زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
حفيد عنترة يعترف
عندي نقاط ضعف كثيرة وهشاشة في تكويني النفسي، (أما عن التكوين الجسماني فخلُّها مستورة) ومن بينها الخوف من القطط والجِمال (بكسر الجيم)، والإبل والهجن والنوق والحوار والفصيل والبعير (ويستفزني بالطبع أن الجمل يتمتع بعدد من أسماء الدلع). وهناك ضيقي بالأجلاف والمتغطرسين إلى درجة فلتان الأعصاب والانفعال. إذا لم يشكرني الشخص الذي أمسكت بالباب في مبنى عام ليمر هو، فإنني أفكر جديا في جرِّه من طرف ملابسه كي لا «يعبر».
سأعترف اليوم بنقطة ضعف أخرى. وأبدأ بالحديث عن جدي لأمي، وكان رجلا فقيها ومعلم قرآن وبيته ملاصق لمسجد أنشأه آباؤه قبل نحو 300 سنة.. وفي أحد نواحي المسجد قبور أجدادي شيخ فلان وشيخ علان. البيت والمسجد اللذان أتكلم عنهما في جزيرة نهرية في شمال السودان اسمها «بدين»، والى الشمال من بيت جدي مباشرة تقع مقبرة البلدة. وكان الظلام في بلدتنا تلك من النوع السميك الذي تحس وكأنه يلامس جسدك ويعوق حركتك وانت تمشي فيه. وكنت وقتها في نحو الرابعة من العمر وكنت أتفادى المبيت في بيت جدي، على حبي له ولخالتي فاطمة الحنونة التي كنت ألجأ إليها عندما يتقرر إخضاعي لعقوبة في بيتنا، لأنني كنت أخاف مشهد المقابر في الظلام. أتذكر أنه لم تكن هناك وقتها دورات مياه، وبالتالي كان الواحد منا مضطرا إلى الخروج من البيت لقضاء حاجته وتلبية نداء الطبيعة، وحاجة تضطرني الى الإطلال على المقابر «ما بدهاش».
أضف الى ذلك انه كان من التقاليد المرعية ان يجتمع أطفال كل عائلة حول الجدة او الأم او الخالة او العمة لتحكي الحكايات. وكانت جميع نساء بلدتنا من فصيلة المخرج السينمائي الأمريكي الراحل ألفريد هيتشكوك، (إذا كنت من عشاق أفلام الرعب المتقنة أبحث عن فيلمي سايكو والطيور psycho/ the Birds) أي أن تلك الثلة من السيدات كن متخصصات في قصص الرعب. ولا أذكر قط قصة لم يكن الغول أو الجن طرفا فيها. وهكذا ارتبط الليل والظلام في ذهني بكل ما هو مرعب. وإلى يومنا هذا لست مستعدا للسير وسط القبور بمفردي ولو منحوني كل ما تشتهيه نفسي. ولازمني الخوف من الظلام حتى بعد ان أكملت تعليمي الجامعي. لحسن حظي كنت وقتها قد انتقلت الى المدينة حيث تتوافر الإضاءة في البيوت والشوارع، وبالتالي كانت لحظات الخوف تقتصر على الحالات النادرة، التي كنت أغشى فيها حيا شعبيا من النوع الذي تسرح فيه الأغنام والقطط والكلاب الضالة. وليس من شيء يرعب من يخافون من الظلام مثل أغصان الأشجار العشوائية التي تتمايل وكأنها كائنات حية. ثم كبرت وتزوجت وصار يزعجني ان يوقظني أحد أطفالي في منتصف الليل: عايز موية. وهل أنا ثلاجة أم حنفية لتبلغني برغبتك في شرب الماء؟ أخاف التوجه الى الثلاجة في الظلام.. بالمناسبة فإنني لا أستطيع النوم إلا في الظلام ولكنني والى يومنا هذا لا أنام إلا وهناك إضاءة في جزء «بعيد» من البيت كان لابد من محاسبة النفس: عيب يا ابا الجعافر ان تظل تخاف من الظلام وعيالك بحاجة الى قدوة، لكي لا يرثوا عنك هذا الخوف. وهكذا آليت على نفسي ان أثبت انني فعلا سليل عنترة. صرت أتعمد التحرك في الأجزاء المظلمة من البيت. في البداية كان قلبي ينبض بحيث كان الجيران يسألوننا عن «الدوشة/ الازعاج» في بيتنا، ولكن شيئا فشيئا تغلبت على الخوف من الظلام، وليس بين عيالي، ولله الحمد، من ورث عني ذلك الخوف الذي لازمني أكثر من ربع قرن.. وكلما صارحت بعض أصدقائي بحكايتي مع الظلام اكتشف ان عددا لا يستهان به من الرجال يعانون من تلك العلة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك