زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
شماتة أبله ظاظا في الطليان
ما من صحيفة، إلا ونقلت حكاية المستشفى الإيطالي San Pio / Ospedale Civile الذي تم وضع حجر الأساس له في عام 1958، وكان من المفترض ان يتألف من 150 غرفة تتسع لنحو 900 من المرضى الداخليين، وجاء عام 2018، ومضى الى غير رجعة، من دون ان يتم تشييد غرفة واحدة في المستشفى في مدينة بينفينتو. ستون سنة لم تكن كافية لبناء مستشفى في بلد عضو في مجموعة جي. 7 (الدول الهوامير السبع الكبرى، وضموا مؤخرا عددا من الدول الغنية والصناعية)، وتم افتتاح المستشفى في أواخر عام 2019، أي بعد ان شاب الغراب. ولكن ما استفزني هو ان الصحف العربية نقلت الخبر وأضافت اليه كمية من بهارات التهكم، بعقلية «شوفوا الطلبان الكفار وفسادهم الذي عطل مشروعا حيويا لأكثر من نصف قرن». ووددت لو كان هناك خط هاتفي ساخن يوصل القارئ بكل تلك الصحف كي أصيح فيها: اختشوا على دمكم.. وتحلوا بالقدر الأدنى من الحياء.. أستطيع ان أؤلف كتابا من سبعة مجلدات عن المشاريع الفاشلة في العالم العربي على مدى خمسين سنة. فاشلة إما لأنها لم تكتمل، او اكتملت بأساليب الكلفتة المعتادة. دعك من المشاريع. في العالم العربي هناك على الأقل أربع دول توصف بالهشاشة والفشل وفق معايير معينة من بينها انعدام الأمن والغذاء والعلاج والضروريات لمواطنيها، ومقتضيات التضامن العربي وميثاق الشرف الصحفي العربي تمنعني من إيراد أسمائها (ميثاق الشرف الصحفي العربي ينص صراحة على: استرني واسترك.. واذكروا محاسن موتاكم «الأحياء»).
إيطاليا فشلت طوال 60 سنة في إكمال بناء مستشفى، وعندنا حكومات فشلت طوال 80 سنة في إكمال بناء أجهزة الدولة. الاستعمار البريطاني والفرنسي ترك لنا أوطانا ذوات حدود معلومة (وأحيانا ملغومة)، وجاءت الحكومات الوطنية ولم يعد المواطنون يعرفون حدود بلدانهم: المنطقة هذه تبعكم وللا تبعنا؟ أحيانا تتسم حكوماتنا بالكفاءة وتنجز طريقا طوله عشرة كيلومترات في زمن قياسي لا يتعدى العشر سنوات، بمعدل كيلومتر في السنة، ومع كل كيلو يأتي شخص طول في عرض حاملا المقص، ليفتتح ذلك الكيلو. ولكن الطريق يظل على مدى خمسين سنة يخضع لعمليات جراحية لاستئصال الزوائد الدودية والفتق المتكرر، ثم يأتي جراح أجنبي ويقول ان الشارع يعاني من موت سريري منذ بعد ميلاده بشهرين، وإكرام الميت دفنه، فيتم حفر قبر للطريق في نفس موقعه، والشروع في بديل له في نفس الموقع. هل تذكرون النهر العظيم في ليبيا؟ قالوا إنه سيكون أحد عجائب الدنيا السبع وأن المياه الجوفية ستتدفق منه وعندما تصب في البحر الأبيض ستتعرض مالطا وكريت للغرق.. ابتلع هذا النهر قرابة 30 مليار دولار ولم نسمع عنه شيئا طوال سنوات حياة مدمِّر ليبيا معمر الجزافي (حاولت استذكار محاسنه فلم أجد منها شيئا، وبالمناسبة فإن هناك شبه اجماع بأن «اذكروا محاسن موتاكم» ليس بالحديث النبوي وإن كانت هناك أحاديث حسنة الاسناد تحث على عدم ذكر مساوئ الموتى).
في السودان شرعت حكومة عبر البشير التي سقطت شكليا عام 2019، في تنفيذ طريق اسمه «الإنقاذ الغربي» لربط وسط السودان بغربه ثم بدول غرب إفريقيا. وبعد رصف كيلومتر واحد منه اختفت المبالغ المرصودة له، ووجهوا الاتهام إلى وزير انقلب الى معارض للحكومة فقال: افتحوا ملفات الطريق ليعرف الشعب من سرق مخصصات الطريق. ولأن السودان ملتزم بميثاق الجامعة العربية الذي يجعل الوزراء فوق المحاسبة، فإن الملف لم يفتح وظل العمل جاريا في الطريق باستخدام السلاحف لأننا نعرف أن في العجلة الندامة.
لا تتهكموا على إيطاليا، لأن المافيا الإيطالية أكثر تنظيما وكفاءة من الكثير من حكوماتنا!! هل تعلم ان المافيا وهي منظمة إجرامية تمول سنويا مشاريع خيرية بمليارات الدولارات، وأن ميثاقها يحرم الاعتداء على النساء حتى لو أفشين أسرار المنظمة؟

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك