العدد : ١٧٦٢٤ - الأربعاء ٢٤ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٢٤ - الأربعاء ٢٤ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ محرّم ١٤٤٨هـ

العقاري

معايير ومواصفات مباني المؤسسات التعليمية لذوي الاحتياجات الخاصة وصعوبات التعلم
البحرين ترسخ مسيرتها في التربية الخاصة بالأرقام والإنجازات

{ بقلم: رجاء الجشي

الأربعاء ١٠ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

لا‭ ‬يقتصر‭ ‬توفير‭ ‬الخدمات‭ ‬التعليمية‭ ‬لذوي‭ ‬صعوبات‭ ‬التعلم‭ ‬أو‭ ‬ذوي‭ ‬الاحتياجات‭ ‬الخاصة‭ ‬على‭ ‬فصول‭ ‬دراسية‭ ‬أو‭ ‬مرافق‭ ‬أساسية‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬ومع‭ ‬ما‭ ‬يشهده‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬اهتمام‭ ‬متزايد‭ ‬بتطوير‭ ‬البيئات‭ ‬التعليمية‭ ‬الداعمة‭ ‬لمختلف‭ ‬فئات‭ ‬الطلبة،‭ ‬أصبحت‭ ‬المواصفات‭ ‬والمعايير‭ ‬المتعلقة‭ ‬بهذه‭ ‬الفئة‭ ‬عاملاً‭ ‬محورياً‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬العملية‭ ‬التعليمية‭ ‬وتعزيز‭ ‬فرص‭ ‬النجاح‭ ‬الأكاديمي‭ ‬للطلبة‭ ‬من‭ ‬ذوي‭ ‬صعوبات‭ ‬التعلم‭ ‬أو‭ ‬ذوي‭ ‬الهمم‭.‬

وبالتالي‭ ‬يعتبر‭ ‬التصميم‭ ‬المعماري‭ ‬للمؤسسات‭ ‬التعليمية‭ ‬ركيزة‭ ‬أساسية‭ ‬في‭ ‬نجاح‭ ‬الهدف‭ ‬التربوي‭. ‬فالتصميم‭ ‬المدروس‭ ‬للمساحات‭ ‬التعليمية‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الألوان‭ ‬والإضاءة‭ ‬والهدوء‭ ‬وتسهيل‭ ‬الحركة‭ ‬وغيرها،‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬خلق‭ ‬بيئة‭ ‬تعليمية‭ ‬آمنة‭ ‬ومريحة‭ ‬ومحفزة‭ ‬تتناغم‭ ‬واحتياجات‭ ‬الطلاب‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الفئة‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬احتياجات‭ ‬حسية‭ ‬أو‭ ‬إدراكية‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬مادية‭. ‬

ومن‭ ‬أبرز‭ ‬المواصفات‭ ‬والمعايير‭ ‬الهندسية‭ ‬والبيئية‭ ‬المفرض‭ ‬مراعاتها‭ ‬عند‭ ‬تصميم‭ ‬أي‭ ‬مؤسسة‭ ‬تعليمية‭ ‬تعنى‭ ‬بهذه‭ ‬الفئة‭:‬

‭- ‬تصميم‭ ‬الفصول‭ ‬الدراسية‭ ‬والمساحات‭ ‬التعليمية‭ ‬بشكل‭ ‬يضمن‭ ‬المرونة‭ ‬وحرية‭ ‬الحركة‭ ‬الآمنة‭. ‬لذلك‭ ‬غالبا‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬الفصول‭ ‬الدراسية‭ ‬أوسع‭ ‬من‭ ‬الفصول‭ ‬التقليدية‭ ‬وتضم‭ ‬أعدادا‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬الطلبة‭.‬

‭- ‬توفير‭ ‬الغرف‭ ‬التي‭ ‬يحتاج‭ ‬إليها‭ ‬بعض‭ ‬فئات‭ ‬الطلاب‭ ‬من‭ ‬ذوي‭ ‬صعوبات‭ ‬التعلم‭ ‬مثل‭ ‬غرف‭ ‬الهدوء‭ ‬والتنظيم‭ ‬الحسي‭ ‬التي‭ ‬تصمم‭ ‬بشكل‭ ‬آمن‭ ‬وإضاءة‭ ‬خافتة،‭ ‬ويلجأ‭ ‬إليها‭ ‬الطالب‭ ‬عندما‭ ‬يشعر‭ ‬بالضغط‭ ‬او‭ ‬‮«‬الحمل‭ ‬الحسي‭ ‬الزائد‮»‬‭ ‬لإعادة‭ ‬تنظيم‭ ‬طاقته‭.‬

‭- ‬الأثاث‭ ‬المناسب،‭ ‬مثل‭ ‬استخدام‭ ‬مقاعد‭ ‬وطاولات‭ ‬قابلة‭ ‬لتعديل‭ ‬الارتفاع،‭ ‬ومقاعد‭ ‬تتيح‭ ‬الحركة‭ ‬الخفيفة‭ ‬لمساعدة‭ ‬الطلاب‭ ‬على‭ ‬تفريغ‭ ‬طاقتهم‭ ‬الحركية‭ ‬أثناء‭ ‬التعلم‭.‬

‭- ‬معايير‭ ‬السلامة‭ ‬والأمان،‭ ‬مثل‭ ‬الحواف‭ ‬الدائرية‭ ‬وتجنب‭ ‬الزوايا‭ ‬الحادة‭ ‬في‭ ‬الجدران‭ ‬والأثاث،‭ ‬واستخدام‭ ‬حمايات‭ ‬مطاطية‭ ‬لحماية‭ ‬الطلاب‭ ‬من‭ ‬الإصابات‭ ‬أثناء‭ ‬الحركة‭ ‬العفوية‭.‬

‭- ‬أرضيات‭ ‬آمنة‭ ‬مانعة‭ ‬للانزلاق‭ ‬وتمتص‭ ‬الصدمات‭ ‬مثل‭ ‬المطاط‭. ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬السجاد‭ ‬قد‭ ‬يعيق‭ ‬حركة‭ ‬الكراسي‭ ‬المتحركة‭. ‬

‭- ‬تصميم‭ ‬النوافذ‭ ‬بشكل‭ ‬آمن،‭ ‬يسمح‭ ‬بالتهوية‭ ‬الكافية‭ ‬دون‭ ‬خطر‭ ‬السقوط‭.‬

‭- ‬تصميم‭ ‬الأبواب‭ ‬بحيث‭ ‬تفتح‭ ‬للخارج‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬الحمامات‭ ‬والفصول‭ ‬لضمان‭ ‬إمكانية‭ ‬الوصول‭ ‬الى‭ ‬الداخل‭ ‬في‭ ‬حالات‭ ‬الطوارئ‭.‬

‭- ‬تصميم‭ ‬خاص‭ ‬للمرافق‭ ‬الصحية‭ ‬والخدمية‭ ‬مثل‭ ‬دورات‭ ‬مياه‭ ‬واسعة‭ ‬مجهزة‭ ‬بقضبان‭ ‬دعم‭ ‬ومغاسل‭ ‬ذات‭ ‬ارتفاعات‭ ‬مناسبة‭ ‬وأنظمة‭ ‬انذار‭ ‬واستشعار‭ ‬كافية‭. ‬

‭- ‬تصميم‭ ‬المناطق‭ ‬الخارجية‭ ‬وساحات‭ ‬اللعب‭ ‬بأرضيات‭ ‬مطاطية‭ ‬وألعاب‭ ‬دمج،‭ ‬وضمان‭ ‬سهولة‭ ‬الحركة‭ ‬وعدم‭ ‬وجود‭ ‬عوائق‭ ‬في‭ ‬كافة‭ ‬مرافق‭ ‬المؤسسة،‭ ‬مع‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬توفير‭ ‬الممرات‭ ‬المهيأة‭ ‬لمستخدمي‭ ‬الكراسي‭ ‬المتحركة‭ ‬والأبواب‭ ‬الأوتوماتيكية‭ ‬أو‭ ‬سهلة‭ ‬الفتح‭. ‬

‭- ‬توفير‭ ‬ممرات‭ ‬ومسارات‭ ‬ذات‭ ‬سعة‭ ‬كافية‭ ‬ومزودة‭ ‬بمسارات‭ ‬بارزة‭ ‬لتوجيه‭ ‬المكفوفين‭ ‬وضعاف‭ ‬البصر‭.‬

‭- ‬الحرص‭ ‬على‭ ‬توفير‭ ‬عناصر‭ ‬التوجيه‭ ‬البصري‭ ‬والمكاني،‭ ‬مثل‭ ‬استخدام‭ ‬الألوان‭ ‬المميزة‭ ‬والإشارات‭ ‬البصرية‭ ‬التي‭ ‬تساعد‭ ‬الطلاب‭ ‬الذين‭ ‬يعانون‭ ‬من‭ ‬صعوبات‭ ‬التعلم‭ ‬أو‭ ‬التوحد‭ ‬على‭ ‬التنقل‭ ‬باستقلالية‭.‬

‭- ‬توفير‭ ‬البيئة‭ ‬الحسية‭ ‬والتحكم‭ ‬في‭ ‬المشتتات،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يشمل‭ ‬العزل‭ ‬الصوتي‭ ‬خاصة‭ ‬لبعض‭ ‬الفئات‭ ‬مثل‭ ‬اضطراب‭ ‬طيف‭ ‬التوحد‭ ‬واضطراب‭ ‬فرط‭ ‬الحركة‭ ‬وتشتت‭ ‬الانتباه‭. ‬

‭- ‬الإضاءة‭ ‬المدروسة‭. ‬فمثلا‭ ‬قد‭ ‬تسبب‭ ‬إضاءة‭ ‬الفلورسنت‭ ‬التقليدية‭ ‬طنيناً‭ ‬خفياً‭ ‬ووميضاً‭ ‬غير‭ ‬مرئي‭ ‬يزعج‭ ‬بعض‭ ‬فئات‭ ‬الطلاب‭ ‬حسيّا‭. ‬لذلك‭ ‬يفضل‭ ‬في‭ ‬المؤسسات‭ ‬التي‭ ‬تعنى‭ ‬بهذه‭ ‬الفئات‭ ‬ان‭ ‬تعتمد‭ ‬بشكل‭ ‬أساسي‭ ‬على‭ ‬الإضاءة‭ ‬الطبيعية‭ ‬غير‭ ‬المباشرة،‭ ‬او‭ ‬إضاءة‭ ‬LED‭ ‬قابلة‭ ‬للتحكم‭ ‬في‭ ‬قوتها‭. ‬

‭- ‬استخدام‭ ‬ألوان‭ ‬هادئة‭ ‬ومحايدة‭ ‬والابتعاد‭ ‬عن‭ ‬الألوان‭ ‬الصارخة‭ ‬والنقوش‭ ‬المعقدة‭ ‬في‭ ‬الفصول‭ ‬لتقليل‭ ‬التشتت‭ ‬البصري‭.‬

في‭ ‬البحرين

عندما‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬تطور‭ ‬قطاع‭ ‬التربية‭ ‬الخاصة‭ ‬في‭ ‬البحرين،‭ ‬فإننا‭ ‬لا‭ ‬نتحدث‭ ‬فقط‭ ‬عن‭ ‬إنشاء‭ ‬مراكز‭ ‬أو‭ ‬تقديم‭ ‬خدمات‭ ‬تعليمية‭ ‬متخصصة،‭ ‬بل‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬مشروع‭ ‬وطني‭ ‬متكامل‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬تمكين‭ ‬الأشخاص‭ ‬ذوي‭ ‬الإعاقة‭ ‬وصعوبات‭ ‬التعلم‭ ‬من‭ ‬المشاركة‭ ‬الفاعلة‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬والحصول‭ ‬على‭ ‬فرص‭ ‬عادلة‭ ‬في‭ ‬التعليم‭ ‬والتأهيل‭ ‬والحياة‭ ‬الكريمة‭.‬

وخلال‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية‭ ‬استطاعت‭ ‬البحرين‭ ‬أن‭ ‬تحقق‭ ‬عدداً‭ ‬من‭ ‬الإنجازات‭ ‬النوعية‭ ‬التي‭ ‬وضعتها‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬متقدم‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬المنطقة‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬دعم‭ ‬ذوي‭ ‬الإعاقة،‭ ‬حيث‭ ‬تم‭ ‬بناء‭ ‬منظومة‭ ‬متكاملة‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬التشريعات‭ ‬والتنظيم‭ ‬المؤسسي‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية‭ ‬والخدمات‭ ‬التأهيلية‭ ‬المتخصصة

من‭ ‬أبرز‭ ‬هذه‭ ‬الإنجازات‭ ‬تنظيم‭ ‬عمل‭ ‬مراكز‭ ‬التربية‭ ‬الخاصة‭ ‬والتأهيل‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬أنظمة‭ ‬واضحة‭ ‬تحدد‭ ‬معايير‭ ‬الترخيص‭ ‬والكفاءة‭ ‬المهنية‭ ‬وجودة‭ ‬الخدمات‭ ‬المقدمة‭. ‬وجاء‭ ‬ذلك‭ ‬تجسيداً‭ ‬لمنظومة‭ ‬تشريعية‭ ‬راسخة،‭ ‬في‭ ‬مقدمتها‭ ‬القانون‭ ‬رقم‭ (‬74‭) ‬لسنة‭ ‬2006‭ ‬بشأن‭ ‬رعاية‭ ‬وتأهيل‭ ‬وتشغيل‭ ‬ذوي‭ ‬الإعاقة،‭ ‬والذي‭ ‬طُوِّر‭ ‬لاحقاً‭ ‬بالقانون‭ ‬رقم‭ (‬35‭) ‬لسنة‭ ‬2017،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬التصديق‭ ‬على‭ ‬اتفاقية‭ ‬حقوق‭ ‬الأشخاص‭ ‬ذوي‭ ‬الإعاقة‭ ‬عام‭ ‬2011‭. ‬فالحصول‭ ‬على‭ ‬ترخيص‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مجرد‭ ‬إجراء‭ ‬إداري،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬مرتبطاً‭ ‬بتوفير‭ ‬كوادر‭ ‬مؤهلة‭ ‬ومرافق‭ ‬مناسبة‭ ‬وخطط‭ ‬تشغيلية‭ ‬تضمن‭ ‬سلامة‭ ‬المستفيدين‭ ‬وجودة‭ ‬البرامج‭ ‬المقدمة‭ ‬لهم‭.‬

وتُجسِّد‭ ‬هذه‭ ‬الجهود‭ ‬أرقامٌ‭ ‬رسمية‭ ‬صادرة‭ ‬عن‭ ‬وزارة‭ ‬التنمية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬لعام‭ ‬2024،‭ ‬إذ‭ ‬بلغ‭ ‬عدد‭ ‬المراكز‭ ‬الأهلية‭ ‬16‭ ‬مركزاً‭ ‬يستفيد‭ ‬منها‭ ‬627‭ ‬شخصاً،‭ ‬فيما‭ ‬بلغ‭ ‬عدد‭ ‬المراكز‭ ‬الخاصة‭ ‬28‭ ‬مركزاً‭ ‬يستفيد‭ ‬منها‭ ‬719‭ ‬شخصاً،‭ ‬موزعة‭ ‬على‭ ‬كافة‭ ‬محافظات‭ ‬المملكة،‭ ‬مما‭ ‬يعكس‭ ‬حجم‭ ‬الاهتمام‭ ‬الرسمي‭ ‬والأهلي‭ ‬بهذا‭ ‬القطاع‭ ‬الحيوي‭.‬

كما‭ ‬أولت‭ ‬المملكة‭ ‬اهتماماً‭ ‬كبيراً‭ ‬بتهيئة‭ ‬البيئة‭ ‬العمرانية‭ ‬لتكون‭ ‬أكثر‭ ‬شمولاً‭ ‬وإتاحة‭ ‬للأشخاص‭ ‬ذوي‭ ‬الإعاقة‭. ‬فاشتراطات‭ ‬التخطيط‭ ‬العمراني‭ ‬والبلديات‭ ‬والدفاع‭ ‬المدني‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬الجوانب‭ ‬الإنشائية‭ ‬التقليدية،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬تراعي‭ ‬سهولة‭ ‬الحركة‭ ‬والوصول،‭ ‬وتوفير‭ ‬الممرات‭ ‬والمنحدرات‭ ‬والمرافق‭ ‬المهيأة‭ ‬ومخارج‭ ‬الطوارئ‭ ‬الآمنة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬فهماً‭ ‬متقدماً‭ ‬لمفهوم‭ ‬التصميم‭ ‬الشامل‭.‬

ولا‭ ‬يقتصر‭ ‬الأمر‭ ‬على‭ ‬الجوانب‭ ‬المعمارية‭ ‬والتصميم‭ ‬والاشتراطات‭ ‬لهذه‭ ‬المؤسسات‭. ‬فهناك‭ ‬جوانب‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬أهمية‭. ‬لذلك‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إنه‭ ‬من‭ ‬الإنجازات‭ ‬المهمة‭ ‬أيضاً‭ ‬التوسع‭ ‬في‭ ‬خدمات‭ ‬التدخل‭ ‬المبكر،‭ ‬وهو‭ ‬أحد‭ ‬أكثر‭ ‬المجالات‭ ‬تأثيراً‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬الأطفال‭ ‬ذوي‭ ‬الإعاقة‭ ‬وصعوبات‭ ‬التعلم‭. ‬فقد‭ ‬أثبتت‭ ‬الدراسات‭ ‬العالمية‭ ‬أن‭ ‬التدخل‭ ‬المبكر‭ ‬يسهم‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬في‭ ‬تحسين‭ ‬القدرات‭ ‬اللغوية‭ ‬والمعرفية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬للأطفال‭ ‬ويقلل‭ ‬من‭ ‬آثار‭ ‬الإعاقة‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬البعيد،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أدركته‭ ‬البحرين‭ ‬مبكراً‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬دعم‭ ‬البرامج‭ ‬والخدمات‭ ‬المتخصصة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭. ‬كما‭ ‬شهدت‭ ‬المملكة‭ ‬نمواً‭ ‬ملحوظاً‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬الأخصائيين‭ ‬والمعلمين‭ ‬المؤهلين‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬التربية‭ ‬الخاصة‭ ‬والنطق‭ ‬واللغة‭ ‬والعلاج‭ ‬الوظيفي‭ ‬والدعم‭ ‬الأكاديمي،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬جودة‭ ‬الخدمات‭ ‬المقدمة‭ ‬وتحقيق‭ ‬نتائج‭ ‬أفضل‭ ‬للأطفال‭ ‬وأسرهم‭.‬

وفي‭ ‬إطار‭ ‬التخطيط‭ ‬المنهجي،‭ ‬أطلقت‭ ‬المملكة‭ ‬خطتها‭ ‬التنفيذية‭ ‬للاستراتيجية‭ ‬الوطنية‭ ‬لحقوق‭ ‬الأشخاص‭ ‬ذوي‭ ‬الإعاقة‭ ‬منذ‭ ‬يوليو‭ ‬2023،‭ ‬مع‭ ‬فريق‭ ‬متخصص‭ ‬لرصد‭ ‬التقدم‭ ‬ومتابعة‭ ‬المؤشرات‭ ‬بشكل‭ ‬دوري،‭ ‬مما‭ ‬يضمن‭ ‬الشفافية‭ ‬والمساءلة‭ ‬في‭ ‬تقديم‭ ‬الخدمات‭.‬

ولا‭ ‬يمكن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬الإنجازات‭ ‬دون‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬توجه‭ ‬البحرين‭ ‬نحو‭ ‬تعزيز‭ ‬مفهوم‭ ‬الدمج‭ ‬التعليمي،‭ ‬الذي‭ ‬يعد‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬المؤشرات‭ ‬العالمية‭ ‬على‭ ‬تطور‭ ‬أنظمة‭ ‬التعليم‭ ‬الحديثة‭. ‬فالدمج‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬وجود‭ ‬الطالب‭ ‬داخل‭ ‬المدرسة،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬ليشمل‭ ‬مشاركته‭ ‬الفاعلة‭ ‬في‭ ‬الأنشطة‭ ‬التعليمية‭ ‬والاجتماعية،‭ ‬وتوفير‭ ‬التسهيلات‭ ‬والدعم‭ ‬الذي‭ ‬يضمن‭ ‬نجاحه‭ ‬واستقلاليته‭.‬

تجربة‭ ‬ميدانية

في‭ ‬إحدى‭ ‬تجاربي‭ ‬المهنية‭ ‬السابقة،‭ ‬التحق‭ ‬بنا‭ ‬طفل‭ ‬في‭ ‬الرابعة‭ ‬من‭ ‬عمره،‭ ‬لا‭ ‬يكاد‭ ‬يجلس‭ ‬لحظة،‭ ‬يركض‭ ‬بين‭ ‬الأركان،‭ ‬يقلب‭ ‬الألعاب‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يُكملها،‭ ‬وعيناه‭ ‬تتنقلان‭ ‬بسرعة‭ ‬كأنه‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬شيء‭ ‬لا‭ ‬يجده‭.‬

كان‭ ‬التشخيص‭ ‬واضحاً‭: ‬اضطراب‭ ‬فرط‭ ‬الحركة‭ ‬وتشتت‭ ‬الانتباه‭. ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬واضحاً‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬هو‭ ‬ذلك‭ ‬الذكاء‭ ‬اللامع‭ ‬الذي‭ ‬يختبئ‭ ‬خلف‭ ‬كل‭ ‬تلك‭ ‬الحركة‭.‬

بدأ‭ ‬الفريق‭ ‬المتخصص‭ ‬برسم‭ ‬خطة‭ ‬تدخل‭ ‬فردية‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬العلاج‭ ‬الوظيفي‭ ‬وبرامج‭ ‬التدريب‭ ‬الحسي‭ ‬وأنشطة‭ ‬تعزيز‭ ‬الانتباه،‭ ‬مع‭ ‬توجيه‭ ‬الأسرة‭ ‬على‭ ‬كيفية‭ ‬التعامل‭ ‬معه‭ ‬في‭ ‬البيت‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬التقدم‭ ‬فورياً،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬يشبه‭ ‬بناء‭ ‬جدار‭ ‬حجر‭ ‬حجر‭.‬

بعد‭ ‬أربعة‭ ‬أشهر،‭ ‬جلس‭ ‬الطفل‭ ‬أول‭ ‬مرة‭ ‬مدة‭ ‬عشر‭ ‬دقائق‭ ‬متواصلة‭ ‬يُكمل‭ ‬فيها‭ ‬نشاطاً‭ ‬بيده‭. ‬كانت‭ ‬لحظة‭ ‬بسيطة‭ ‬بالنسبة‭ ‬للآخرين،‭ ‬لكنها‭ ‬كانت‭ ‬انتصاراً‭ ‬حقيقياً‭ ‬لطفل‭ ‬كافح‭ ‬كثيراً‭ ‬ليصل‭ ‬إليها‭.‬

هذه‭ ‬القصة‭ ‬ليست‭ ‬استثناء،‭ ‬بل‭ ‬تتكرر‭ ‬على‭ ‬مر‭ ‬السنوات‭ ‬لتؤكد‭ ‬أن‭ ‬الاستثمار‭ ‬المبكر‭ ‬في‭ ‬هؤلاء‭ ‬الأطفال‭ ‬يُحدث‭ ‬فارقاً‭ ‬حقيقياً‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬أي‭ ‬إحصائية‭ ‬أن‭ ‬تعبّر‭ ‬عنه‭. ‬وبالتالي‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬الجهود‭ ‬مجتمعة‭ ‬جعلت‭ ‬من‭ ‬البحرين‭ ‬نموذجاً‭ ‬متميزاً‭ ‬في‭ ‬توفير‭ ‬بيئة‭ ‬تعليمية‭ ‬وتأهيلية‭ ‬داعمة،‭ ‬وأسهمت‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬جودة‭ ‬الحياة‭ ‬للأشخاص‭ ‬ذوي‭ ‬الإعاقة‭ ‬وأسرهم،‭ ‬كما‭ ‬فتحت‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬تطوير‭ ‬السياحة‭ ‬التعليمية‭ ‬المتخصصة،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬استقطاب‭ ‬الأسر‭ ‬الباحثة‭ ‬عن‭ ‬خدمات‭ ‬تأهيلية‭ ‬وتعليمية‭ ‬ذات‭ ‬جودة‭ ‬عالية‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬آمنة‭ ‬ومنظمة‭.‬

واليوم،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬نجاح‭ ‬أي‭ ‬دولة‭ ‬يقاس‭ ‬فقط‭ ‬بما‭ ‬تمتلكه‭ ‬من‭ ‬بنية‭ ‬تحتية‭ ‬أو‭ ‬مؤشرات‭ ‬اقتصادية،‭ ‬بل‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬تمكين‭ ‬جميع‭ ‬أفراد‭ ‬المجتمع‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬استثناء‭. ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق‭ ‬تواصل‭ ‬البحرين‭ ‬كتابة‭ ‬قصة‭ ‬نجاح‭ ‬ملهمة‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬التربية‭ ‬الخاصة،‭ ‬عنوانها‭ ‬الإنسان‭ ‬أولاً‭.‬

‭* ‬أخصائية‭ ‬التربية‭ ‬الخاصة‭.‬

 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا