زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
التعامل مع الألم بِفَهم
تناولت بالأمس كيف أنني ألِف وأدور خوضا في شؤون صحية وطبية لا أفهم فيها كثير شيء، وحقيقة الأمر هي أنني شديد الاهتمام بتلك الشؤون الى جانب شؤون التربية (بمعناها التجريدي) والتعليم، من دون أن أزعم انني مرجع فيها، أو عالم ببعض نواحيها، فلست أكثر من ناقل لمعلومات من مصادر أثق بها، ثم أضيف اليها بعض الكثير من البهار. وكما ذكرت مرارا في مقالاتي السابقة فإن نصيبي من التلفزيون ينحصر الى جانب القنوات الإخبارية في قناتين: ناشونال جيوغرافيك، وديسكفري المتخصصتين في الشؤون العلمية والمعرفية العامة، كما أنني أتوقف عند قراءة الصحف عند التقارير المتعلقة بالأمور العلمية. وربما مرد ذلك «عقدة» لازمتني طوال سنوات الدراسة، وهي أنني وبسبب ضعف قدراتي في استيعاب الرياضيات اكتسبت مناعة ضد العلوم الطبيعية حتى كدت اقتنع بأنه لا سبيل لي لفهم أي نظرية علمية.
وقرأت مؤخرا دراسة قديمة – جديدة عن مسكنات الألم، واعتقد ان سقف تحملي للألم مرتفع وعال بدرجة معقولة (ولا أدري إن كنت قد قمت بترجمة دقيقة لمصطلح pain threshold)، بمعنى ان درجة تحملي للألم عالية، ولست من النوع الذي يهرع الى تناول المسكنات كلما داهمه الألم، وأعاني منذ سنوات من آلام مستمرة في أسفل الظهر، ولكنني «أطنشها» أي أتجاهلها عملا بالحكمة الإنجليزية
What cannot be cured, must be endured
«ما لا علاج له ينبغي تحمُّله». ولهذا صرت أتعامل مع ألم فقرات الظهر السفلى بمنطق: خلِّيه يوجعني ونشوف من فينا يتعب. والسر في هذا الموقف البطولي الحازم تجاه ألم الظهر الذي لا يسكت هو إدراكي أنه لن يسكت حتى لو سبحت في بحيرة من البنج والمورفين. بمعنى ان المسكنات لا تجدي معه لأنه ألم مقيم ناتج عن خلل في «رَصَّة» فقرات ظهري اكتشفته منذ ثلاثين سنة، وصرت فقط حريصا على منع تفاقمه. وبداهة فإنني أصاب بالصداع عدة مرات في السنة، ولكنني أتفادى تناول المسكنات لإسكاته لأنني أدخر المسكنات ليوم «عوزة» حينما يدهمني ألم غاشم، خصوصا في الأسنان والأذن، فـ«أديها» كوكتيل مسكنات (كونكوكشن) يجعلني أنسى اسمي. وأعرف أن ذلك خطأ ولكنني اعرف ان العمر -مهما طال- قصير، فلماذا أتألم وأعاني طالما أن هناك خلطة ستريحني من الألم. وفي نفس الوقت فلأنني أعرف أنه ما من دواء إلا وهناك علة يسببها، (ما يسمى بالعرض الجانبي) فإنني لا أتناول المسكنات إلا «للشديد القوي».
عندي بنت اعتبرها نموذجا في الصبر والتحمل لأنها مصابة بالصداع النصفي (الشقيقة) وتجدها كثيرا تتعامل مع الدنيا بنصف عين. الضوء يضايقها والأصوات العالية تضايقها ولديها تشكيلة من العقاقير للشقيقة ولكنها كثيرا ما ترفض تناولها بمنطق أن هذا النوع من الصداع إذا داهمك بقوة فلا جدوى من أي نوع من المسكنات «فلماذا أرهق كليتي وجهازي العصبي بالعقاقير». وأصبحت بالخبرة تعرف أن هناك عقارا معينا ينفع في منع استفحال الصداع إذا تناولته مع ظهور أعراضه الأولى. ولكن زوجتي وبنتي الثانية تتعاملان مع البندول كنوع من المكسرات. أحيانا أقوم بإخفاء كل المسكنات الموجودة في البيت ولكنني اكتشفت ان حقائبهن كما حقائب 68% من النساء لا تخلو من البندول وأبناء عمه. خوفي عليهما مرده أنني أعرف ان الانسان قد يدمن او يعتاد على عقاقير تباع بدون وصفات، مثل المسكنات، وهناك مقولة طبية خائبة تقول بالإنجليزية عند الحديث عن دواء بلا آثار جانبية بأنه «آز سيف آز بندول»، as safe as Panadol (مأمون مثل البندول). غدا نرى كيف ان المسكنات قد تترتب عليها آثار صحية مدمرة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك