زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
أي نوع من البشر هؤلاء؟
لن أستغرب وأتعجب كثيرا لو اعتدى علي مجرم لسرقة شيء يخصني، وأن يضربني شخص لمجرد اختلافنا حول نتيجة مباراة في كرة القدم، وأن يطعنني صبي من عيال الخواجات لأن لون بشرتي لا يعجبه، أو لأنني مسلم. بل وأفهم ان يضرب الناس عيالهم إذا أخطأوا ضربا خفيفا او عنيفا، بل أعرف ان كثيرين يضربون عيالهم من دون ان يكونوا قد ارتكبوا خطأ يستوجب أي قدر من العقاب، فهناك آباء تركبهم العفاريت بمجرد دخولهم الى بيوتهم. ويصادرون حرية العيال في الحركة والكلام، ولا يريدون سماع صوت أحد، ولا حتى إذا كان هذا «الأحد» طفلا يشكو من ألم بسبب علة ما. نعم فهناك أناس مجبولون على القسوة، وتستفزهم أمور يراها غيرهم عادية، ويستخدمون أيديهم ونعالهم وكل ما يقع في أيديهم لإيذاء الآخرين. وبعض الناس يتمتع بحصانة ضد الكلمة الطيبة، فلا يلقون التحية ولا يردون التحية، وخلع الضرس بدون بنج «أبرد» على قلب من هو على هذه الشاكلة، من ان يقول «شكرا» لشخص أسدى اليه معروفا.
ما قولك في ذلك الفلسطيني في مدينة الخليل الذي حبس ولدا وبنتا ولدا بإعاقات ذهنية في حظيرة الأغنام طوال أكثر من 40 سنة بعيدا عن أعين الناس وكان الولد قد تجاوز الخمسين، ولما عثروا عليهما كانا عريانين تماما ويمشيان على أربع مثل البهائم وبداهة لم يتسن لأي منهما حتى غسل يديه طوال تلك السنوات- دعك من الاستحمام والاستنجاء بعد إفراغ محتويات الجهاز الهضمي او المثانة. وكان الأب يؤم أهل الحي في الصلوات في المسجد أحيانا. وبرر فعلته بأنه أرد حمايتهما! ومن يحميهما منك وأنت السجان؟ وفي تقديري فإن هذا الرجل الفظ اعتبر كون عياله يعانون من إعاقات سُبَّة اجتماعية تقلل من «البرستيج». وهو أمر يعنى به الأشخاص الجوف كثيرا.
ولنذهب إلى باكستان حيث عثرت السلطات على رجل في الستين ظل مقيدا بالسلاسل طوال 52 سنة، ومن قيده هو أبوه. كان الضحية طفلا عندما قرر أبوه ربطه بالقيود الحديدية حتى لا يعرف الجيران أن لديه ابنا يعاني من إعاقة ذهنية، وأبلغ الجيران قبل عقود ان الولد توفي. بينما من «توفي» هو ضميره وحسه الأبوي والإنساني. وفي 23 سبتمبر من العام الماضي قضت محكمة أمريكية بسجن السيدة جوان هيل مدى الحياة بعد إدانتها بقتل ابنتها الوحيدة. بأي ذنب قتلت؟ كانت تعاني من نوع خفيف من الشلل الدماغي جعلها عاجزة عن المشي إلا مستندة الى عصي معدنية. كانت الصغيرة نيومي مرحة وتحرص على الذهاب الى المدرسة رغم معاناتها. أمها جوان هيل كانت تعمل مديرة تنفيذية في شركة إعلانات ورأت ان ابنتها نيومي عبء على مركزها ومكانتها الاجتماعية (البرسيتج). فدعتها ذات يوم الى الاستحمام، وملأت الحوض بالماء، وما ان دخلت فيه نيومي حتى أمسكت الأم برقبتها وظلت تضغط عليها حتى تبقي رأسها تحت الماء لعشرين دقيقة، ثم قامت بتجفيف جسم الطفلة القتيلة ووضعتها في المقعد الخاص بها في السيارة ثم ظلت تتجول بالسيارة لعشر ساعات توقفت خلالها في عشرين حانة لتناول بضعة كؤوس من النبيذ وتبادل الضحكات مع رواد الحانات.
الإنسان السوي يتعجب عندما يسمع ان شخصا قتل آخر بسبب خلاف حول أمر مالي، فما بالك بآباء وأمهات يمارسون قسوة مفرطة تجاه أولادهم وبناتهم وخاصة إذا كان هؤلاء الأولاد والبنات بحاجة الى جرعات فوق العادة من الحنين والرعاية. لم تكن تسمية المعاق بأنه «ذو احتياجات خاصة» جزافية ومن باب تفادي استخدام كلمة معاق ذات الدلالات المحبطة، بل لأنه بشر يحس ويفرح ويتألم ولكن ينقصه شيء معين كي يمارس حياته العادية، وعبء توفير ذلك الشيء المعين يقع أولا على الوالدين، وليس على دور الرعاية والتأهيل. وهذا ما لم يدركه الثلاثة المجرمون الذين أوردت حكاياتهم مع عيالهم أعلاه.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك