لا يقتصر توفير الخدمات التعليمية لذوي صعوبات التعلم أو ذوي الاحتياجات الخاصة على فصول دراسية أو مرافق أساسية فحسب، بل ومع ما يشهده العالم من اهتمام متزايد بتطوير البيئات التعليمية الداعمة لمختلف فئات الطلبة، أصبحت المواصفات والمعايير المتعلقة بهذه الفئة عاملاً محورياً في دعم العملية التعليمية وتعزيز فرص النجاح الأكاديمي للطلبة من ذوي صعوبات التعلم أو ذوي الهمم.
وبالتالي يعتبر التصميم المعماري للمؤسسات التعليمية ركيزة أساسية في نجاح الهدف التربوي. فالتصميم المدروس للمساحات التعليمية بما في ذلك الألوان والإضاءة والهدوء وتسهيل الحركة وغيرها، يسهم في خلق بيئة تعليمية آمنة ومريحة ومحفزة تتناغم واحتياجات الطلاب من هذه الفئة سواء كانت احتياجات حسية أو إدراكية أو حتى مادية.
ومن أبرز المواصفات والمعايير الهندسية والبيئية المفرض مراعاتها عند تصميم أي مؤسسة تعليمية تعنى بهذه الفئة:
- تصميم الفصول الدراسية والمساحات التعليمية بشكل يضمن المرونة وحرية الحركة الآمنة. لذلك غالبا ما تكون الفصول الدراسية أوسع من الفصول التقليدية وتضم أعدادا أقل من الطلبة.
- توفير الغرف التي يحتاج إليها بعض فئات الطلاب من ذوي صعوبات التعلم مثل غرف الهدوء والتنظيم الحسي التي تصمم بشكل آمن وإضاءة خافتة، ويلجأ إليها الطالب عندما يشعر بالضغط او «الحمل الحسي الزائد» لإعادة تنظيم طاقته.
- الأثاث المناسب، مثل استخدام مقاعد وطاولات قابلة لتعديل الارتفاع، ومقاعد تتيح الحركة الخفيفة لمساعدة الطلاب على تفريغ طاقتهم الحركية أثناء التعلم.
- معايير السلامة والأمان، مثل الحواف الدائرية وتجنب الزوايا الحادة في الجدران والأثاث، واستخدام حمايات مطاطية لحماية الطلاب من الإصابات أثناء الحركة العفوية.
- أرضيات آمنة مانعة للانزلاق وتمتص الصدمات مثل المطاط. في حين أن السجاد قد يعيق حركة الكراسي المتحركة.
- تصميم النوافذ بشكل آمن، يسمح بالتهوية الكافية دون خطر السقوط.
- تصميم الأبواب بحيث تفتح للخارج خاصة في الحمامات والفصول لضمان إمكانية الوصول الى الداخل في حالات الطوارئ.
- تصميم خاص للمرافق الصحية والخدمية مثل دورات مياه واسعة مجهزة بقضبان دعم ومغاسل ذات ارتفاعات مناسبة وأنظمة انذار واستشعار كافية.
- تصميم المناطق الخارجية وساحات اللعب بأرضيات مطاطية وألعاب دمج، وضمان سهولة الحركة وعدم وجود عوائق في كافة مرافق المؤسسة، مع التركيز على توفير الممرات المهيأة لمستخدمي الكراسي المتحركة والأبواب الأوتوماتيكية أو سهلة الفتح.
- توفير ممرات ومسارات ذات سعة كافية ومزودة بمسارات بارزة لتوجيه المكفوفين وضعاف البصر.
- الحرص على توفير عناصر التوجيه البصري والمكاني، مثل استخدام الألوان المميزة والإشارات البصرية التي تساعد الطلاب الذين يعانون من صعوبات التعلم أو التوحد على التنقل باستقلالية.
- توفير البيئة الحسية والتحكم في المشتتات، وهذا ما يشمل العزل الصوتي خاصة لبعض الفئات مثل اضطراب طيف التوحد واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه.
- الإضاءة المدروسة. فمثلا قد تسبب إضاءة الفلورسنت التقليدية طنيناً خفياً ووميضاً غير مرئي يزعج بعض فئات الطلاب حسيّا. لذلك يفضل في المؤسسات التي تعنى بهذه الفئات ان تعتمد بشكل أساسي على الإضاءة الطبيعية غير المباشرة، او إضاءة LED قابلة للتحكم في قوتها.
- استخدام ألوان هادئة ومحايدة والابتعاد عن الألوان الصارخة والنقوش المعقدة في الفصول لتقليل التشتت البصري.
في البحرين
عندما نتحدث عن تطور قطاع التربية الخاصة في البحرين، فإننا لا نتحدث فقط عن إنشاء مراكز أو تقديم خدمات تعليمية متخصصة، بل نتحدث عن مشروع وطني متكامل يهدف إلى تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة وصعوبات التعلم من المشاركة الفاعلة في المجتمع والحصول على فرص عادلة في التعليم والتأهيل والحياة الكريمة.
وخلال السنوات الماضية استطاعت البحرين أن تحقق عدداً من الإنجازات النوعية التي وضعتها في موقع متقدم على مستوى المنطقة في مجال دعم ذوي الإعاقة، حيث تم بناء منظومة متكاملة تجمع بين التشريعات والتنظيم المؤسسي والبنية التحتية والخدمات التأهيلية المتخصصة
من أبرز هذه الإنجازات تنظيم عمل مراكز التربية الخاصة والتأهيل من خلال أنظمة واضحة تحدد معايير الترخيص والكفاءة المهنية وجودة الخدمات المقدمة. وجاء ذلك تجسيداً لمنظومة تشريعية راسخة، في مقدمتها القانون رقم (74) لسنة 2006 بشأن رعاية وتأهيل وتشغيل ذوي الإعاقة، والذي طُوِّر لاحقاً بالقانون رقم (35) لسنة 2017، فضلاً عن التصديق على اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة عام 2011. فالحصول على ترخيص لم يعد مجرد إجراء إداري، بل أصبح مرتبطاً بتوفير كوادر مؤهلة ومرافق مناسبة وخطط تشغيلية تضمن سلامة المستفيدين وجودة البرامج المقدمة لهم.
وتُجسِّد هذه الجهود أرقامٌ رسمية صادرة عن وزارة التنمية الاجتماعية لعام 2024، إذ بلغ عدد المراكز الأهلية 16 مركزاً يستفيد منها 627 شخصاً، فيما بلغ عدد المراكز الخاصة 28 مركزاً يستفيد منها 719 شخصاً، موزعة على كافة محافظات المملكة، مما يعكس حجم الاهتمام الرسمي والأهلي بهذا القطاع الحيوي.
كما أولت المملكة اهتماماً كبيراً بتهيئة البيئة العمرانية لتكون أكثر شمولاً وإتاحة للأشخاص ذوي الإعاقة. فاشتراطات التخطيط العمراني والبلديات والدفاع المدني لم تعد تقتصر على الجوانب الإنشائية التقليدية، بل أصبحت تراعي سهولة الحركة والوصول، وتوفير الممرات والمنحدرات والمرافق المهيأة ومخارج الطوارئ الآمنة، وهو ما يعكس فهماً متقدماً لمفهوم التصميم الشامل.
ولا يقتصر الأمر على الجوانب المعمارية والتصميم والاشتراطات لهذه المؤسسات. فهناك جوانب لا تقل أهمية. لذلك يمكن القول إنه من الإنجازات المهمة أيضاً التوسع في خدمات التدخل المبكر، وهو أحد أكثر المجالات تأثيراً في حياة الأطفال ذوي الإعاقة وصعوبات التعلم. فقد أثبتت الدراسات العالمية أن التدخل المبكر يسهم بشكل مباشر في تحسين القدرات اللغوية والمعرفية والاجتماعية للأطفال ويقلل من آثار الإعاقة على المدى البعيد، وهو ما أدركته البحرين مبكراً من خلال دعم البرامج والخدمات المتخصصة في هذا المجال. كما شهدت المملكة نمواً ملحوظاً في عدد الأخصائيين والمعلمين المؤهلين في مجالات التربية الخاصة والنطق واللغة والعلاج الوظيفي والدعم الأكاديمي، الأمر الذي أسهم في رفع جودة الخدمات المقدمة وتحقيق نتائج أفضل للأطفال وأسرهم.
وفي إطار التخطيط المنهجي، أطلقت المملكة خطتها التنفيذية للاستراتيجية الوطنية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة منذ يوليو 2023، مع فريق متخصص لرصد التقدم ومتابعة المؤشرات بشكل دوري، مما يضمن الشفافية والمساءلة في تقديم الخدمات.
ولا يمكن الحديث عن الإنجازات دون الإشارة إلى توجه البحرين نحو تعزيز مفهوم الدمج التعليمي، الذي يعد أحد أهم المؤشرات العالمية على تطور أنظمة التعليم الحديثة. فالدمج لا يقتصر على وجود الطالب داخل المدرسة، بل يمتد ليشمل مشاركته الفاعلة في الأنشطة التعليمية والاجتماعية، وتوفير التسهيلات والدعم الذي يضمن نجاحه واستقلاليته.
تجربة ميدانية
في إحدى تجاربي المهنية السابقة، التحق بنا طفل في الرابعة من عمره، لا يكاد يجلس لحظة، يركض بين الأركان، يقلب الألعاب من دون أن يُكملها، وعيناه تتنقلان بسرعة كأنه يبحث عن شيء لا يجده.
كان التشخيص واضحاً: اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه. لكن ما لم يكن واضحاً في البداية هو ذلك الذكاء اللامع الذي يختبئ خلف كل تلك الحركة.
بدأ الفريق المتخصص برسم خطة تدخل فردية تجمع بين العلاج الوظيفي وبرامج التدريب الحسي وأنشطة تعزيز الانتباه، مع توجيه الأسرة على كيفية التعامل معه في البيت. لم يكن التقدم فورياً، بل كان يشبه بناء جدار حجر حجر.
بعد أربعة أشهر، جلس الطفل أول مرة مدة عشر دقائق متواصلة يُكمل فيها نشاطاً بيده. كانت لحظة بسيطة بالنسبة للآخرين، لكنها كانت انتصاراً حقيقياً لطفل كافح كثيراً ليصل إليها.
هذه القصة ليست استثناء، بل تتكرر على مر السنوات لتؤكد أن الاستثمار المبكر في هؤلاء الأطفال يُحدث فارقاً حقيقياً لا تستطيع أي إحصائية أن تعبّر عنه. وبالتالي فإن هذه الجهود مجتمعة جعلت من البحرين نموذجاً متميزاً في توفير بيئة تعليمية وتأهيلية داعمة، وأسهمت في تعزيز جودة الحياة للأشخاص ذوي الإعاقة وأسرهم، كما فتحت المجال أمام تطوير السياحة التعليمية المتخصصة، من خلال استقطاب الأسر الباحثة عن خدمات تأهيلية وتعليمية ذات جودة عالية في بيئة آمنة ومنظمة.
واليوم، لم يعد نجاح أي دولة يقاس فقط بما تمتلكه من بنية تحتية أو مؤشرات اقتصادية، بل بقدرتها على تمكين جميع أفراد المجتمع من دون استثناء. ومن هذا المنطلق تواصل البحرين كتابة قصة نجاح ملهمة في مجال التربية الخاصة، عنوانها الإنسان أولاً.
* أخصائية التربية الخاصة.


هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك