زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
الكذب في غير أبريل
من فضل الله علينا أننا بريؤون الى حد كبير من كثير من الآفات والعلل الاجتماعية والنفسية التي تتفشى في المجتمعات الغربية، بسبب تفشي المخدرات والتفكك الأُسري، كما أننا بريؤون أيضا مما يسمى بكذبة ابريل، فهي ليست ممارسة إلا في أضيق نطاق في العالم العربي، فرغم أننا صرنا نجاري الغرب في أشياء كثيرة، مثل عيد الحب، وعيد الأم، إلا أن كذبة أبريل ليست شائعة في مجتمعاتنا، بل تقتصر على مقالب تدبرها بعض الصحف.
ذلك لأن حياتنا في معظمها أكذوبة. أرقام التضخم كذب.. واحصاءات البطالة إفك.. وكوننا مجتمعات تحترم تقاليدها فرية. ولعل أبلغ رأي حول كذبة أبريل هو ما قام به صحفي تركي قبل نحو 20 سنة عندما كتب عن معرض للحمير النادرة، يقام في أكبر ميادين العاصمة التركية أنقرة في الأول من ابريل من تلك السنة، وتقاطر الناس بالآلاف إلى المعرض المزعوم فلم يجدوا أثرا لأي حمار، فبعث الكثيرون منهم برسائل احتجاج الى الصحيفة ذاكرين انهم لم يجدوا أي حمير بالميدان، ولكن الصحيفة صدرت في اليوم التالي وعلى صدرها صور الآلاف في الميدان تحت تعليق: الحمير الذين شاركوا في المعرض أمس!
من آفات الحياة المعاصرة ان الكذب بات غير مستهجن في مواقع العمل وفي البيوت، ووسائل الإعلام تكذب بوقاحة مثيرة للإعجاب، ومن يتحدثون عن انه لا تنازل عن الدولة الفلسطينية – مثلا – جعلوا من كل أيام السنة الأول من أبريل، ولا ينال الترقية في مكان العمل الا الكذاب المنافق، حتى شهاداتنا الأكاديمية كاذبة في معظمها، فاصبحنا نقابل أشخاصا يحملون درجة الدكتوراه ويعانون من الأمية الهجائية، (وكما كتبت هنا قبل نحو شهور فإنني أعرف عناوين عدة مواقع على الانترنت تزودك بالماجستير والدكتوراه وانت تمارس النوم أو الصياعة، وحصلت شخصيا على تخصص أمراض المسالك البولية من جامعة هارفارد نظير أقل من 100 دولار، ولمن يرغب في معرفة تلك المواقع ان يوقع عقدا معي يعطيني بموجبه شهريا 10% فقط من الراتب الذي سيحصل عليه بعد ان يصبح مديرا بموجب الشهادة الأونطة)، حتى الطعام الذي نأكله كله كذب في كذب: عصير التفاح «الطبيعي» قد يكون عبارة عن سائل مسكّر يضاف إليه روح او نكهة التفاح، وقرأت في مجلة عربية ان سلطات البلدية اكتشفت ان باعة السمك يدهنون أنواعا رخيصة بالصبغ المخصص للأخشاب ليبيعوه على انه نوع من السمك باهظ الثمن، وأكاد أجزم بان 90% من عسل النحل المطروح في الأسواق العربية «عسل ذباب او صراصير». وفي بعض البلدان يتم خلط القليل جدا من عسل النحل الطبيعي بالسكر المذاب مع إضافة بضع نحلات ميتة الى الخلطة لإعطاء الانطباع بان العسل غير مغشوش بدليل النحل الذي لقي مصرعه وهو يدافع عن الخلية!
يعتقد الأمريكيون ان المحاماة هي مهنة الكذب «القانوني»، أي أنها تبيح لمن يمارسها حق الكذب من دون التعرض للمساءلة، وكان هناك رجل متهم بجريمة قتل ولكن وعلى الرغم من عدم العثور على جثة القتيل فإن الأدلة الظرفية كانت كافية لإدانته المتهم، وعند المرافعة الختامية وقف محامي المتهم وقال لهيئة المحلفين: إن موكلي بريء. وسيدخل الشخص الذي قيل انه قتله من هذا الباب الآن! هنا استدار الجميع صوب الباب ولكن لم يدخل منه أحد، فخاطب المحامي المحكمة: التفاتكم نحو الباب دليل على ان هناك شكا في ان هناك قتيلا. والشك يفسر لصالح المتهم، ولما حكم القاضي بإدانة المتهم احتج المحامي قائلا: أنت أيضا كنت تشك في أمر القتيل، ونظرت الى الباب منتظرا دخوله! فأجاب القاضي: ولكن المتهم كان هو الوحيد الذي لم ينظر إلى الباب!

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك