭ ‬النيل،‭ ‬ولكن‭ ‬مساحة‭ ‬الرقعة‭ ‬المزروعة‭ ‬عندنا‭ ‬ضيقة‭ ‬جدا‭ ‬لأن‭ ‬الصحراء‭ ‬الكبرى‭ ‬والتلال‭ ‬الصخرية‭ ‬تكاد‭ ‬تبتلع‭ ‬النيل‭ ‬نفسه‭. ‬وكثيرون‭ ‬يعتبرون‭ ‬الصعايدة‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬رعناء‭ ‬ومندفعين‭ ‬لأنهم‭ ‬يتعاركون‭ ‬بالسلاح‭ ‬على‭ ‬قطعة‭ ‬أرض‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تزيد‭ ‬مساحتها‭ ‬على‭ ‬12‭ ‬مترا‭ ‬مربعا‭. ‬ولكن‭ ‬من‭ ‬يعرف‭ ‬قسوة‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬الريف‭ ‬مثلي‭ ‬يجد‭ ‬العذر‭ ‬للصعايدة‭ ‬في‭ ‬انفعالاتهم‭ ‬المفرطة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬أمر‭ ‬يتعلق‭ ‬بالأرض‭. ‬دعوني‭ ‬أعطيكم‭ ‬مثالا‭ ‬بسيطا‭: ‬عندما‭ ‬كنت‭ ‬صغيرا‭ ‬كانت‭ ‬أرض‭ ‬جديّ‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬الأب‭ ‬والأم‭ ‬تبلغ‭ ‬آلاف‭ ‬الأمتار‭ ‬المربعة‭ ‬الخصبة،‭ ‬ولو‭ ‬أردنا‭ ‬اليوم‭ ‬تقاسم‭ ‬تلك‭ ‬الأرض‭ ‬أنا‭ ‬وابناء‭ ‬خؤولتي‭ ‬وعمومتي‭ ‬فإن‭ ‬نصيب‭ ‬الواحد‭ ‬منا‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يزيد‭ ‬على‭ ‬مساحة‭ ‬قبر،‭ ‬فما‭ ‬بالك‭ ‬بمن‭ ‬لم‭ ‬يرثوا‭ ‬أصلا‭ ‬أرضا‭ ‬كبيرة‭ ‬المساحة‭ ‬وهم‭ ‬الغالبية؟‭ ‬وهكذا‭ ‬فإن‭ ‬ضيق‭ ‬الأراضي‭ ‬الصالحة‭ ‬للزراعة‭ ‬حمل‭ ‬معظم‭ ‬رجال‭ ‬بلدتنا‭ ‬على‭ ‬الهجرة‭ ‬تاركين‭ ‬امر‭ ‬تربية‭ ‬وتنشئة‭ ‬العيال‭ ‬لزوجاتهم،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬سوق‭ ‬رائج‭ ‬لكتابة‭ ‬الرسائل‭. ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬هجرة‭ ‬مثل‭ ‬هجرتنا‭ ‬نحن‭ ‬الذين‭ ‬أسعدنا‭ ‬الحظ‭ ‬بالعثور‭ ‬على‭ ‬وظائف‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬غنية،‭ ‬بل‭ ‬الى‭ ‬مدن‭ ‬تعبانة‭ ‬في‭ ‬وسط‭ ‬السودان‭ ‬كعمال‭ ‬بأجور‭ ‬هزيلة‭ ‬لا‭ ‬تسمح‭ ‬لهم‭ ‬باستقدام‭ ‬عائلاتهم‭. ‬أبي‭ ‬مثلا،‭ ‬قرر‭ ‬وهو‭ ‬شاب‭ ‬في‭ ‬نحو‭ ‬التاسعة‭ ‬عشرة‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬طائل‭ ‬من‭ ‬عمله‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الزراعة،‭ ‬ومن‭ ‬دون‭ ‬إبلاغ‭ ‬كبار‭ ‬العائلة‭ ‬هرب‭ ‬الى‭ ‬مصر‭ ‬سيرا‭ ‬على‭ ‬الأقدام‭. ‬وصل‭ ‬الى‭ ‬أسوان‭ ‬بعد‭ ‬مسيرة‭ ‬نحو‭ ‬شهر‭ ‬ومن‭ ‬هناك‭ ‬أخذ‭ ‬القطار‭ ‬الى‭ ‬الاسكندرية‭ ‬حيث‭ ‬شقيقه‭ ‬الأكبر‭ ‬الذي‭ ‬ضربه‭ ‬وأمره‭ ‬بالعودة‭ ‬فورا‭ ‬الى‭ ‬‮«‬البلد‮»‬‭ ‬بعد‭ ‬ان‭ ‬زوده‭ ‬بقيمة‭ ‬التذاكر‭ ‬بالقطار،‭ ‬وغادر‭ ‬أبي‭ ‬مصر‭ ‬ولكنه‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬ان‭ ‬يعود‭ ‬الى‭ ‬بلدتنا‭ ‬واصل‭ ‬الرحلة‭ ‬الى‭ ‬الخرطوم،‭ ‬حيث‭ ‬عمل‭ ‬في‭ ‬البواخر‭ ‬النيلية‭ (‬وهكذا‭ ‬صارت‭ ‬عائلتنا‭ ‬برجوازية‭ ‬لأن‭ ‬والدي‭ ‬كان‭ ‬يتقاضى‭ ‬راتبه‭ ‬نقدا‭ ‬بينما‭ ‬غيره‭ ‬من‭ ‬الآباء‭ ‬كان‭ ‬يقايض‭ ‬المحاصيل‭ ‬بالسلع‭ ‬الضرورية‭).‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا