العدد : ١٧٦٥٨ - الثلاثاء ٢٨ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٤ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٥٨ - الثلاثاء ٢٨ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٤ صفر ١٤٤٨هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

وعيالي أيضا ربُّوني

لسنوات‭ ‬وسنوات‭ ‬ظل‭ ‬أكبر‭ ‬أبنائي‭ ‬يعاتبني‭ ‬عندما‭ ‬يلمس‭ ‬مني‭ ‬لينا‭ ‬تجاه‭ ‬إخوته‭ ‬الذين‭ ‬يصغرونه‭ ‬سنا‭: ‬ليه‭ ‬كنت‭ ‬‮«‬تَفْ‭ ‬tough‮»‬،‭ ‬أي‭ ‬فظا‭ ‬معي،‭ ‬وصرت‭ ‬تفوت‭ ‬لهؤلاء‭ ‬الجرابيع‭ ‬غلطات‭ ‬وليس‭ ‬مجرد‭ ‬هفوات؟‭ ‬كان‭ ‬سؤاله‭ ‬وعتابه‭ ‬في‭ ‬محله،‭ ‬وكان‭ ‬ردي‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مرة،‭ ‬هو‭ ‬أنني‭ ‬كنت‭ ‬أيضا‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬الى‭ ‬من‭ ‬يربيني‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة‭ ‬التي‭ ‬صار‭ ‬لي‭ ‬فيها‭ ‬ولد‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭!! ‬أعني‭ ‬أنني‭ ‬كنت‭ ‬بلا‭ ‬خبرة‭ ‬وبالتالي‭ ‬كنت‭ ‬أقلد‭ ‬أساليب‭ ‬تربوية‭ ‬عرفتها‭ ‬بالملاحظة‭ ‬او‭ ‬القراءة،‭ ‬وكنت‭ ‬أحيانا‭ ‬أجرب‭ ‬أساليب‭ ‬خاصة‭ ‬بي،‭ ‬وربما‭ ‬كنت‭ ‬‮«‬تَف‮»‬‭ ‬وبي‭ ‬بعض‭ ‬الغلاظة‭ ‬بسبب‭ ‬عامل‭ ‬الوراثة،‭ ‬أي‭ ‬التمسك‭ ‬بنهج‭ ‬الآباء‭ ‬في‭ ‬التربية‭ ‬وهو‭ ‬نهج‭ ‬يهدف‭ ‬الى‭ ‬تنشئة‭ ‬العيال‭ ‬مبرئين‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬عيب‭ ‬وبالتالي‭ ‬فلا‭ ‬مجال‭ ‬كبيرا‭ ‬للعفو‭ ‬والتغاضي‭ ‬عن‭ ‬الهفوات‭. ‬حقيقة‭ ‬الأمر‭ ‬هي‭ ‬انني‭ - ‬وفي‭ ‬تقديري‭ ‬وقتها‭ ‬والآن‭- ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬‮«‬ّتْف‮»‬‭ ‬وغليظا‭ ‬وقاسيا‭ ‬باي‭ ‬درجة‭ ‬ولكن‭ ‬الأمور‭ ‬نسبية،‭ ‬نعم‭ ‬ضربت‭ ‬ولدي‭ ‬البكر‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مرة‭ ‬ولكن‭ ‬لم‭ ‬يحدث‭ ‬قط‭ ‬ان‭ ‬ضربته‭ ‬او‭ ‬غيره‭ ‬من‭ ‬عيالي‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ضربة‭ ‬واحدة‭ ‬في‭ ‬الموقف‭ ‬الواحد،‭ ‬أي‭ ‬أنني‭ ‬لست‭ ‬من‭ ‬نوعية‭ ‬الآباء‭ ‬الذين‭ ‬يكيلون‭ ‬لعيالهم‭ ‬الضربة‭ ‬تلو‭ ‬الأخرى‭ ‬عند‭ ‬الغضب‭. ‬وفي‭ ‬قاموسي‭ ‬فإنه‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬الضرب‭ ‬فضربة‭ ‬واحدة‭ ‬تكفي‭ ‬وتكون‭ ‬الضربة‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬من‭ ‬الجسم‭ ‬لا‭ ‬يسبب‭ ‬له‭ ‬أذى‭ ‬بل‭ ‬ألما‭ ‬وقتيا‭. ‬كل‭ ‬الأمهات‭ ‬والآباء‭ ‬يرتكبون‭ ‬أخطاء‭ ‬كثيرة‭ ‬مع‭ ‬الطفل‭ ‬الأول،‭ ‬إما‭ ‬بعقابه‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬كبيرة‭ ‬وصغيرة‭ ‬حتى‭ ‬ينشأ‭ ‬‮«‬كاملا‮»‬،‭ ‬وإما‭ ‬بالتدليل‭ ‬حد‭ ‬الإفساد‭. ‬وهناك‭ ‬بالطبع‭ ‬نوع‭ ‬الوالدين‭ ‬اللذين‭ ‬يظلان‭ ‬يمارسان‭ ‬القسوة‭ ‬او‭ ‬التدليل‭ ‬المفرط‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬العيال‭ ‬على‭ ‬اختلاف‭ ‬أعمارهم‭.‬

وتعود‭ ‬بي‭ ‬الذاكرة‭ ‬الى‭ ‬الوراء،‭ ‬واكتشف‭ ‬انني‭ ‬تعلمت‭ ‬من‭ ‬عيالي‭ ‬أساليب‭ ‬تربوية‭ ‬وقيما‭ ‬إيجابية‭ ‬كنت‭ ‬أجهلها‭ ‬أو‭ ‬أعرف‭ ‬عنها‭ ‬ولا‭ ‬أمارسها‭ ‬او‭ ‬اتقيد‭ ‬بها‭. ‬منها‭ ‬حق‭ ‬العيال‭ ‬في‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬تبرير‭ ‬لقرار‭ ‬ما‭ ‬اتخذه‭ ‬كأب‭: ‬لماذا‭ ‬تطلب‭ ‬منا‭ ‬النوم‭ ‬مبكرا‭ ‬ونحن‭ ‬في‭ ‬إجازة‭ ‬من‭ ‬المدرسة؟‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬يفتح‭ ‬النقاش‭ ‬حول‭ ‬جدوى‭ ‬السهر،‭ ‬وما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬السهر‭ ‬غاية‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاتها،‭ ‬أم‭ ‬مرتبطا‭ ‬بأمر‭ ‬معين‭: ‬متابعة‭ ‬مباراة‭ ‬كرة‭ ‬قدم‭ ‬مهمة‭ ‬مثلا‭ ‬تبدأ‭ ‬في‭ ‬ساعة‭ ‬متأخرة‭ ‬نسبيا‭ ‬من‭ ‬الليل‭! ‬عندها‭ ‬قد‭ ‬اكتشف‭ ‬انه‭ ‬من‭ ‬الظلم‭ ‬فعلا‭ ‬أن‭ ‬أطالبهم‭ ‬بلزوم‭ ‬السرير‭ ‬بينما‭ ‬هم‭ ‬سيسعدون‭ ‬بمتابعة‭ ‬المباراة،‭ (‬عندما‭ ‬خاض‭ ‬فريق‭ ‬نيكس‭ ‬لكرة‭ ‬السلة‭ ‬النيويوركي‭ ‬مباراة‭ ‬البطولة‭ ‬الحاسمة‭ ‬قبل‭ ‬أسابيع‭ ‬قليلة،‭ ‬أصدر‭ ‬عمدة‭ ‬المدينة‭ ‬زهران‭ ‬ممداني‭ ‬مرسوما‭ ‬يسمح‭ ‬لأطفال‭ ‬المدار‭ ‬في‭ ‬المدينة‭ ‬بالسهر‭ ‬حتى‭ ‬نهاية‭ ‬المباراة‭).‬

وكثيرا‭ ‬ما‭ ‬أخضعني‭ ‬عيالي‭ ‬للاستجواب‭: ‬لماذا‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬طلبنا‭ ‬منك‭ ‬ان‭ ‬تشتري‭ ‬لنا‭ ‬شيئا‭ ‬تحول‭ ‬لون‭ ‬وجهك‭ ‬من‭ ‬أسمر‭ ‬إلى‭ ‬بمبي؟‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬جعلني‭ ‬أضع‭ ‬أموري‭ ‬المالية‭ ‬على‭ ‬بلاطة‭ ‬أمام‭ ‬عيالي‭: ‬تعالوا‭.. ‬دخلي‭ ‬الشهري‭ ‬كذا‭ ‬وكذا‭ ‬والتزاماتي‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬كذا‭ ‬وكذا،‭ ‬بل‭ ‬وأطلعهم‭ ‬على‭ ‬كشف‭ ‬الحساب‭ ‬الذي‭ ‬يأتيني‭ ‬من‭ ‬البنك‭.. ‬وكانت‭ ‬النتيجة‭ ‬إيجابية‭: ‬بابا‭ ‬أنا‭ ‬عايز‭ ‬الشيء‭ ‬الفلاني‭ ‬بس‭ ‬نخليها‭ ‬شهر‭ ‬شهرين‭ ‬لغاية‭ ‬ما‭ ‬موقفك‭ ‬المالي‭ ‬يتحسن‭.‬

وأذكر‭ ‬يوم‭ ‬كان‭ ‬أصغر‭ ‬عيالي‭ ‬على‭ ‬أعتاب‭ ‬الدراسة‭ ‬الجامعية‭ ‬وسألني‭ ‬وعيناه‭ ‬مغرورقتان‭ ‬بالدموع‭: ‬لو‭ ‬نجحت،‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬جامعة‭ ‬ستسجلني؟‭ ‬قلت‭ ‬له‭: ‬في‭ ‬أفضل‭ ‬جامعة‭ ‬تقبل‭ ‬بك‭. ‬ولكنه‭ ‬طالبني‭ ‬بإجابة‭ ‬‮«‬جدية‮»‬‭. ‬باختصار‭ ‬كنت‭ ‬وقتها‭ ‬قد‭ ‬تورطت‭ ‬في‭ ‬مشروع‭ ‬بناء‭ ‬بيت‭ ‬في‭ ‬السودان‭ ‬وكان‭ ‬الولد‭ ‬يعرف‭ ‬ان‭ ‬تلك‭ ‬الحماقة‭ ‬نشفت‭ ‬رصيدي‭ ‬المصرفي،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يعرف‭ ‬ما‭ ‬به‭ ‬وما‭ ‬عليه،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬خشي‭ ‬ان‭ ‬اضطر‭ ‬الى‭ ‬إلحاقه‭ ‬بجامعة‭ ‬‮«‬أي‭ ‬كلام‮»‬‭ ‬بسبب‭ ‬ظروفي‭ ‬المالية‭ ‬فاحتضنته‭ ‬واخرجت‭ ‬من‭ ‬حقيبة‭ ‬يدي‭ ‬مستندا‭: ‬وديعة‭ ‬بنكية‭ ‬باسمي‭ ‬واسمه‭: ‬هذه‭ ‬يا‭ ‬ولدي‭ ‬مصاريفك‭ ‬الدراسية‭ ‬لعامين‭ ‬في‭ ‬الجامعة‭ ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬العمر‭ ‬بقية‭ ‬فسأدخر‭ ‬نفقات‭ ‬بقية‭ ‬الأعوام‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا