العدد : ١٧٦٥٨ - الثلاثاء ٢٨ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٤ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٥٨ - الثلاثاء ٢٨ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٤ صفر ١٤٤٨هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

حفيد عنترة يعترف

عندي‭ ‬نقاط‭ ‬ضعف‭ ‬كثيرة‭ ‬وهشاشة‭ ‬في‭ ‬تكويني‭ ‬النفسي،‭ (‬أما‭ ‬عن‭ ‬التكوين‭ ‬الجسماني‭ ‬فخلُّها‭ ‬مستورة‭) ‬ومن‭ ‬بينها‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬القطط‭ ‬والجِمال‭ (‬بكسر‭ ‬الجيم‭)‬،‭ ‬والإبل‭ ‬والهجن‭ ‬والنوق‭ ‬والحوار‭ ‬والفصيل‭ ‬والبعير‭ (‬ويستفزني‭ ‬بالطبع‭ ‬أن‭ ‬الجمل‭ ‬يتمتع‭ ‬بعدد‭ ‬من‭ ‬أسماء‭ ‬الدلع‭). ‬وهناك‭ ‬ضيقي‭ ‬بالأجلاف‭ ‬والمتغطرسين‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬فلتان‭ ‬الأعصاب‭ ‬والانفعال‭. ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يشكرني‭ ‬الشخص‭ ‬الذي‭ ‬أمسكت‭ ‬بالباب‭ ‬في‭ ‬مبنى‭ ‬عام‭ ‬ليمر‭ ‬هو،‭ ‬فإنني‭ ‬أفكر‭ ‬جديا‭ ‬في‭ ‬جرِّه‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬ملابسه‭ ‬كي‭ ‬لا‭ ‬‮«‬يعبر‮»‬‭.‬

‭ ‬سأعترف‭ ‬اليوم‭ ‬بنقطة‭ ‬ضعف‭ ‬أخرى‭. ‬وأبدأ‭ ‬بالحديث‭ ‬عن‭ ‬جدي‭ ‬لأمي،‭ ‬وكان‭ ‬رجلا‭ ‬فقيها‭ ‬ومعلم‭ ‬قرآن‭ ‬وبيته‭ ‬ملاصق‭ ‬لمسجد‭ ‬أنشأه‭ ‬آباؤه‭ ‬قبل‭ ‬نحو‭ ‬300‭ ‬سنة‭.. ‬وفي‭ ‬أحد‭ ‬نواحي‭ ‬المسجد‭ ‬قبور‭ ‬أجدادي‭ ‬شيخ‭ ‬فلان‭ ‬وشيخ‭ ‬علان‭. ‬البيت‭ ‬والمسجد‭ ‬اللذان‭ ‬أتكلم‭ ‬عنهما‭ ‬في‭ ‬جزيرة‭ ‬نهرية‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬السودان‭ ‬اسمها‭ ‬‮«‬بدين‮»‬،‭ ‬والى‭ ‬الشمال‭ ‬من‭ ‬بيت‭ ‬جدي‭ ‬مباشرة‭ ‬تقع‭ ‬مقبرة‭ ‬البلدة‭. ‬وكان‭ ‬الظلام‭ ‬في‭ ‬بلدتنا‭ ‬تلك‭ ‬من‭ ‬النوع‭ ‬السميك‭ ‬الذي‭ ‬تحس‭ ‬وكأنه‭ ‬يلامس‭ ‬جسدك‭ ‬ويعوق‭ ‬حركتك‭ ‬وانت‭ ‬تمشي‭ ‬فيه‭. ‬وكنت‭ ‬وقتها‭ ‬في‭ ‬نحو‭ ‬الرابعة‭ ‬من‭ ‬العمر‭ ‬وكنت‭ ‬أتفادى‭ ‬المبيت‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬جدي،‭ ‬على‭ ‬حبي‭ ‬له‭ ‬ولخالتي‭ ‬فاطمة‭ ‬الحنونة‭ ‬التي‭ ‬كنت‭ ‬ألجأ‭ ‬إليها‭ ‬عندما‭ ‬يتقرر‭ ‬إخضاعي‭ ‬لعقوبة‭ ‬في‭ ‬بيتنا،‭ ‬لأنني‭ ‬كنت‭ ‬أخاف‭ ‬مشهد‭ ‬المقابر‭ ‬في‭ ‬الظلام‭. ‬أتذكر‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬هناك‭ ‬وقتها‭ ‬دورات‭ ‬مياه،‭ ‬وبالتالي‭ ‬كان‭ ‬الواحد‭ ‬منا‭ ‬مضطرا‭ ‬إلى‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬البيت‭ ‬لقضاء‭ ‬حاجته‭ ‬وتلبية‭ ‬نداء‭ ‬الطبيعة،‭ ‬وحاجة‭ ‬تضطرني‭ ‬الى‭ ‬الإطلال‭ ‬على‭ ‬المقابر‭ ‬‮«‬ما‭ ‬بدهاش‮»‬‭.‬

أضف‭ ‬الى‭ ‬ذلك‭ ‬انه‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬التقاليد‭ ‬المرعية‭ ‬ان‭ ‬يجتمع‭ ‬أطفال‭ ‬كل‭ ‬عائلة‭ ‬حول‭ ‬الجدة‭ ‬او‭ ‬الأم‭ ‬او‭ ‬الخالة‭ ‬او‭ ‬العمة‭ ‬لتحكي‭ ‬الحكايات‭. ‬وكانت‭ ‬جميع‭ ‬نساء‭ ‬بلدتنا‭ ‬من‭ ‬فصيلة‭ ‬المخرج‭ ‬السينمائي‭ ‬الأمريكي‭ ‬الراحل‭ ‬ألفريد‭ ‬هيتشكوك،‭ (‬إذا‭ ‬كنت‭ ‬من‭ ‬عشاق‭ ‬أفلام‭ ‬الرعب‭ ‬المتقنة‭ ‬أبحث‭ ‬عن‭ ‬فيلمي‭ ‬سايكو‭ ‬والطيور‭ ‬psycho‭/ ‬the‭ ‬Birds‭) ‬أي‭ ‬أن‭ ‬تلك‭ ‬الثلة‭ ‬من‭ ‬السيدات‭ ‬كن‭ ‬متخصصات‭ ‬في‭ ‬قصص‭ ‬الرعب‭. ‬ولا‭ ‬أذكر‭ ‬قط‭ ‬قصة‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الغول‭ ‬أو‭ ‬الجن‭ ‬طرفا‭ ‬فيها‭. ‬وهكذا‭ ‬ارتبط‭ ‬الليل‭ ‬والظلام‭ ‬في‭ ‬ذهني‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬مرعب‭. ‬وإلى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا‭ ‬لست‭ ‬مستعدا‭ ‬للسير‭ ‬وسط‭ ‬القبور‭ ‬بمفردي‭ ‬ولو‭ ‬منحوني‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬تشتهيه‭ ‬نفسي‭. ‬ولازمني‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬الظلام‭ ‬حتى‭ ‬بعد‭ ‬ان‭ ‬أكملت‭ ‬تعليمي‭ ‬الجامعي‭. ‬لحسن‭ ‬حظي‭ ‬كنت‭ ‬وقتها‭ ‬قد‭ ‬انتقلت‭ ‬الى‭ ‬المدينة‭ ‬حيث‭ ‬تتوافر‭ ‬الإضاءة‭ ‬في‭ ‬البيوت‭ ‬والشوارع،‭ ‬وبالتالي‭ ‬كانت‭ ‬لحظات‭ ‬الخوف‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬الحالات‭ ‬النادرة،‭ ‬التي‭ ‬كنت‭ ‬أغشى‭ ‬فيها‭ ‬حيا‭ ‬شعبيا‭ ‬من‭ ‬النوع‭ ‬الذي‭ ‬تسرح‭ ‬فيه‭ ‬الأغنام‭ ‬والقطط‭ ‬والكلاب‭ ‬الضالة‭. ‬وليس‭ ‬من‭ ‬شيء‭ ‬يرعب‭ ‬من‭ ‬يخافون‭ ‬من‭ ‬الظلام‭ ‬مثل‭ ‬أغصان‭ ‬الأشجار‭ ‬العشوائية‭ ‬التي‭ ‬تتمايل‭ ‬وكأنها‭ ‬كائنات‭ ‬حية‭. ‬ثم‭ ‬كبرت‭ ‬وتزوجت‭ ‬وصار‭ ‬يزعجني‭ ‬ان‭ ‬يوقظني‭ ‬أحد‭ ‬أطفالي‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬الليل‭: ‬عايز‭ ‬موية‭. ‬وهل‭ ‬أنا‭ ‬ثلاجة‭ ‬أم‭ ‬حنفية‭ ‬لتبلغني‭ ‬برغبتك‭ ‬في‭ ‬شرب‭ ‬الماء؟‭ ‬أخاف‭ ‬التوجه‭ ‬الى‭ ‬الثلاجة‭ ‬في‭ ‬الظلام‭.. ‬بالمناسبة‭ ‬فإنني‭ ‬لا‭ ‬أستطيع‭ ‬النوم‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬الظلام‭ ‬ولكنني‭ ‬والى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬أنام‭ ‬إلا‭ ‬وهناك‭ ‬إضاءة‭ ‬في‭ ‬جزء‭ ‬‮«‬بعيد‮»‬‭ ‬من‭ ‬البيت‭ ‬كان‭ ‬لابد‭ ‬من‭ ‬محاسبة‭ ‬النفس‭: ‬عيب‭ ‬يا‭ ‬ابا‭ ‬الجعافر‭ ‬ان‭ ‬تظل‭ ‬تخاف‭ ‬من‭ ‬الظلام‭ ‬وعيالك‭ ‬بحاجة‭ ‬الى‭ ‬قدوة،‭ ‬لكي‭ ‬لا‭ ‬يرثوا‭ ‬عنك‭ ‬هذا‭ ‬الخوف‭. ‬وهكذا‭ ‬آليت‭ ‬على‭ ‬نفسي‭ ‬ان‭ ‬أثبت‭ ‬انني‭ ‬فعلا‭ ‬سليل‭ ‬عنترة‭. ‬صرت‭ ‬أتعمد‭ ‬التحرك‭ ‬في‭ ‬الأجزاء‭ ‬المظلمة‭ ‬من‭ ‬البيت‭. ‬في‭ ‬البداية‭ ‬كان‭ ‬قلبي‭ ‬ينبض‭ ‬بحيث‭ ‬كان‭ ‬الجيران‭ ‬يسألوننا‭ ‬عن‭ ‬‮«‬الدوشة‭/ ‬الازعاج‮»‬‭ ‬في‭ ‬بيتنا،‭ ‬ولكن‭ ‬شيئا‭ ‬فشيئا‭ ‬تغلبت‭ ‬على‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬الظلام،‭ ‬وليس‭ ‬بين‭ ‬عيالي،‭ ‬ولله‭ ‬الحمد،‭ ‬من‭ ‬ورث‭ ‬عني‭ ‬ذلك‭ ‬الخوف‭ ‬الذي‭ ‬لازمني‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ربع‭ ‬قرن‭.. ‬وكلما‭ ‬صارحت‭ ‬بعض‭ ‬أصدقائي‭ ‬بحكايتي‭ ‬مع‭ ‬الظلام‭ ‬اكتشف‭ ‬ان‭ ‬عددا‭ ‬لا‭ ‬يستهان‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬الرجال‭ ‬يعانون‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬العلة‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا