اعتماد شركات الألعاب على استراتيجيات نفسية تدفع المستهلك إلى إنفاق أموال من دون إدراك حجمها الإجمالي
لم يعد الأمر مجرد هواية أو تسلية تجتذب أعدادا كبيرة من الأفراد، بل باتت الألعاب الالكترونية صناعة اقتصادية رقمية ضخمة تعتمد على الانفاق المتكرر، وتقودها امبراطوريات متخصصة لتطوير الألعاب وبرمجتها وتصميم الشخصيات وخلق عوالم افتراضية تستنزف جزءا ليس باليسير من أموال المستهلكين.
وتشير تقديرات مؤسسة Newzoo، المتخصصة في تحليل بيانات أسواق الألعاب عالميا، إلى أن حجم سوق الألعاب الالكترونية والبرمجيات على مستوى العالم بلغ نحو 201.6 مليار دولار أمريكي بنهاية عام 2025. ومن المتوقع أن يتجاوز الرقم 205 مليارات دولار بنهاية هذا العام، أكثر من 50% من هذا المبلغ مخصص لألعاب الهواتف الذكية، والباقي لألعاب الحاسوب والمنصات المنزلية والرياضات الالكترونية.
وتذهب بعض شركات الأبحاث السوقية إلى أبعد من ذلك، حيث تقدر حجم السوق بأكثر من 300 مليار دولار. ومن المتوقع أن تصل قيمة الصناعة الإجمالية عالمياً إلى نحو 234.4 مليار دولار عام 2028. و623 مليار دولار عام 2035.
فيما تقدر قاعدة اللاعبين حاليا بأكثر من 3.4 مليارات لاعب نشط حول العالم، وهو ما يعادل تقريبًا 40% من سكان كوكب الأرض.
وفي حين يبلغ حجم المشتريات داخل الألعاب ما يقارب 54 مليار دولار سنويا، تعتبر أسواق منطقة الخليج العربي أحد أسرع الأسواق نموًا عالميًا في هذا الجانب.
ويعود الفضل في نمو هذه الصناعة بشكل كبير الى انتشار الهواتف الذكية الذي وسع قاعدة المستهلكين بعد ان كانت مقتصرة على أجهزة الكمبيوتر أو منصات الألعاب المتخصصة.
ألعاب تبدأ مجانا وتنتهي بإنفاق مستمر وتراكم الديون ومشاكل مالية
دراسات: أسهمت في تغيير سلوك الإنفاق.. تعزز الإدمان والعزلة.. سبب في خلافات أسرية مالية
منظمة الصحة العالمية صنفت إدمان الإنفاق على الألعاب كاضطراب نفسي وسلوك قهري
وبالنسبة الى البحرين، قد لا توجد احصائيات رسمية لحجم الانفاق على سوق الألعاب الالكترونية، ولكن وفقا لإحصائيات تقديرية لمؤسسات مهتمة بهذا الشأن مثل Statista، فإن حجم الإنفاق على الألعاب الإلكترونية في البحرين خلال عام 2025 يتراوح بين 35 و42 مليون دولار. واستحوذت ألعاب الهواتف الذكية على الحصة الأكبر من حجم الإنفاق بنسبة تتجاوز 50%.
فيما قدرت مؤسسة Newzoo لأبحاث الألعاب الإلكترونية حجم إيرادات سوق الألعاب في البحرين بنحو39 مليون دولار.
وما أسهم في ارتفاع هذه هذا الانفاق هو البنية التحتية التقنية القوية وخاصة في الانترنت. فالبحرين تمتلك واحدة من أعلى نسب تغطية الجيل الخامس (5G) وشبكات الألياف البصرية عالمياً. ويضاف الى ذلك التطورات التقنية في البحرين فيما يتعلق بالدفع بالنقرة الواحدة أو وربط الفواتير بالحسابات. شطوما يعزز زيادة الانفاق في دول المنطقة، هو الأنماط الاجتماعية والوجاهة الافتراضية. حيث يحرص المراهقون بشكل خاص على جعل الشخصيات التي يلعبون بها ذات مظهر مميز يعكس المكانة الاجتماعية للاعب.
والسؤال هنا، كيف غيرت هذه الصناعة من النموذج الاقتصادي وأنماط الاستهلاك بحيث باتت تمثل عبئا ماديا على الكثير من الأسر، وخاصة أن الأمر في الغالب لا يقتصر على شراء جهاز أو الانفاق على لعبة فحسب، بل يضطر المستخدم إلى الإنفاق على أجهزة متطورة وإضافات رقمية وشخصيات افتراضية واشتراكات دورية ومحتوى إضافي، فضلا عن حرص الكثيرين وخاصة المراهقين على استبدال أجهزتهم بأجهزة أحدث، ما يضاعف من عبء الانفاق على الألعاب الالكترونية.
سلوك الإنفاق
نعم أسهمت الألعاب الإلكترونية في تغيير سلوك الإنفاق. فمن جانب، تتميز هذه الألعاب بأنها تحوّل الإنفاق إلى عملية مستمرة وليس لمرة واحدة. فاللاعب يبدأ بلعبة مجانية، ثم ينفق مبالغ صغيرة على شراء شخصية أو زي افتراضي أو أدوات إضافية أو مزايا خاصة. ومع تكرار هذه المشتريات، قد يتحول الإنفاق البسيط إلى مبالغ كبيرة على مدار الشهر أو العام.
ومن جانب آخر، هذا النوع من الانفاق أسهم في جعل الإنفاق الرقمي أكثر سهولة. لأن الامر لا يتطلب سوى ضغطة زر، وهذا ما أثر سلبا على الإحساس بالمسؤولية المرتبط بإنفاق الأموال النقدية.
الى جانب ذلك، تغيرت الأنماط الاستهلاكية، فهذه الألعاب باتت تقتطع نسبا ليست بالقليلة من الإنفاق التقليدي سواء على الأولويات، أو على وسائل الترفيه الأخرى كالسينما.
ويضاف هنا ان مفهوم الملكية قد تغيّرت، لأن الملكية في هذه الألعاب ليست مادية ودائمة، بل تدفع المبالغ مقابل الحصول على محتوى رقمي أو خدمة أو ميزة افتراضية غير مادية.
وبالتالي وعلى الرغم من انخفاض كلفة الدخول واستخدام الألعاب نوعا ما، فإن هناك ارتفاعا يتمثل في كلفة البقاء والاستمرار، وهو ما يعرف في علم الاقتصاد بمصطلح «الإنفاق غير المرئي» و«التسريب المالي الصغير». فاللاعب يدفع مبلغا رمزيا، ثم مبلغا صغيرا آخر قد لا يتجاوز الدولارين، وهكذا حتى يجد نفسه قد أنفق خلال شهر مئات الدولارات من دون ان يشعر. والأسوأ يحدث إذا كانت هذه المبالغ مخصصة لتغطية احتياجات أخرى أو موجهة الى الادخار.
تلاعب نفسي
هذا ما يقودنا إلى الحديث عن الهندسة والآليات النفسية والتسويقية والاقتصادية التي تبرع بها شركات تطوير هذه الألعاب لحث المستهلكين على الإنفاق. فالألعاب الإلكترونية لا تقدم ترفيها فقط، بل باتت تعتمد على استراتيجيات نفسية وتسويقية متطورة ومدروسة تؤثر على قرارات اللاعبين لإنفاق أموال من دون إدراك قيمة ما ينفقونها.
وفي هذا الشأن، ذكرت دراسة نشرت مجلة «الإدمان السلوكي» (Journal of Behavioral Addictions) أن الشركات تستغل بنية الدماغ القابلة للإدمان لتحقيق مكاسب مالية مستمرة، ووجدت الدراسة أن الألعاب المصممة على مبدأ «الدفع للفوز» تصنع عمداً حواجز وصعوبات غير منطقية للاعبين وخاصة المدمنين، وتجعل الشخص يرى في «الدفع المالي» المخرج الوحيد للحفاظ على تدفق الدوبامين والشعور بالانتصار الافتراضي.
وبالتالي تتبع هذه الشركات استراتيجية معقدة للحصول على الأموال، ومن ذلك:
* سياسة الفرص والعروض لفترات محدودة، ما يجعل الفرد يشعر بالقلق من تفويت الفرصة ويحفزه على الشراء الاندفاعي تحت ضغط الوقت.
* إلغاء الاحساس بالقيمة، من خلال استبدال النقود الحقيقية بعملات افتراضية أو جواهر أو نقاط، وهذا ما يزيل او يقلص ما يعرف بـ «ألم الدفع»، ولا يشعر الشخص انه يدفع أموالا تعب في جمعها، بل مجرد نقاط أو مبالغ افتراضية.
* المكافآت وصناديق الحظ التي تدفع اللاعب الى إنفاق مبلغ صغير على أمل الفوز بفرص ومميزات كبيرة في اللعبة. وهذا ما أكدته دراسة نشرتها الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA) بعنوان «صناديق الحظ في ألعاب الفيديو وعلاقتها بالضرر المالي»، حيث بينت ان الميكانيزم النفسي لصناديق الحظ تخلق لدى اللاعبين اندفاعات عالية وخاصة ذوي الدخل المحدود وتدفعهم إلى إنفاق مبالغ غير متناسبة مع دخلهم الفعلي طمعاً في الحصول على ميزات افتراضية نادرة.
* الشراء من داخل اللعبة. وهو الفخ الأكبر. فاللعبة غالبا ما تكون مجانية في البداية او بسعر رمزي، ولكن بمجرد ان يندمج بها اللاعب، يُطلب منه شراء شخصيات أو ملابس أو أسلحة أو مراحل.
* التشجيع على الإدمان. ومن ذلك منح مكافآت وحوافز عند الدخول يوميا، وهذا ما يجعل الامر يتحول الى اشبه بعادة او ادمان. وكلما ترسخ ذلك تزداد احتمالات أن يشتري اللاعب شيئا.
* صعوبة الوصول الى مراحل متقدمة. فبعد أن يستمتع اللاعب بالتقدم في المراحل، يصبح الامر أكثر صعوبة وبطئا، وهنا يبدأ الفخ، حيث يُعرض عليه دفع مبلغ من اجل الحصول على مميزات وموارد او تخطي الانتظار او فتح مراحل متقدمة، وإلا عليه الانتظار فترات طويلة.
* استغلال عنصر المنافسة والمقارنة. كأن تبرمج اللعبة بشكل يظهر للاعب ما يمتلكه الاخرون من مميزات واسلحة وتسهيلات، الامر الذي يشجعه على الانفاق حتى لا يشعر بأنه أقل من غيره.
* فخ التحديات والشعور الزائف بالإنجاز. فالألعاب تصمم بتحديات تفرضها خوارزميات الذكاء الاصطناعي. وعندما يصل اللاعب الى مستوى صعب تجاوزه، تولد اللعبة اليا عروضا فورية للحصول على فرص او أسلحة اقوى، مستغلة في ذلك التأثير النفسي بأن التوقف بعد كل ذلك الجهد هو خسارة. فيدفع فوراً املا في الحصول على شعور زائف بالإنجاز والانتصار.
* الأخطر هنا، هو ان شركات الألعاب تعتمد على تحليل البيانات لمعرفة اللاعبين الذين ينفقون مبالغ كبيرة، وبالتالي يتم استهدافهم بشكل أكبر من خلال تقديم العروض والاغراءات. وبالطبع يلعب الذكاء الاصطناعي دوره هنا في تحليل البيانات والتنبؤ بسلوك اللاعبين الأقرب للإنفاق.
ميزانية الأسرة
في السابق، كان تنظيم وقت اللعب أو استخدام الأجهزة الالكترونية من قبل الأبناء هو التحدي الذي تواجهه الأسرة، ولكن مع تطور الانفاق على الألعاب الإلكترونية، باتت العلاقة بين هذه الألعاب وميزانية الأسرة واحدة من أبرز التحديات الاقتصادية والسلوكية لدى الكثير من العائلات، وخاصة أن المشكلة لا تكمن فقط في عملية الشراء، بل في استمراريتها وسهولة تكرارها. وهذا ما يعني ان الكلفة لم تعد تقتصر على شراء الأجهزة أو الألعاب، بل باتت هناك تبعات وتكاليف لاحقة وإنفاق متكرر. وما يفاقم المشكلة هو ان الأطفال والمراهقين لا يملكون في الغالب وعياً كافيا بقيمة المال الذي ينفقونه، لاسيما المال النقدي كونهم باتوا يعيشون في بيئة تعتمد على المعاملات الرقمية.
وهنا تجد الاسرة نفسها امام مأزق بسبب بطاقة الائتمان المخزنة، أو الفواتير المباشرة عبر الهاتف، أو حتى الضغط العاطفي من قبل الأبناء الذين يلحون في الطلبات ويقارنون أنفسهم بأصدقائهم.
وهذا ما قد يقود الى مشاكل كبيرة وخاصة عندما يتحول الامر إلى إنفاق متكرر أو اندفاعي أو يتجاوز حدود ميزانية الأسرة. ومن ذلك:
* الاستنزاف المالي نتيجة تراكم المبالغ الصغيرة غير المحسوسة والوقوع في فخ الإنفاق الاندفاعي بسبب العروض والخصومات. ووفقا لتقرير مؤسسة Newzoo المتخصصة في بيانات سوق الألعاب الرقمية، فإن هذه المبالغ تحول الترفيه من بند «مصروفات موسمية» إلى «استنزاف دوري مستمر» مستقطع من الميزانية الشهرية للأسرة.
* تضرر ميزانية الأسرة بشكل تدريجي. ويزداد الأمر خطورة في عندما يكون هذا الإنفاق غير مصرح به من قبل الأطفال. وغالبا ما يحدث عند ربط بطاقات الائتمان العائلية بحسابات أو منصات الألعاب. ما يؤدي إلى قيام الأطفال بعمليات شراء متكررة من دون إذن أو وعي بقيمة المال.
* اثبتت التجارب احتمالية كبيرة لتراكم الديون التدريجية وخاصة مع ادمان مثل هذه الألعاب واستخدام بطاقات الائتمان. وهذا ما أكدته دراسة لمنصة البيانات العالمية Statista حول سلوك المستهلكين في قطاع المشتريات داخل التطبيقات والألعاب. حيث بينت أن نسبة كبيرة من اللاعبين يندمون على حجم الإنفاق التراكمي بعد مرور 6 أشهر إلى سنة من اللعب، حيث تفاجأ شريحة واسعة بأن دفع مبالغ تتراوح بين 2$ إلى 5$ بشكل متكرر قد تجمّع ليشكل ما يتراوح بين 12% إلى 15% من إجمالي دخلهم المتاح للاستهلاك الترفيهي.
* ضعف الإحساس بقيمة المال تدريجيا بسبب الاعتماد على العملات الافتراضية تجعل الإنفاق غير مباشر. وهذا ما أكدته الدراسات مثل دراسة نشرها الاتحاد الأوروبي لحماية المستهلك فيThe European Consumer Organization عام 2024، حيث كشفت أن العملات الافتراضية داخل الألعاب تُعمي المستهلكين عن تتبع ميزانياتهم الحقيقية. والأطفال والمراهقون هم الفئة الأكثر عرضة لإنفاق مبالغ تتجاوز الميزانيات المحددة لأسرهم بسبب سهولة الدفع بنقرة واحدة، والوقوع تحت طائلة الخوف من الفوات (FOMO).
* تأثر الأطفال والمراهقين سلبا بسبب تراجع قدرتهم على ضبط الاندفاع وفهم القيمة المالية وخاطر الانفاق غير المخطط.
* تعزيز سلوكيات الإدمان السلوكي والعزلة الاجتماعية نتيجة قضاء وقت طويل في فضاء رقمي افتراضي. فمثلا أثبتت دراسة لجامعة كمبردج والجمعية البريطانية لعلم النفس نشرت عام 2021، وجود علاقة ارتباطية قوية وثابتة بين الإدمان السلوكي للألعاب وبين الإنفاق المالي المفرط. وأن الأشخاص الذين تظهر عليهم أعراض الإدمان (مثل قضاء ساعات طويلة، العزلة، وفقدان السيطرة) هم الأكثر عرضة للإنفاق على الميزات الافتراضية مقارنة باللاعبين العاديين.
* تحول الترفيه إلى سلوك قهري بحيث يصبح اللاعب غير قادر على التوقف عن الشراء، او يتهرب من التدقيق في حجم إنفاقه. وهنا يتحول الإنفاق من ترفيه الى جرس انذار. وهذا ما بينته الدراسة السابقة أيضا بأن الإنفاق هنا لا يكون مدفوعاً بالرغبة في الاستمتاع، بل يتحول إلى «سلوك قهري» (Compulsive Behavior) للهروب من مشاعر القلق أو الإحباط الناتجة عن الخسارة داخل اللعبة.
* الخلافات الأسرية. وهذا ما اثبتته كثير من التجارب، حيث يُعد الإنفاق غير المدروس على الألعاب من أبرز أسباب التوتر بين الأزواج.
* الإحباط والاضطرابات المزاجية. فكثير من الألعاب تعطي أفضلية الفرص لمن ينفق أكثر، ما يخلق شعوراً بالظلم أو الإحباط عند اللاعبين الذين لا يملكون القدرة المالية للمنافسة.
من هنا لم يكن بالمستغرب ان تصنف منظمة الصحة العالمية (WHO) الإدمان على الألعاب والانفاق عليها رسميًا كاضطراب صحي باسم اضطراب الألعاب (Gaming Disorder) ضمن التصنيف الدولي للأمراض منذ عام 2018. وبات السلوك القهري المرتبط بالإنفاق المفرط وغير المسيطر عليه في الألعاب الإلكترونية ضمن الاضطرابات السلوكية والنفسية. حيث يعتبر الإنفاق المالي المفرط أحد أبرز مظاهر هذا الاضطراب، ويتحول إلى وسيلة قهرية لمواصلة اللعب، أو للحصول على إشباع فوري داخل اللعبة، ما يجعله عَرَضاً رئيساً للاضطراب.
كما يصنف الإدمان على الإنفاق داخل الألعاب صور اضطراب الشراء القهري، وفي هذه الحالة، لا يكون الدافع هو الاستمتاع باللعبة نفسها، بل تسيطر على الشخص رغبة ملحة وغير قابلة للمقاومة لإجراء عمليات الشراء الرقمية لتقليل مستويات القلق والتوتر.

الشركات تعتمد على الذكاء الاصطناعي في التنبؤ باللاعبين الأقرب للإنفاق

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك