زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
نيكوتين كودايين سيم سيم
حدثتكم قبل يومين عن عتاب أتاني من طبيب مختص في أمراض المخ والأعصاب، على ما ورد في مقال لي عن تجربتي «المرعبة» مع جهاز الرنين المغناطيسي، الذي يقدم صورا شديدة الوضوح لجسم الإنسان وما به من اختلالات، ووجدتها سانحة للخوض في أمر صحي (وليس طبي لأنني لست مؤهلا للخوض في أمور طبية)، وتناولت بالأمس أمر الإفراط في تناول عقاقير تسكين الألم.
تكمن خطورة العقاقير المسكنة للألم في كونها موجودة في البقالات ومحطات البترول، وعند أكشاك بيع الصحف. في عام 2017 استهلك البريطانيون مسكنات بمليار ونصف المليار دولار، وخلال عام 2026 الجاري من المتوقع ان تدر تجارة المسكنات على منتجيها سبعة بلايين دولار. هذا في حد ذاته دليل على عدم جدوى تلك المسكنات، فمهما تناولت منها فإن حاجتك اليها لا تنتهي او تزول، بل يزداد استهلاك الناس لها. وهكذا فهناك ملايين الناس يدمنون المسكنات العادية. وهكذا، وبدلا من ان يستنتجوا أنها محدودة ووقتية التأثير، فإنهم يزيدون العيار/الجرعة. وفي حالات كثيرة تكون المسكنات سببا في أوجاع الرأس وليس علاجا لها. في الطب هناك إدمان خفيف يسمونه الاعتياد habituation وهناك الإدمان المزمن المستفحل addiction.. اعتبارا من يونيو من عام 2017، منعت استراليا بيع المسكنات التي تحوي مادة الكودايين بدون وصفة من طبيب. فكثير من المسكنات تحتوي على الكودايين أو ابن عمه الديهايدروكودايين (وهو اسم يخرِّع ومخيف ويسبب تلبك الأمعاء والتهاب اللوزتين) الى جانب عناصر أخرى مثل الاسبرين والبارسيتيمول والآيبوبروفين. وفي عددها لشهر مارس من عام 2018 نشرت مجلة استراليا الطبية (ميديكال جيرنل أوف استراليا) نتائج بحث قام به أطباء مستشفى أنغليس في ملبورن جاء فيه أن من يتعاطون عقار نوروفين بلاس (به كودايين) يعانون من تقرحات وثقوب في المعدة. وتناول كميات كبيرة من الكودايين نتائجه مثل ادمان النيكوتين والكحول. يعني تدخل في حلقة «داوني بالتي كانت هي الداء» الجهنمية. في بريطانيا طالب الدكتور سايمون نلسون من مستشفى مانشستر بتقييد توصيف وبيع المسكنات الحاوية للكودايين بعد أن سببت فشلا كلويا أدى الى وفاة مريضة في الأربعين من العمر بلغ بها الإدمان انها كانت تتعاطى يوميا ما بين 50 و64 قرصا من نوروفين بلاس.. 64 قرص شوكولاتة أو فلافل تسبب فشل الكلى والكبد والرئة فما بالك بالكودايين! وبعد ان توفي رجل اسمه ستيوارت وارتن بعد تناوله 12 قرصا من ذلك العقار خلال عشر ساعات و«أعطاها» بضعة كؤوس من النبيذ.
يزعم الخواجات أنهم يفهمون في كل شيء أكثر منا نحن أبناء العالم السفلي المسمى تأدبا «العالم الثالث». ولكنهم أكثر شعوب الأرض تعاطيا للمخدرات والمسكرات ويفسر هذا ارتفاع جرائم العنف عندهم. وحتى في مجال الاستهلاك العشوائي والاعتباطي للدواء فإنهم أزفت منا. في عام 2017 وحده باعت شركة وايث التي تنتج المسكن المعروف أنادين 37 مليون علبة في بريطانيا. كي أعطيك فكرة عن حجم هذه المبيعات تخيل تلك الـ37 مليون علبة مرصوصة فوق بعضها البعض. سيكون ارتفاعها مساويا لارتفاع جبل ايفرست مضروبا في 66!!!! أخطر ما في أمر المسكنات أن الناس تصدق شهادات بعضهم البعض عنها: والله يا زول لقيت دوا اسمه ساكسفون تاخد منه حبتين بعدها ما تحس براسك حتى لو طقّوه بفاس.. فيأتي الرد: يا زلمي بلا ساكسفون بلا بطيخ .. والله بفرنسا حصلت دوا صداع اسمه غيتانا - لا استغفر الله هادا سجائر – اسمه .. اسمه تروابلاسيبو.. يجنن.. تاخد حبة واحدة.. ولو تحاربوا الامريكان وطالبان حواليك ما بتحس بشيء! وهكذا يصبح توصيف الأدوية فلكلورا يتداوله الناس شفاهة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك