زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
وعيالي أيضا ربُّوني
لسنوات وسنوات ظل أكبر أبنائي يعاتبني عندما يلمس مني لينا تجاه إخوته الذين يصغرونه سنا: ليه كنت «تَفْ tough»، أي فظا معي، وصرت تفوت لهؤلاء الجرابيع غلطات وليس مجرد هفوات؟ كان سؤاله وعتابه في محله، وكان ردي عليه في كل مرة، هو أنني كنت أيضا في حاجة الى من يربيني في تلك المرحلة التي صار لي فيها ولد لأول مرة!! أعني أنني كنت بلا خبرة وبالتالي كنت أقلد أساليب تربوية عرفتها بالملاحظة او القراءة، وكنت أحيانا أجرب أساليب خاصة بي، وربما كنت «تَف» وبي بعض الغلاظة بسبب عامل الوراثة، أي التمسك بنهج الآباء في التربية وهو نهج يهدف الى تنشئة العيال مبرئين من كل عيب وبالتالي فلا مجال كبيرا للعفو والتغاضي عن الهفوات. حقيقة الأمر هي انني - وفي تقديري وقتها والآن- لم أكن «ّتْف» وغليظا وقاسيا باي درجة ولكن الأمور نسبية، نعم ضربت ولدي البكر أكثر من مرة ولكن لم يحدث قط ان ضربته او غيره من عيالي أكثر من ضربة واحدة في الموقف الواحد، أي أنني لست من نوعية الآباء الذين يكيلون لعيالهم الضربة تلو الأخرى عند الغضب. وفي قاموسي فإنه إذا كان لا بد من الضرب فضربة واحدة تكفي وتكون الضربة في موقع من الجسم لا يسبب له أذى بل ألما وقتيا. كل الأمهات والآباء يرتكبون أخطاء كثيرة مع الطفل الأول، إما بعقابه في كل كبيرة وصغيرة حتى ينشأ «كاملا»، وإما بالتدليل حد الإفساد. وهناك بالطبع نوع الوالدين اللذين يظلان يمارسان القسوة او التدليل المفرط مع كل العيال على اختلاف أعمارهم.
وتعود بي الذاكرة الى الوراء، واكتشف انني تعلمت من عيالي أساليب تربوية وقيما إيجابية كنت أجهلها أو أعرف عنها ولا أمارسها او اتقيد بها. منها حق العيال في الحصول على تبرير لقرار ما اتخذه كأب: لماذا تطلب منا النوم مبكرا ونحن في إجازة من المدرسة؟ هذا السؤال يفتح النقاش حول جدوى السهر، وما إذا كان السهر غاية في حد ذاتها، أم مرتبطا بأمر معين: متابعة مباراة كرة قدم مهمة مثلا تبدأ في ساعة متأخرة نسبيا من الليل! عندها قد اكتشف انه من الظلم فعلا أن أطالبهم بلزوم السرير بينما هم سيسعدون بمتابعة المباراة، (عندما خاض فريق نيكس لكرة السلة النيويوركي مباراة البطولة الحاسمة قبل أسابيع قليلة، أصدر عمدة المدينة زهران ممداني مرسوما يسمح لأطفال المدار في المدينة بالسهر حتى نهاية المباراة).
وكثيرا ما أخضعني عيالي للاستجواب: لماذا كل ما طلبنا منك ان تشتري لنا شيئا تحول لون وجهك من أسمر إلى بمبي؟ مثل هذا السؤال جعلني أضع أموري المالية على بلاطة أمام عيالي: تعالوا.. دخلي الشهري كذا وكذا والتزاماتي في حدود كذا وكذا، بل وأطلعهم على كشف الحساب الذي يأتيني من البنك.. وكانت النتيجة إيجابية: بابا أنا عايز الشيء الفلاني بس نخليها شهر شهرين لغاية ما موقفك المالي يتحسن.
وأذكر يوم كان أصغر عيالي على أعتاب الدراسة الجامعية وسألني وعيناه مغرورقتان بالدموع: لو نجحت، في أي جامعة ستسجلني؟ قلت له: في أفضل جامعة تقبل بك. ولكنه طالبني بإجابة «جدية». باختصار كنت وقتها قد تورطت في مشروع بناء بيت في السودان وكان الولد يعرف ان تلك الحماقة نشفت رصيدي المصرفي، الذي كان يعرف ما به وما عليه، ومن ثم خشي ان اضطر الى إلحاقه بجامعة «أي كلام» بسبب ظروفي المالية فاحتضنته واخرجت من حقيبة يدي مستندا: وديعة بنكية باسمي واسمه: هذه يا ولدي مصاريفك الدراسية لعامين في الجامعة وإذا كان في العمر بقية فسأدخر نفقات بقية الأعوام.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك