العدد : ١٧٦٥١ - الثلاثاء ٢١ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٥١ - الثلاثاء ٢١ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ صفر ١٤٤٨هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

الكذب في غير أبريل

من‭ ‬فضل‭ ‬الله‭ ‬علينا‭ ‬أننا‭ ‬بريؤون‭ ‬الى‭ ‬حد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الآفات‭ ‬والعلل‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والنفسية‭ ‬التي‭ ‬تتفشى‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬الغربية،‭ ‬بسبب‭ ‬تفشي‭ ‬المخدرات‭ ‬والتفكك‭ ‬الأُسري،‭ ‬كما‭ ‬أننا‭ ‬بريؤون‭ ‬أيضا‭ ‬مما‭ ‬يسمى‭ ‬بكذبة‭ ‬ابريل،‭ ‬فهي‭ ‬ليست‭ ‬ممارسة‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬أضيق‭ ‬نطاق‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي،‭ ‬فرغم‭ ‬أننا‭ ‬صرنا‭ ‬نجاري‭ ‬الغرب‭ ‬في‭ ‬أشياء‭ ‬كثيرة،‭ ‬مثل‭ ‬عيد‭ ‬الحب،‭ ‬وعيد‭ ‬الأم،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬كذبة‭ ‬أبريل‭ ‬ليست‭ ‬شائعة‭ ‬في‭ ‬مجتمعاتنا،‭ ‬بل‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬مقالب‭ ‬تدبرها‭ ‬بعض‭ ‬الصحف‭. ‬

ذلك‭ ‬لأن‭ ‬حياتنا‭ ‬في‭ ‬معظمها‭ ‬أكذوبة‭. ‬أرقام‭ ‬التضخم‭ ‬كذب‭.. ‬واحصاءات‭ ‬البطالة‭ ‬إفك‭.. ‬وكوننا‭ ‬مجتمعات‭ ‬تحترم‭ ‬تقاليدها‭ ‬فرية‭. ‬ولعل‭ ‬أبلغ‭ ‬رأي‭ ‬حول‭ ‬كذبة‭ ‬أبريل‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬قام‭ ‬به‭ ‬صحفي‭ ‬تركي‭ ‬قبل‭ ‬نحو‭ ‬20‭ ‬سنة‭ ‬عندما‭ ‬كتب‭ ‬عن‭ ‬معرض‭ ‬للحمير‭ ‬النادرة،‭ ‬يقام‭ ‬في‭ ‬أكبر‭ ‬ميادين‭ ‬العاصمة‭ ‬التركية‭ ‬أنقرة‭ ‬في‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬ابريل‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬السنة،‭ ‬وتقاطر‭ ‬الناس‭ ‬بالآلاف‭ ‬إلى‭ ‬المعرض‭ ‬المزعوم‭ ‬فلم‭ ‬يجدوا‭ ‬أثرا‭ ‬لأي‭ ‬حمار،‭ ‬فبعث‭ ‬الكثيرون‭ ‬منهم‭ ‬برسائل‭ ‬احتجاج‭ ‬الى‭ ‬الصحيفة‭ ‬ذاكرين‭ ‬انهم‭ ‬لم‭ ‬يجدوا‭ ‬أي‭ ‬حمير‭ ‬بالميدان،‭ ‬ولكن‭ ‬الصحيفة‭ ‬صدرت‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬التالي‭ ‬وعلى‭ ‬صدرها‭ ‬صور‭ ‬الآلاف‭ ‬في‭ ‬الميدان‭ ‬تحت‭ ‬تعليق‭:‬‭ ‬الحمير‭ ‬الذين‭ ‬شاركوا‭ ‬في‭ ‬المعرض‭ ‬أمس‭!‬

من‭ ‬آفات‭ ‬الحياة‭ ‬المعاصرة‭ ‬ان‭ ‬الكذب‭ ‬بات‭ ‬غير‭ ‬مستهجن‭ ‬في‭ ‬مواقع‭ ‬العمل‭ ‬وفي‭ ‬البيوت،‭ ‬ووسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬تكذب‭ ‬بوقاحة‭ ‬مثيرة‭ ‬للإعجاب،‭ ‬ومن‭ ‬يتحدثون‭ ‬عن‭ ‬انه‭ ‬لا‭ ‬تنازل‭ ‬عن‭ ‬الدولة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬–‭ ‬مثلا‭ ‬–‭ ‬جعلوا‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬أيام‭ ‬السنة‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬أبريل،‭ ‬ولا‭ ‬ينال‭ ‬الترقية‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬العمل‭ ‬الا‭ ‬الكذاب‭ ‬المنافق،‭ ‬حتى‭ ‬شهاداتنا‭ ‬الأكاديمية‭ ‬كاذبة‭ ‬في‭ ‬معظمها،‭ ‬فاصبحنا‭ ‬نقابل‭ ‬أشخاصا‭ ‬يحملون‭ ‬درجة‭ ‬الدكتوراه‭ ‬ويعانون‭ ‬من‭ ‬الأمية‭ ‬الهجائية،‭ (‬وكما‭ ‬كتبت‭ ‬هنا‭ ‬قبل‭ ‬نحو‭ ‬شهور‭ ‬فإنني‭ ‬أعرف‭ ‬عناوين‭ ‬عدة‭ ‬مواقع‭ ‬على‭ ‬الانترنت‭ ‬تزودك‭ ‬بالماجستير‭ ‬والدكتوراه‭ ‬وانت‭ ‬تمارس‭ ‬النوم‭ ‬أو‭ ‬الصياعة،‭ ‬وحصلت‭ ‬شخصيا‭ ‬على‭ ‬تخصص‭ ‬أمراض‭ ‬المسالك‭ ‬البولية‭ ‬من‭ ‬جامعة‭ ‬هارفارد‭ ‬نظير‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬100‭ ‬دولار،‭ ‬ولمن‭ ‬يرغب‭ ‬في‭ ‬معرفة‭ ‬تلك‭ ‬المواقع‭ ‬ان‭ ‬يوقع‭ ‬عقدا‭ ‬معي‭ ‬يعطيني‭ ‬بموجبه‭ ‬شهريا‭ ‬10‭% ‬فقط‭ ‬من‭ ‬الراتب‭ ‬الذي‭ ‬سيحصل‭ ‬عليه‭ ‬بعد‭ ‬ان‭ ‬يصبح‭ ‬مديرا‭ ‬بموجب‭ ‬الشهادة‭ ‬الأونطة‭)‬،‭ ‬حتى‭ ‬الطعام‭ ‬الذي‭ ‬نأكله‭ ‬كله‭ ‬كذب‭ ‬في‭ ‬كذب‭: ‬عصير‭ ‬التفاح‭ ‬‮«‬الطبيعي‮»‬‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬سائل‭ ‬مسكّر‭ ‬يضاف‭ ‬إليه‭ ‬روح‭ ‬او‭ ‬نكهة‭ ‬التفاح،‭ ‬وقرأت‭ ‬في‭ ‬مجلة‭ ‬عربية‭ ‬ان‭ ‬سلطات‭ ‬البلدية‭ ‬اكتشفت‭ ‬ان‭ ‬باعة‭ ‬السمك‭ ‬يدهنون‭ ‬أنواعا‭ ‬رخيصة‭ ‬بالصبغ‭ ‬المخصص‭ ‬للأخشاب‭ ‬ليبيعوه‭ ‬على‭ ‬انه‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬السمك‭ ‬باهظ‭ ‬الثمن،‭ ‬وأكاد‭ ‬أجزم‭ ‬بان‭ ‬90‭% ‬من‭ ‬عسل‭ ‬النحل‭ ‬المطروح‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬العربية‭ ‬‮«‬عسل‭ ‬ذباب‭ ‬او‭ ‬صراصير‮»‬‭. ‬وفي‭ ‬بعض‭ ‬البلدان‭ ‬يتم‭ ‬خلط‭ ‬القليل‭ ‬جدا‭ ‬من‭ ‬عسل‭ ‬النحل‭ ‬الطبيعي‭ ‬بالسكر‭ ‬المذاب‭ ‬مع‭ ‬إضافة‭ ‬بضع‭ ‬نحلات‭ ‬ميتة‭ ‬الى‭ ‬الخلطة‭ ‬لإعطاء‭ ‬الانطباع‭ ‬بان‭ ‬العسل‭ ‬غير‭ ‬مغشوش‭ ‬بدليل‭ ‬النحل‭ ‬الذي‭ ‬لقي‭ ‬مصرعه‭ ‬وهو‭ ‬يدافع‭ ‬عن‭ ‬الخلية‭!‬

يعتقد‭ ‬الأمريكيون‭ ‬ان‭ ‬المحاماة‭ ‬هي‭ ‬مهنة‭ ‬الكذب‭ ‬‮«‬القانوني‮»‬،‭ ‬أي‭ ‬أنها‭ ‬تبيح‭ ‬لمن‭ ‬يمارسها‭ ‬حق‭ ‬الكذب‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬التعرض‭ ‬للمساءلة،‭ ‬وكان‭ ‬هناك‭ ‬رجل‭ ‬متهم‭ ‬بجريمة‭ ‬قتل‭ ‬ولكن‭ ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬العثور‭ ‬على‭ ‬جثة‭ ‬القتيل‭ ‬فإن‭ ‬الأدلة‭ ‬الظرفية‭ ‬كانت‭ ‬كافية‭ ‬لإدانته‭ ‬المتهم،‭ ‬وعند‭ ‬المرافعة‭ ‬الختامية‭ ‬وقف‭ ‬محامي‭ ‬المتهم‭ ‬وقال‭ ‬لهيئة‭ ‬المحلفين‭: ‬إن‭ ‬موكلي‭ ‬بريء‭. ‬وسيدخل‭ ‬الشخص‭ ‬الذي‭ ‬قيل‭ ‬انه‭ ‬قتله‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الباب‭ ‬الآن‭! ‬هنا‭ ‬استدار‭ ‬الجميع‭ ‬صوب‭ ‬الباب‭ ‬ولكن‭ ‬لم‭ ‬يدخل‭ ‬منه‭ ‬أحد،‭ ‬فخاطب‭ ‬المحامي‭ ‬المحكمة‭: ‬التفاتكم‭ ‬نحو‭ ‬الباب‭ ‬دليل‭ ‬على‭ ‬ان‭ ‬هناك‭ ‬شكا‭ ‬في‭ ‬ان‭ ‬هناك‭ ‬قتيلا‭. ‬والشك‭ ‬يفسر‭ ‬لصالح‭ ‬المتهم،‭ ‬ولما‭ ‬حكم‭ ‬القاضي‭ ‬بإدانة‭ ‬المتهم‭ ‬احتج‭ ‬المحامي‭ ‬قائلا‭: ‬أنت‭ ‬أيضا‭ ‬كنت‭ ‬تشك‭ ‬في‭ ‬أمر‭ ‬القتيل،‭ ‬ونظرت‭ ‬الى‭ ‬الباب‭ ‬منتظرا‭ ‬دخوله‭! ‬فأجاب‭ ‬القاضي‭: ‬ولكن‭ ‬المتهم‭ ‬كان‭ ‬هو‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬ينظر‭ ‬إلى‭ ‬الباب‭!‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا