تمثل المباني صفرية الطاقة قفزة كبيرة في تقنيات التشييد والبناء المستدام، بما يتناسب والتوجه العالمي نحو المباني الخضراء الصديقة للبيئة. وبات هذا المصطلح (Net Zero Energy Buildings) من أبرز الاتجاهات الحديثة في قطاع العقارات. فما الذي تعنيه المباني صفرية الطاقة؟ وما فرقها عن البناء التقليدي؟
ببساطة، المبنى هنا ينشأ بطريقة بحيث ينتج كمية من الطاقة المتجددة أكبر أو تعادل تقريباً إجمالي كمية الطاقة التي يستهلكها على مدار عام كامل. وبالتالي المبنى صفري الطاقة لا يعني أنه لا يستهلك كهرباء إطلاقاً، بل يعني أن كمية الطاقة التي ينتجها خلال السنة تعادل كمية الطاقة التي يستهلكها.
ولتحويل أي مبنى إلى مبنى صفري الطاقة، يجب تطبيق منهجية دقيقة تعتمد على ثلاث ركائز أساسية:
أولا: التصميم السلبي الذكي الذي يعتمد على استغلال الطبيعة المحيطة لتقليل الحاجة إلى التدفئة، التبريد، والإضاءة أكثر من الاعتماد على التكنولوجيا المعقدة، وبالتالي يصمم المبنى بشكل يحقق اقصى استفادة من الإضاءة الطبيعية وإضاءة LED وأنظمة تحكم ذكية، وكذلك عزل الجدران والأسقف حراريا، واستخدام زجاج عالي الكفاءة يقلل دخول الحرارة مثل استخدام زجاج مزدوج أو ثلاثي الطبقات ومطلي بطبقات عاكسة للحرارة يسمح بمرور الضوء ويمنع دخول الحرارة الناتجة عن أشعة الشمس.
ويتم كذلك الاعتماد على أنظمة تكييف عالية الكفاءة خاصة في المناطق الحارة التي يعتبر التكييف أكبر مستهلك للطاقة.
كما يتم الحرص على توجيه المبنى للاستفادة القصوى من حركة الشمس للتدفئة الطبيعية شتاءً وتجنب الحرارة صيفا والاعتماد على الرياح للتهوية الطبيعية.
ثانيا: إنتاج الطاقة من مصادر متجددة. فبعد تقليص حجم استهلاك المبنى للطاقة، يتم تغطية الاحتياج المتبقي عبر وسائل إنتاج الطاقة النظيفة مثل استخدام الخلايا الشمسية التي تُثبت على الأسطح أو تدمج في واجهات المباني ومواقف السيارات المزودة بألواح شمسية. وكذلك اعتماد أنظمة تسخين المياه بالطاقة الشمسية لتقليل استهلاك الكهرباء في تسخين المياه، واستخدام المضخات الحرارية الجوفية لاستغلال ثبات درجة حرارة باطن الأرض في التبريد والتدفئة. وأيضا استخدام طاقة الرياح وأنظمة الطاقة الحرارية الأرضية في بعض المناطق.
ثالثا: الإدارة الذكية للطاقة. وهنا تصمم المباني بحيث تستخدم أنظمة تستهلك الحد الأدنى من الكهرباء وتعتمد على أجهزة استشعار وأنظمة إدارة متطورة (BMS) مع الاعتماد على الذكاء الاصطناعي لتحليل الاستهلاك وشغيل الأجهزة عند الحاجة فقط. ومن الوسائل الحديثة في هذا الجانب، أنظمة التكييف والتدفئة الذكية، والاضاءة الذكية التي تعتمد على صمامات ثنائية (LED) مرتبطة بحساسات حركة وحساسات لضوء النهار لضبط شدة الإضاءة تلقائياً.
وهنا يعتمد توفير هذه الاشتراطات على عدة عوامل مثل:
- مساحة السطح المتاحة للألواح الشمسية.
- موقع المبنى. فمثلا المناطق ذات الإشعاع الشمسي العالي تتمتع بفرص أكبر.
- تصميم المبنى من البداية وفق معايير كفاءة الطاقة، فهذا يوفر فرصا أفضل من مبنى تقليدي يتم تعديل أنظمته لاحقاً.
- سلوك المستخدمين وانضباطهم.
وبالتالي عند توفر هذه الاشتراطات، يمكن للمبنى ان يحقق عدة فوائد، أبرزها:
1- فوائد مادية مثل خفض تكاليف التشغيل وفواتير الكهرباء. فمثلا توفر هذه المباني ميزة استثنائية تتمثل في التخلص الشامل من فواتير الكهرباء الى حد كبير. وعلى الرغم من ارتفاع التكلفة المبدئية بنسب قد تصل الى 15%، إلا أن هذه الكلفة تُمثل استثماراً ذكياً يتم استرداده خلال سنوات قليلة من التشغيل.
2- ارتفاع قيمة العقار وتعزيز جاذبية المشاريع خاصة وان الكثير من المشترين باتوا يهتمون بالمباني التي تتميز بكفاءة الطاقة وانخفاض المصاريف التشغيلية ومعايير الاستدامة. وبالتالي ترفع هذه التقنيات من القيمة الاستثمارية للعقارات، وبنفس الوقت توفر بيئة صحية بفضل أنظمة التهوية المستمرة والذكية.
3- الحفاظ على البيئة من خلال خفض انبعاثات الكربون وحماية المناخ العام. وهو اهم الجوانب التي تميز المباني صفرية الطاقة. ولكن قد يواجه ذلك تحدياً يتعلق بالبصمة الكربونية للمواد المستخدمة في البناء والتكنولوجيا الصديقة للبيئة، حيث تتطلب طاقة عالية جداً أثناء مرحلة تصنيعها الأساسية.
وعلى الرغم من فوائدها، فإن هذا النوع من المباني لايزال يواجه تحديات عديدة من أبرزها:
* الكلفة الأولية. حيث تتطلب كما أشرنا كلفة إضافية لاستخدام أنظمة العزل الحراري والأنظمة الذكية والألواح الشمسية. لكنها تكلفة من الممكن ان تسترد تدريجيا وخلال فترة محدودة من خلال انخفاض المصروفات التشغيلية.
* تحديات تخزين الطاقة. فمثلا في الأجواء غير المشمسة او الفترة المسائية يتطلب الامر بطاريات تخزين أو ربطا مع شبكة الكهرباء.
* صعوبة تطبيقها على المباني القديمة كون الامر يحتاج الكثير من التغييرات لتحقيق المواصفات المطلوبة.
ويبقى السؤال الهام، هل يتناسب هذا النوع من المباني مع المناخ الخليجي؟
في الحقيقة هناك إيجابيات وتحديات في أجواء المنطقة.
فمن جانب، تواجه المباني صفرية الطاقة تحديا كبيرا في دولنا بسبب درجات الحرارة الشديدة صيفاً والتي تتطلب مستويات قياسيا من تكييف الهواء. وهذا ما جعل الحكومات وحتى الشركات تلجأ الى حلول عملية مثل التظليل الذكي ومصدات الرياح وتقليل المساحات الزجاجية المعرضة للشمس المباشرة، واستخدام الواجهات المظللة ذاتياً. والتركيز على ثقافة المدن المستدامة.
ومن التحديات، ان ارتفاع نسبة الغبار يؤثر على أداء الألواح الشمسية التي تحتاج إلى تنظيف دوري.
فضلا عن ان الرطوبة الساحلية المرتفعة في مناطق مثل البحرين والسواحل الخليجية تتطلب مواد وأنظمة خاصة مقاومة للتآكل.
لكن بالمقابل، يعتبر المناخ الخليجي من البيئات المناسبة جداً لهذا النوع من المباني بسبب:
- ارتفاع معدل الإشعاع الشمسي طوال العام، فمعظم دول الخليج تتمتع بساعات طويلة من سطوع الشمس، مما يجعل الألواح الشمسية ذات جدوى عالية.
- ارتفاع كلفة التكييف، وبالتالي فإن تحسين كفاءة التبريد يحقق وفورات كبيرة.
- وجود مساحات ومشاريع جديدة يمكن تصميمها من البداية وفق معايير صفرية الطاقة.
بقي ان نذكر ان تكلفة البناء في مثل هذا النوع من المباني قد تزيد مقارنة بالمبنى التقليدي بنحو%5 إلى 15% في المشاريع الجديدة. ولكن تحويل مبنى قائم إلى مبنى صفري الطاقة فقد يكون أعلى تكلفة بسبب الحاجة إلى تحديث الأنظمة. وإن كانت هذه الزيادة قابلة للتعويض من خلال انخفاض فواتير الكهرباء، وانخفاض تكاليف التشغيل والصيانة، وزيادة جاذبية العقار للمستأجرين والمشترين، وارتفاع القيمة السوقية للمباني المستدامة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك