العدد : ١٧٦٥١ - الثلاثاء ٢١ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٥١ - الثلاثاء ٢١ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ صفر ١٤٤٨هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

ميتة وخراب ديار

التباهي‭ ‬والتفاخر‭ ‬والفشخرة‭ ‬سمة‭ ‬مميزة‭ ‬لحياتنا‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬وكأننا‭ ‬نخوض‭ ‬منافسة‭ ‬ضد‭ ‬الجيران‭ ‬والأقارب،‭ ‬لإثبات‭ ‬أينا‭ ‬الأكثر‭ ‬ترفا‭ ‬ورغدا،‭ ‬ولهذا‭ ‬صار‭ ‬فصل‭ ‬الصيف،‭ ‬موسم‭ ‬الورطات‭ ‬المالية،‭ ‬فكثيرون‭ ‬يقترضون‭ ‬مئات‭ ‬الآلاف‭ ‬لقضاء‭ ‬الإجازة‭ ‬الصيفية‭ ‬في‭ ‬بلد‭ ‬أجنبي،‭ ‬ثم‭ ‬يقضون‭ ‬بقية‭ ‬شهور‭ ‬السنة‭ ‬وهم‭ ‬يقرضون‭ ‬أظافرهم‭ ‬ندما‭! ‬وما‭ ‬غلاء‭ ‬المهور‭ ‬إلا‭ ‬نتاج‭ ‬ميلنا‭ ‬العجيب‭ ‬لجعل‭ ‬الزواج‭ ‬مناسبة‭ ‬لاستعراض‭ ‬العضلات‭ ‬المالية‭ ‬والوجاهة‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬فيضطر‭ ‬ذو‭ ‬الدخل‭ ‬المحدود‭ ‬الى‭ ‬تأجيل‭ ‬الزواج‭ ‬ربما‭ ‬لعقود‭ ‬كي‭ ‬يتزوج‭ ‬بهيلمان‭ ‬كما‭ ‬فعل‭ ‬زيد‭ ‬او‭ ‬عبيد،‭ ‬وبعد‭ ‬ان‭ ‬يتوافر‭ ‬له‭ ‬المال‭ ‬قد‭ ‬ترفضه‭ ‬البنات‭ ‬من‭ ‬منطلق‭ ‬انه‭ ‬شيبة‭ ‬وأصلع‭ ‬ومكعكع‭! ‬وقد‭ ‬نوهت‭ ‬وغيري‭ ‬مرارا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬ارتفاع‭ ‬كلفة‭ ‬الزواج‭ ‬في‭ ‬بلداننا‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬الأحوال‭ ‬بسبب‭ ‬طمع‭ ‬أو‭ ‬عنطزة‭ ‬‮«‬أهل‭ ‬البنت‮»‬،‭ ‬بل‭ ‬كثيرا‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬ذلك‭ ‬لأن‭ ‬أهل‭ ‬العريس‭ ‬يريدون‭ ‬أن‭ ‬يثبتوا‭ ‬للجميع‭ ‬أنهم‭ ‬ليسوا‭ ‬‮«‬أقل‮»‬‭ ‬من‭ ‬زعيط‭ ‬ومعيط‭ ‬ونطاط‭ ‬الحيط‭!‬

ومؤخرا‭ ‬ظهرت‭ ‬موضة‭ ‬جعل‭ ‬المآتم‭ ‬مناسبة‭ ‬للفشخرة،‭ ‬وخلال‭ ‬الإجازات‭ ‬التي‭ ‬قضيتها‭ ‬في‭ ‬الخرطوم‭ ‬جلست‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬‮«‬مأتم‮»‬‭ ‬وتناولت‭ ‬الطعام‭ ‬وبسبب‭ ‬تنوع‭ ‬أصنافه‭ ‬كنت‭ ‬أحسب‭ ‬لبعض‭ ‬الوقت‭ ‬أنني‭ ‬أشارك‭ ‬في‭ ‬مناسبة‭ ‬سعيدة‭. ‬خمسة‭ ‬أو‭ ‬سبعة‭ ‬أصناف‭ ‬من‭ ‬الطعام،‭ ‬بينما‭ ‬والى‭ ‬عهد‭ ‬قريب‭ ‬كنا‭ ‬في‭ ‬السودان‭ ‬نحرص‭ ‬على‭ ‬التكافل‭ ‬في‭ ‬المآتم‭ ‬فيذهب‭ ‬الجيران‭ ‬بطعامهم‭ ‬الى‭ ‬بيت‭ ‬العزاء‭ ‬في‭ ‬الوجبات‭ ‬الثلاث،‭ ‬بنظام‭ ‬الجود‭ ‬بالموجود،‭ ‬أي‭ ‬ان‭ ‬كل‭ ‬بيت‭ ‬يعد‭ ‬‮«‬صينية‮»‬‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬استطاعته‭ ‬ويبعث‭ ‬بها‭ ‬الى‭ ‬مكان‭ ‬تلقي‭ ‬العزاء،‭ ‬ولكن‭ ‬وبعد‭ ‬ان‭ ‬ظهرت‭ ‬طبقة‭ ‬طفيلية‭ ‬غنية،‭ ‬بات‭ ‬اصحاب‭ ‬العزاء‭ ‬يتبارون‭ ‬في‭ ‬تقديم‭ ‬الوجبات‭ ‬الفاخرة‭ ‬وأحيانا‭ ‬الجاهزة‭ ‬المعدة‭ ‬في‭ ‬الفنادق‭ ‬والمطاعم‭ ‬الكبيرة،‭ ‬وقرأت‭ ‬قبل‭ ‬حين‭ ‬من‭ ‬الدهر‭ ‬في‭ ‬صحيفة‭ ‬سودانية‭ ‬عن‭ ‬مأتم‭ ‬اقيم‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬الخرطوم‭ ‬بحري‭ ‬كانت‭ ‬فيه‭ ‬قريبات‭ ‬المتوفى‭ ‬يرتدين‭ ‬ملابس‭ ‬متشابهة‭ ‬وعلى‭ ‬الموائد‭ ‬اغطية‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬لون‭ ‬ملابسهن‭ ‬مع‭ ‬تغيير‭ ‬الملابس‭ ‬وبالتالي‭ ‬الالوان‭ ‬ثلاث‭ ‬مرات‭ ‬يوميا،‭ ‬وذلك‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬ثلاثة‭ ‬ايام‭ ‬كان‭ ‬فيها‭ ‬الطعام‭ ‬القادم‭ ‬في‭ ‬فندق‭ ‬يقدم‭ ‬بواسطة‭ ‬جرسونات‭ ‬محترفين‭ ‬يلبسون‭ ‬البنطلونات‭ ‬المحزقة‭ ‬وحول‭ ‬رقابهم‭ ‬تلك‭ ‬الربطة‭ ‬الأفقية‭ ‬التي‭ ‬تشبه‭ ‬الخيار،‭ ‬ولا‭ ‬أفهم‭ ‬سر‭ ‬ارتداء‭ ‬عمال‭ ‬المطاعم‭ ‬الراقية‭ ‬لتلك‭ ‬الربطة‭ ‬‮«‬البيبيون‮»‬‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬الكرافتة‭ ‬الطويلة‭. ‬هل‭ ‬لأن‭ ‬الكرافتة‭ ‬قد‭ ‬تتدلى‭ ‬وتنغمس‭ ‬في‭ ‬الأكل‭ ‬والصحون؟‭ ‬جائز‭.. ‬المهم‭ ‬ان‭ ‬تلك‭ ‬الفنجرة‭ ‬والفشخرة‭ ‬والعنطزة‭ ‬تدل‭ ‬على‭ ‬ان‭ ‬اهل‭ ‬المتوفى‭ ‬كانوا‭ ‬ينتظرون‭ ‬وفاته‭ ‬بفارغ‭ ‬الصبر‭ ‬واستعدوا‭ ‬للمناسبة‭ ‬‮«‬السعيدة‮»‬‭ ‬بخياطة‭ ‬الملابس‭ ‬والمفارش‭ ‬ذات‭ ‬الالوان‭ ‬المتجانسة‭... ‬ومات‭ ‬الرجل‭ ‬و«ما‭ ‬صدّقوا‮»‬‭: ‬يللا‭ ‬يا‭ ‬بنات‭ ‬النهار‭ ‬ده‭ ‬كله‭ ‬بمبي‭ ‬وباكر‭ ‬بنفسجي‭ ‬وبعده‭ ‬تركواز‭ ‬بالأوف‭ ‬وايت‭.‬

يقع‭ ‬مبنى‭ ‬الاذاعة‭ ‬والتلفزيون‭ ‬السوداني‭ ‬على‭ ‬شاطئ‭ ‬النيل‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬ام‭ ‬درمان‭ (‬كنت‭ ‬أحب‭ ‬هذه‭ ‬المدينة‭ ‬لأنها‭ ‬ذات‭ ‬طعم‭ ‬خاص‭ ‬ومتفرد‭ ‬ولكنني‭ ‬اكتشفت‭ ‬مؤخرا‭ ‬أنها‭ ‬تقع‭ ‬على‭ ‬نفس‭ ‬خط‭ ‬عرض‭ ‬سيئ‭ ‬الذكر‭ ‬غوانتنامو‭) ‬وتجد‭ ‬بالقرب‭ ‬من‭ ‬النيل‭ ‬بيوتا‭ ‬جميلة‭ ‬يسكنها‭ ‬كبار‭ ‬موظفي‭ ‬الدولة،‭ ‬تطل‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬نسميه‭ ‬في‭ ‬السودان‭ ‬الطابية،‭ ‬وهي‭ ‬استحكامات‭ ‬قوات‭ ‬الثورة‭ ‬المهدية‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الغزو‭ ‬البريطاني‭ ‬في‭ ‬اواخر‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر،‭ ‬وتجذب‭ ‬الطابية‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬السواح‭ ‬لانها‭ ‬مرتبطة‭ ‬بمعركة‭ ‬اثبت‭ ‬فيها‭ ‬الانجليز‭ ‬همجيتهم،‭ ‬حيث‭ ‬حصدت‭ ‬اسلحتهم‭ ‬الحديثة‭ ‬أرواح‭ ‬عشرات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬السودانيين‭ ‬في‭ ‬ساعات‭ ‬معدودة،‭ ‬ثم‭ ‬حفروا‭ ‬قبر‭ ‬المهدي‭ ‬وانتزعوا‭ ‬جمجمته‭ ‬وارسلوها‭ ‬الى‭ ‬لندن‭ ‬حيث‭ ‬استخدمها‭ ‬الحكام‭ ‬منفضة‭ (‬طفاية‭) ‬للسجاير‭!! ‬المهم‭ ‬انه‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬سرادق‭ ‬عزاء‭ ‬كبير‭ ‬بالقرب‭ ‬من‭ ‬الطابية،‭ ‬ومر‭ ‬سائحان‭ ‬غربيان‭ ‬به،‭ ‬وعجبوا‭ ‬لان‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يدخل‭ ‬السرادق‭ ‬تُقدم‭ ‬له‭ ‬المشروبات‭ ‬الباردة‭ ‬والساخنة،‭ ‬وكانت‭ ‬موضة‭ ‬تقديم‭ ‬العصير‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬الماء‭ ‬قد‭ ‬بدأت‭ ‬تنتشر،‭ ‬فدخلا‭ ‬السرادق،‭ ‬وجاءهم‭ ‬صبي‭ ‬بصينية‭ ‬العصير‭ ‬والشاي،‭ ‬ولكن‭ ‬احدهما‭ ‬صاح‭ ‬فيه‭: ‬نو‭.. ..‬آي‭ ‬وونت‭ ‬بير‭!! ‬يعني‭ ‬ابن‭ ‬قراد‭ ‬الخنزير‭ ‬طلب‭ ‬بيرة‭!! ‬فصاح‭ ‬فيه‭ ‬شيخ‭ ‬جليل‭: ‬امشي‭ ‬من‭ ‬هنا‭ ‬يا‭ ‬نجس،‭ ‬ثم‭ ‬عقب‭ ‬قائلا‭: ‬ربما‭ ‬سيأتي‭ ‬اليوم‭ ‬الذي‭ ‬يقدمون‭ ‬فيه‭ ‬البيرة‭ ‬في‭ ‬المآتم‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬‮«‬تحديث‮»‬‭ ‬وتطوير‭ ‬أساليب‭ ‬العزاء‭!‬

‭*‬ميتة‭ ‬وخراب‭ ‬ديار‭ ‬مثل‭ ‬يضرب‭ ‬عندما‭ ‬يكون‭ ‬فقد‭ ‬شخص‭ ‬عزيز‭ ‬مصحوبا‭ ‬بخسائر‭ ‬مالية‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا