زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
لا تحسنوا الظن بي دائما
قبل عشر ونيف سنة تلقيت رسالة عتاب مهذبة من طبيب مختص في امراض الجهاز العصبي والمخ، مقيم في بلد غربي (سقط اسمه من ثقب في الذاكرة)، على ما جاء في مقال لي هنا في أخبار الخليج حول تجربة مررتُ بها في ذات مستشفى، وكنت قد قلت في المقال إنني لا أجد في نفسي الشجاعة للوثوق بالروبوت (الإنسان الآلي) أو أي أداة تكنولوجية أخرى لتقوم مقام الجراح، إذا ما استوجبت حالتي الصحية التدخل الجراحي، وكان عتابه في محله لأنه، وحسبما قال، هناك من يتأثرون ويثقون بما يقرؤون، لأنهم يعتقدون ان الصحفيين والكتاب الصحفيين «فهمانين». شكرت الطبيب النطاسي على رسالة العتاب وحكيت له عن مقال لي عقب أول تجربة لي مع جهاز الرنين المغناطيسي، حيث قلت إنهم حشروني في قبر معدني وقيدوني حتى لا أتمكن من تحريك رقبتي ومعظم أجزاء جسمي. ورغم أنهم وضعوا سدادتين في أذنيّ إلا أنني سمعت بوضوح أصوات مطارق تنهال على الجهاز الذي كنت محشورا فيه وكأنني قطعة محشي ورق عنب. تصببت عرقا وأنا أتخيل نفرا من البتان العتاولة يحاولون تحطيم الجهاز بالمطارق والدريل (من أجمل تسمياته في الخليج «الورور»). حاولت قراءة ما تيسر من القرآن الكريم لبث الطمأنينة في نفسي، فجاءني قوله تعالى «ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر»، فكان أن قرأت بعدها «الفاتحة».. على روحي .
بعدها بأيام اتصل بي استشاري المخ والأعصاب الذي أحالني الى التصوير بتلك الأداة العجيبة، وحكى لي كيف ان رئيس مجلس إدارة المستشفى، وهو طبيب بدرجة استشاري في مجال القلب عانى من آلام في العنق وأعلى الظهر، فأحاله الى التصوير بجهاز الرنين المغناطيسي.. وقف صاحب السعادة أمام الجهاز وقال: اللي قاله الزول جعفر عن هذا الشيء صحيح.. وبصراحة ما بدهاش.. يعني لن تحشروني فيه.. وبعد أخذ ورد طلب منهم عقارا مهدئا، فكان له ما أراد. وتم تصوير جسمه، ثم اتصل بي ووصفني بالإرهابي. وقال لي نفس ما قاله طبيب المخ والأعصاب، ولكنه أضاف: الناس يتأثرون بتجارب الآخرين، ولو كنت أنا الطبيب صاحب الخبرة التي تفوق 30 سنة قد عشت في حالة من الرعب بسبب ما كتبته عن الرنين المغناطيسي فتخيل حال شخص من عامة الناس.
وثمة واقعة أخرى تبرر عتاب ذلك الطبيب لي: قلَّ أن يمر شهر من دون أن أذكر وجبة الفول بالزيت في مقال أو أكثر، ورغم انني من مدمني الفول -وإن شئت قل من ضحاياه- فإنني أفتري عليه كثيرا، وأزعم أنه يحوي مواد منومة وأنه يسبب الرمد والروماتيزم! وفي إحدى شطحاتي قلت إن الفول يسبب العقم لدى النساء لأن أكله بكميات تجارية يؤدي الى انسداد قناة فالوب، وبالتالي تعذر الحمل للنساء. وبعدها بيوم تلقيت اتصالا من شابة مصرية قالت إنها داخت السبع دوخات كي تحصل على رقم هاتفي، وكلمتني عن أنها أنجبت بنتا عمرها (الآن) أربع سنوات، ولم تنجب بعدها، وأدركت بعد قراءة مقالي ان إكثارها من أكل الفول هو سبب «العقم» الذي أصابها.. حسبت في بادئ الأمر أنها مستهبلة فقلت لها: إن السودانيين والمصريين يحملون جينات الفول وبالتالي فإنه لا يؤثر عليهم سلبا، ولكنها قاطعتني بحزم وسألتني ما إذا كنت أعرف دواء يزيل تأثير الفول الضار على قناة فالوب. أقنعتها بعد جهد جهيد بأن المسألة «دعابة» وأنني لا أعرف ما إذا كانت قناة فالوب هذه في روسيا او بنما.
ولأنني اعتزم الخوض خلال الأيام المقبلة في مواضيع تتعلق بصحة الإنسان فإنني أذكر القراء بأنني خريج «آداب» وما أفهمه عن الطب لا يزيد على ما يفهمه شعبان عبدالرحيم عن الطرب أو الفيزياء النووية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك