كثيرا ما يتساءل من يملك مبلغا مقبولا من المال: أين يمكن أن يستثمر هذا المبلغ؟ هل هو أساسا مناسب للاستثمار؟ هل يمكن لهذا المبلغ أن يحقق فعلا أي نوع من العائد الثابت؟ هل العقار هو الخيار الأمثل؟
الخبير العقاري أشرف علام يتناول هذا الجانب في قناته «المخبر العقاري»، مقدما نصائح للطرق الصحيحة للاستثمار العقاري، وبعض الاشتراطات والمفاهيم التي ان لم تكن متوافرة لديك فمن الأفضل أن تبتعد عن الاستثمار العقاري.
أول ما يركز عليه الخبير العقاري أشرف علام هو التأكيد بأن المطورين العقاريين في الأسواق التي تعاني من ضغوط اقتصادية، أو تلك التي تشهد أسواقها العقارية نشاطاً في عمليات الشراء بسبب التضخم، يعتمدون على حقيقة أن التضخم يخيف الناس ويدفعهم دائماً إلى الاتجاه نحو العقار، لأن العقار أحد الأصول الملموسة التي يُفترض أنها تحتفظ بقيمتها. فالسيارة مثلا أصل ملموس، ولكن بمجرد شرائها تخسر ما لا يقل عن 10% من قيمتها.
لهذا السبب يستهدف المطورون الأشخاص الذين لديهم مبالغ مالية صغيرة ويشعرون بالخوف على أموالهم ويشجعونهم لشراء عقار؛ أي ان الموضوع في النهاية عبارة عن خطة مدروسة، وأنت تكون الهدف الأساسي لهذه الخطة.
وهنا، قبل ان تقدم على أي خطوة، يجب أن تعرف من أنت، وما موقعك في السوق. فلا يعني أن لديك مبلغا من المال، أنك أصبحت مستثمراً عقارياً أو أنك أصبحت مؤهلاً للاستثمار العقاري، وخاصة أن أي مبلغ، لم يعد كبيراً كما كان في السابق. وبالتالي عليك أن تفهم أن المستثمر العقاري الناجح يبحث عن أمور محددة يفهمها ويفهم السوق أيضا. والأفضل ان يكون قد مر بتجارب سابقة، واشترى وخسر، ومر بدورات عديدة في السوق حتى وصل إلى هذه الخبرة. وبنفس الوقت لديه سيولة نقدية كبيرة ويستطيع الانتظار والصبر.
لذلك ليس كل شخص يمتلك المال يكون نجاحه مضمونا، ولذلك يجب أن تتساءل في البداية: هل أنا أفهم ما أفعله؟ أم أنني أصدق كل ما يقال لي؟ هل أمتلك «ملكة الشك» التي يجب أن تتوافر لدى أي شخص يدخل في أي نوع من أنواع الاستثمار في العالم؟ بمعنى ألا يصدق أي كلام يُقال من دون تفكير أو تحليل.
وهنا نجد بعض الأخطاء التي يقع فيها الكثيرون، منها أن تشتري لأن قيمة العقار سترتفع. وهذا أكبر خطأ وأكبر خطر، لأن ارتفاع قيمة العقار ليس أمراً مضموناً على الإطلاق، حتى لو كان العقار تابعاً لمطور معروف. فلا يوجد شيء اسمه مضمون في الاستثمار. وإذا كان هذا هو السبب الوحيد الذي يدفعك إلى الشراء، فأنت لا تصلح لهذا النوع من الاستثمار، وابحث عن شيء آخر.
لأنك يجب أن تفكر بعقلية اليوم، وليس بعقلية أن شخصاً يقول لك: هذا المكان جديد، وبعد أربع أو خمس سنوات سيكون له مستقبل كبير، ولذلك عليك أن تشتري الآن.
والأمر الآخر، لو اشتريت هذا العقار اليوم، هل تستطيع تأجيره بالمواصفات الحالية، وفي الظروف الحالية، رغم عدم وجود خدمات أو حياة كاملة حوله؟ إذا كان الجواب كلا، إذن ابتعد عنه. والحديث هنا عن الأشخاص الذين تكون ظروفهم محدودة، والذين يشترون بكل ما يملكون. لأنهم بذلك يخاطرون بكل ما يملكون.
فلا تصدق من يقول لك: سيصل الإيجار بعد خمس سنوات الى كذا مبلغ. هذا التفكير كان ممكنا في السابق في مستقبل المباني الموجودة داخل مناطق حيوية بالفعل. لكن بات الأمر مختلفا تماماً في ظل مئات وآلاف المشروعات التي يتم إطلاقها، ومئات الوحدات التي يتم تسليمها في وقت واحد. لذلك لا تدخل الاستثمار بناءً على توقعات فقط.
والأمر الآخر هو أنك يجب أن تسأل نفسك: هل أنتظر وأحتفظ بالسيولة النقدية معي وأضعها في البنك بحيث تعطيني عائداً؟ أم أن هذه الأموال قد تتآكل قيمتها مع الوقت، فأدخل بها في عقار حتى أحافظ عليها، خوفاً من أن تنهار الأسعار وتقل القيمة الشرائية للمبلغ.
إذا كان هذا هو تركيزيك، فلا تدخل إلى العقار من هذا المنطلق فقط، لأن الأمر يعتمد على نوع السيولة التي تمتلكها.
فمثلا إذا كانت لديك سيولة فائضة وتستطيع الاستغناء عن جزء منها مدة خمس أو سبع سنوات، وتستطيع دفع الأقساط، ولا توجد لديك مشكلة في الالتزامات، ففي هذه الحالة يكون التحوط عن طريق العقار خياراً جيداً.
لكن إذا كنت تمتلك سيولة نقدية قد تحتاج إليها خلال سنة أو سنتين، فعليك أن تنسى هذا الأمر تماماً.
وهنا ننتقل الى المحور التالي: من المطور الذي اشتري منه ويمكن الاعتماد عليه؟ فهناك مطورون يعلنون عددا كبيرا من المشروعات في فترة محدودة، ولكن لا يوجد مشروع واحد منها تم تسليمه. ابتعد عن هذا النوع من المطورين، وابحث عن المطور الذي يشهد تاريخه بان لديه القدرة على البناء والتنفيذ والتسليم.
والأمر الذي لا يقل أهمية عما سبق، أنه يجب أن تكون لديك استراتيجية واضحة للخروج. بمعنى هل تستطيع أن تخرج من العقد وتبيع الوحدة أثناء فترة الإنشاء؟
إذا كانت الإجابة لا، فابتعد لأنك لا تعرف ما الذي سيحدث مستقبلاً. والمشكلة ان أسهل شيء هو الدخول في أي عقد، لكن من الصعب الخروج من دون أن يتسبب في خسارة كبيرة لو دفعتك الظروف الى ذلك. وقد تخسر أموالك بالكامل.
وبعدها يأتي المحور التالي وهو أن الكثير من الأسواق العقارية بات يضم سوقين مختلفين، الأول هو سوق القدرة الشرائية الإقليمية والمعيار الدولي، ويعني ذلك وجود مشروعات ضخمة واستثمارات أجنبية، وشركات تطوير عقاري من الخارج وتدخل بالشراكة مع مطورين محليين باستثمارات كبيرة في مشروعات قوية للغاية تستهدف شريحة مختلفة من العملاء ولا تعتمد فقط على السوق المحلي، وإنما على وجود طلب إقليمي ودولي.
وهنا يجب أن نفهم أن هذا النوع من المشروعات له طبيعة مختلفة تماماً عن المشروعات التي كانت تعتمد في السابق على العميل المحلي فقط. فالمطور الذي يعمل في هذه المشروعات تكون لديه حسابات مختلفة، سواء من ناحية التصميم أو الخدمات أو مستوى التنفيذ أو التسويق.
في حين ان هناك سوقا آخر وهو السوق المحلي التقليدي الذي يعتمد بشكل أساسي على قدرة المواطن أو المقيم على الشراء، وعلى مستوى الدخل والقدرة على تحمل الأقساط.
والمشكلة أن البعض يتعاملون مع المشروعات العقارية وكأنها متشابهة، بينما الحقيقة أن هناك اختلافاً كبيراً بين مشروع يستهدف مستثمراً دولياً لديه قدرة مالية كبيرة، وبين مشروع يعتمد على شخص يشتري بكل ما يملك من مدخرات.
أضف الى ما سبق، أن كثيراً من الناس يدخلون السوق العقاري بسبب الخوف من التضخم وفقدان قيمة الأموال أو الخوف من ضياع فرصة الشراء، وليس بسبب وجود دراسة حقيقية. وهي مشاعر يستغلها السوق أحياناً لدفع الناس إلى اتخاذ قرارات سريعة. لكن القرار الاستثماري الصحيح يجب أن يبنى على أرقام ودراسة، وليس على الخوف أو الطمع. وهذا ما يعني انه يجب ان تسأل: ما الهدف من شراء هذه الوحدة؟ هل أريد سكناً؟ هل أريد دخلاً إيجارياً؟ هل أريد الاحتفاظ بالأصل فترة طويلة؟ هل لدي القدرة على تحمل الالتزامات؟ هل أعرف كيف سأخرج من الاستثمار إذا احتجت إلى السيولة؟
إذا لم تكن لديك إجابات واضحة عن هذه الأسئلة، فأنت لا تقوم باستثمار، وإنما تدخل في مخاطرة. لان أهم أمر في الاستثمار العقاري هو أن تفهم طبيعة الأصل الذي تشتريه، وأن تعرف السوق الذي تدخل إليه، وأن تدرك أن العقار ليس مجرد حائط ومكان، وإنما هو منظومة كاملة تعتمد على الموقع، والطلب الحقيقي، والخدمات، وقدرة المنطقة على جذب السكان أو المستثمرين.
فليس كل عقار يصلح للاستثمار، وليس كل ارتفاع في الأسعار يعني أن هناك قيمة حقيقية خلف هذا الارتفاع. فأحياناً ترتفع الأسعار بسبب ظروف مؤقتة، أو بسبب موجة شراء، أو بسبب توقعات الناس، لكن عندما تتغير الظروف قد يكتشف البعض أن السعر الذي دفعه لم يكن يعكس القيمة الحقيقية للعقار.
لذلك المستثمر العقاري المحترف لا يسأل فقط: كم سيرتفع سعر الوحدة؟
بل يسأل: هل هناك طلب حقيقي على هذه الوحدة؟ من سيشتريها مني إذا أردت البيع؟
من سيستأجرها إذا أردت تحقيق دخل منها؟ ما الذي يجعل هذا العقار مختلفاً عن آلاف الوحدات الأخرى الموجودة في السوق؟
أما الشخص الذي يدخل لأنه سمع أن الأسعار سترتفع فقط، فهو لا يستثمر، بل يعتمد على التوقع والحظ. والفرق كبير بين الاستثمار والمضاربة.
وفي النهاية، يجب أن تعرف أن العقار يمكن أن يكون وسيلة ممتازة لحفظ الثروة وتنميتها، ولكن بشرط أن يتم التعامل معه بطريقة صحيحة.
وليس كل شراء عقار استثماراً ناجحاً، وليس كل من دخل السوق العقاري أصبح مستثمراً.
ويتابع الخبير العقاري أشرف علام: هناك أيضاً خطأ شائع يقع فيه الكثير من الناس، وهو أنهم يقارنون أنفسهم بالمستثمرين الكبار بكأن يرى شخصاً متمكنا يدخل في مشروع معين، فيعتقد أن دخوله في المشروع نفسه سيكون قراراً صحيحاً.
لكن الفرق كبير. فالمستثمر الكبير لديه قدرة على تحمل المخاطر، ولديه سيولة متعددة، وإذا حدثت مشكلة في مشروع معين فلن تتأثر كل ثروته. أما الشخص الذي يضع كل مدخراته في وحدة واحدة، فإن أي خطأ قد يؤثر عليه بشكل كبير.
ومن الأخطاء أيضاً أن البعض يشتري بناءً على العاطفة. فقد يعجب بالمشروع، أو يعجبه التصميم، أو يتأثر بطريقة العرض والتسويق، فيتخذ القرار بسرعة.
لكن القرار الاستثماري لا يجب أن يكون عاطفياً. فالاستثمار يحتاج إلى أرقام: كم سأدفع؟ كم سيكون العائد؟ ما حجم المخاطر؟ ما البدائل الموجودة؟ ماذا لو احتجت إلى البيع؟
وهذا ما يقودنا الى مسالة مهمة جدا وهي التسهيلات طويلة الأمد التي يعتقد الكثيرون أنها فرصة ممتازة. في حين أنها قد تكون وسيلة لجعل السعر يبدو مناسباً، بينما القيمة الحقيقية للعقار قد لا تكون متوافقة مع السعر المطلوب.
فليس المهم فقط أن تستطيع دفع القسط الشهري، بل المهم أن تعرف: هل العقار يستحق القيمة التي سأدفعها؟
فيجب أن ندرك أن الاستثمار العقاري ليس مجرد عملية شراء وبيع، وإنما هو علم له قواعد وأصول. والشخص الذي يدخل السوق العقاري يجب أن يتعامل معه بعقلية المستثمر، وليس بعقلية الشخص الذي يبحث عن فرصة سريعة أو مكسب مضمون.
كذلك يجب الانتباه إلى أن العقار ليس سيولة نقدية، فالمال الموجود في البنك يمكن استخدامه في أي وقت، أما العقار فقد يحتاج إلى وقت حتى يتم بيعه وتحويله إلى سيولة. ما يعني أنك عندما تضع أموالك في عقار، يجب أن تكون مدركاً أنك قد لا تستطيع استرجاعها بسرعة إذا احتجت إليها.
وهنا يجب التركيز أيضا على نقطة يغفل عنها كثير من المشترين، وهي كلفة امتلاك العقار. فالبعض ينظر فقط إلى سعر الشراء، لكنه لا يحسب المصاريف الأخرى مثل: رسوم الصيانة وتكاليف الإدارة وتكاليف التسويق إذا أراد التأجير أو البيع والضرائب أو الرسوم المرتبطة بالعقار إن وجدت. كل هذه الأمور تؤثر في العائد الحقيقي للاستثمار.
كذلك.. من المهم أن تعرف أن السوق العقاري لا يعمل بطريقة واحدة في كل الأوقات. فما كان صحيحاً قبل سنوات قد لا يكون صحيحاً اليوم. والظروف الاقتصادية تتغير، وأسعار الفائدة تتغير، ومستويات التضخم تتغير، وقدرة الناس على الشراء تتغير. ولهذا فإن المستثمر الناجح هو الشخص الذي يراقب هذه المتغيرات ولا يعتمد على تجارب الماضي فقط.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك