العدد : ١٧٦٣٧ - الثلاثاء ٠٧ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٢ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٣٧ - الثلاثاء ٠٧ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٢ محرّم ١٤٤٨هـ

الكواليس

وفاء جناحي

waffajanahi@gmail.com

اذكروا محاسن موتاكم

اذكروا‭ ‬محاسن‭ ‬موتاكم،‭ ‬واستغفروا‭ ‬لهم،‭ ‬وماذا‭ ‬لو‭ ‬لم‭ ‬اتذكر‭ ‬له‭ ‬إلا‭ ‬السيئات؟‭ ‬ماذا‭ ‬لو‭ ‬ترك‭ ‬الميت‭ ‬وراءه‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬حطام‭ ‬البشر‭ ‬الذين‭ ‬كنت‭ ‬أحبهم؟‭ ‬ماذا‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬الميت‭ ‬سببا‭ ‬في‭ ‬تدمير‭ ‬حياة‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الناس؟

نظرت‭ ‬الي‭ ‬بنظرة‭ ‬اصابتني‭ ‬بالتوتر‭ ‬من‭ ‬كثرة‭ ‬المعاناة‭ ‬فيه‭ ‬وقالت‭ ‬بثبات‭ ‬غريب‭: (‬اعتذر‭ ‬كثيرا‭) ‬ولكنني‭ ‬مازلت‭ ‬لا‭ ‬أستطيع‭ ‬ان‭ ‬استغفر‭ ‬له‭ ‬كلما‭ ‬تذكرته،‭ ‬بل‭ ‬مازلت‭ ‬ألعنه‭ ‬واشتمه‭ ‬في‭ ‬قلبي‭ ‬كلما‭ ‬تذكرت‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يفعله‭ ‬بأمي‭ ‬وانا‭ ‬صغيرة،‭ ‬وكيف‭ ‬استطاع‭ ‬ان‭ ‬يحطم‭ ‬كل‭ ‬آمالها‭ ‬وطموحاتها‭ ‬امام‭ ‬الجميع‭ ‬سواء‭ ‬بالكلام‭ ‬القاسي‭ ‬الساخر‭ ‬او‭ ‬بالحزام‭! ‬اما‭ ‬أخي‭ ‬الوحيد‭ ‬فتحول‭ ‬الى‭ ‬مدمن‭ ‬بسببه‭ ‬وبدل‭ ‬ان‭ ‬يحتويه‭ ‬ازداد‭ ‬عليه‭ ‬قسوة‭ ‬حتى‭ ‬فلت‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬يده‭.‬

تقول‭: ‬خوفي‭ ‬من‭ ‬جبروته‭ ‬وتصرفاته‭ ‬البشعة‭ ‬جعلني‭ ‬احاول‭ ‬ان‭ ‬اهرب‭ ‬من‭ ‬البيت‭ ‬لأول‭ ‬من‭ ‬طرق‭ ‬الباب‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬انني‭ ‬كنت‭ ‬مدللته،‭ ‬ولكنني‭ ‬لم‭ ‬اشعر‭ ‬بالأمان‭ ‬معه‭ ‬وانا‭ ‬اسمع‭ ‬بغير‭ ‬قصد‭ ‬خالتي‭ ‬تقف‭ ‬في‭ ‬وجهه‭ ‬وتهدده‭ ‬بأن‭ ‬تفضحه‭ ‬لأنه‭ ‬تحرش‭ ‬بها‭ ‬وحاول‭ ‬الاعتداء‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬وقت‭ ‬احتاجت‭ ‬فيه‭ ‬الى‭ ‬مساعدته،‭ ‬ولكنه‭ ‬خان‭ ‬الأمانة‭ ‬وتحول‭ ‬بيته‭ ‬الى‭ ‬رعب‭ ‬بدل‭ ‬الأمان،‭ ‬هربت‭ ‬من‭ ‬بيت‭ ‬سمعت‭ ‬فيه‭ ‬قصصا‭ ‬مرعبة‭ ‬عن‭ ‬والدي‭ ‬الذي‭ ‬من‭ ‬المفروض‭ ‬ان‭ ‬يكون‭ ‬أكثر‭ ‬إنسان‭ ‬أحبه‭ ‬وأثق‭ ‬به‭ ‬ولكنه‭ ‬كان‭ ‬الغول‭ ‬الذي‭ ‬دمر‭ ‬عمي‭ ‬وحوله‭ ‬الى‭ ‬مريض‭ ‬نفسي‭ ‬لكي‭ ‬يسرق‭ ‬ماله‭. ‬اعترف‭ ‬اخيرا‭ ‬بأنني‭ ‬لا‭ ‬أعرف‭ ‬صحة‭ ‬ما‭ ‬كنت‭ ‬أسمع‭ ‬ما‭ ‬يدور‭ ‬عنه‭ ‬في‭ ‬الخفاء‭ ‬ولكنني‭ ‬متأكدة‭ ‬من‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬يرعب‭ ‬الجميع،‭ ‬وان‭ ‬معظم‭ ‬أفراد‭ ‬عائلتي‭ ‬كانوا‭ ‬يتجنبون‭ ‬التصادم‭ ‬معه‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬موضوع‭ ‬في‭ ‬صغري‭ ‬نظرا‭ ‬لعصبيته‭ ‬الشديدة،‭ ‬لدرجة‭ ‬انه‭ ‬كان‭ ‬يرفع‭ ‬السلاح‭ ‬الابيض‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يحاول‭ ‬ان‭ ‬يدافع‭ ‬عن‭ ‬امي‭ ‬عندما‭ ‬كان‭ ‬يقسو‭ ‬عليها‭ ‬ويضربها،‭ ‬وكان‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭ ‬الفاصل‭ ‬الذي‭ ‬جعلني‭ ‬اهرب‭ ‬من‭ ‬البيت‭ ‬غير‭ ‬الآمن‭ ‬لزوج‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬أنانية‭ ‬عن‭ ‬أبي‭ ‬ولكنه‭ ‬ليس‭ ‬بعنيف‭ ‬وكان‭ ‬هذا‭ ‬يكفيني‭.‬

آسفة‭: ‬لن‭ ‬أستطيع‭ ‬ان‭ ‬استغفر‭ ‬له‭ ‬لأنني‭ ‬لم‭ ‬أذق‭ ‬طعم‭ ‬السعادة‭ ‬الزوجية،‭ ‬ولا‭ ‬أستطيع‭ ‬الانفصال‭ ‬بسبب‭ ‬ارتباطي‭ ‬الشديد‭ ‬بأبنائي،‭ ‬كما‭ ‬انني‭ ‬أرى‭ ‬ما‭ ‬آلت‭ ‬اليه‭ ‬حالة‭ ‬أمي‭ ‬التي‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬حطام‭ ‬انسان،‭ ‬أمي‭ ‬الغالية‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬الجميع‭ ‬يحلف‭ ‬بجمالها‭ ‬وحسن‭ ‬طباعها‭ ‬وشخصيتها‭ ‬القوية‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬طفلة‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬امها‭ ‬من‭ ‬ابنتها،‭ ‬حيث‭ ‬انها‭ ‬فقدت‭ ‬عقلها‭ ‬تماما‭ ‬واصبحت‭ ‬تحتاج‭ ‬الى‭ ‬رعاية‭ ‬كاملة‭ ‬كالطفل‭ ‬المولود‭ ‬حديثا‭. ‬وكلما‭ ‬رأيتها‭ ‬شعرت‭ ‬بأنني‭ ‬اريد‭ ‬ان‭ ‬ألعنه‭ ‬إلى‭ ‬يوم‭ ‬الدين‭.‬

أما‭ ‬أخي‭ ‬فانتهت‭ ‬حياته‭ ‬مع‭ ‬الادمان‭ ‬ونتوقع‭ ‬ان‭ ‬نسمع‭ ‬خبر‭ ‬اعتقاله‭ ‬او‭ ‬موته‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬وقت،‭ ‬واصبحت‭ ‬وحيدة‭ ‬في‭ ‬دنيا‭ ‬لا‭ ‬ترحم‭ ‬الضعيف‭ ‬ابدا‭.‬

لا‭ ‬أنكر‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬وحشا‭ ‬معي،‭ ‬بل‭ ‬حنونا‭ ‬بشكل‭ ‬غريب‭ ‬وكنت‭ ‬احبه‭ ‬ولكنني‭ ‬لم‭ ‬أستطع‭ ‬أن‭ ‬احترمه،‭ ‬وكلما‭ ‬حاول‭ ‬أن‭ ‬يقترب‭ ‬مني‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬شيء‭ ‬ثقيل‭ ‬في‭ ‬داخلي‭ ‬يبعده‭ ‬ويأبى‭ ‬ان‭ ‬يسامحه‭.‬

حاولت‭ ‬ان‭ ‬اسامحه‭ ‬واغفر‭ ‬له‭ ‬ولكنني‭ ‬لم‭ ‬أستطع‭ ‬الى‭ ‬الآن‭ ‬ولا‭ ‬أعرف‭ ‬إن‭ ‬كنت‭ ‬سأستطيع‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬من‭ ‬الايام‭.‬

إنها‭ ‬المرة‭ ‬الوحيدة‭ ‬التي‭ ‬استطعت‭ ‬فيها‭ ‬أن‭ ‬أعبر‭ ‬فيها‭ ‬عن‭ ‬مشاعري‭ ‬الحقيقية‭ ‬تجاه‭ ‬والدي‭ ‬أمامك‭ ‬فقط،‭ ‬وكأنني‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أتحرر‭ ‬من‭ ‬ذنب‭ ‬أفعله‭ ‬داخل‭ ‬قلبي‭ ‬لا‭ ‬أعرف‭ ‬مدى‭ ‬صحته‭ ‬وما‭ ‬أفعله‭ ‬ولكنه‭ ‬شعوري‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أي‭ ‬تغليف‭ ‬أو‭ ‬مجاملة‭ ‬أو‭ ‬تزييف،‭ ‬وأردتها‭ ‬أن‭ ‬تخرج‭ ‬لأول‭ ‬وآخر‭ ‬مرة‭ ‬في‭ ‬حياتي‭ ‬علها‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تجعلني‭ ‬أغفر‭ ‬لأبي‭ ‬وأستطيع‭ ‬أن‭ ‬أذكر‭ ‬محاسنه‭ ‬واستغفر‭ ‬له‭.‬

ما‭ ‬رأيكم‭ ‬أنتم؟‭ ‬هل‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نغفر‭ ‬ونتغاضى‭ ‬عن‭ ‬مساوئ‭ ‬الأشخاص‭ ‬بعد‭ ‬موتهم؟‭ ‬هل‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نسامح‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬درجة‭ ‬الإساءة؟

إقرأ أيضا لـ"وفاء جناحي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا