إعداد: محمد الساعي
في الوقت الذي تشهد فيه الاقتصادات تضخما مطردا وارتفاعا عالميا في الأسعار، يصاحبه تغير في عادات المستهلكين وتفضيلاتهم وأولوياتهم، نجد أن كثيرا من العلامات التجارية استطاعت مواجهة هذا التحدي والصمود بقوة، بحيث تبقى التفضيل الأول للعملاء الذين قد يلجؤون إلى خيارات أقل تكلفة في سلع أساسية بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة، ولكن عندما يرتبط الأمر بهذه العلامات التجارية، فإن الأمر أشبه بخط أحمر على الرغم من توافر بدائل أرخص!
وهنا يبرز سؤال مهم، لماذا يواصل البعض شراء علامات تجارية مرتفعة السعر ويتجاهلون الأرخص؟
ثم.. في الوقت الذي تتنافس فيه الشركات بالأسعار والعروض، كيف تنجح علامات أخرى في الحفاظ على زبائنها، بل وجذبهم بأسعار أعلى؟
في الواقع الموضوع أكثر تعقيدا وتجذرا مما يبدو. ووفقا للدراسات والمختصين، لا يرتبط الأمر بالجودة فحسب، وإنما أيضا بعدة عوامل منها عوامل نفسية وتسويقية واجتماعية وعلاقات طويلة الأمد بين الشركة والعملاء.
الجودة
عندما نتحدث عن أول هذه العوامل التي تجعل المستهلك يثق بعلامة تجارية دون غيرها على الرغم من ارتفاع سعرها، تأتي الجودة والاستمرارية تبقيان في المقدمة. فالمستهلك يميل إلى العلامات التي تمنحه تجربة مستقرة وتلبي توقعاته وتشعره بالأمان عند الشراء.
وما يعزز ذلك هو السمعة المكتسبة عبر سنوات طويلة، والهوية البصرية والتسويق الاحترافي الذي يسهم في ترسيخ صورة ذهنية قوية لدى الجمهور، حيث تنجح بعض الشركات في ربط علامتها بمفاهيم مثل الجودة أو الفخامة أو الابتكار، ما يجعل المستهلك أكثر ميلاً لاختيارها حتى مع ارتفاع السعر. يضاف إلى ذلك الشفافية التي أصبحت عاملاً مهماً في عصر التواصل الرقمي، إذ يفضل المستهلك العلامات التي توضح معلومات منتجاتها وتتفاعل بوضوح مع الجمهور، بينما قد تتضرر ثقة العملاء سريعاً عند وقوع أخطاء أو أزمات يتم التعامل معها بشكل سيئ.
وهذا ما تؤكده الدراسات مثل دراسة: «التجربة مع العلامة التجارية تبرر السعر الأعلى» التي نشرتها Journal of Retailing and Consumer Services عام 2018 والتي أكدت أن التجربة الجيدة تخلق «مبررا نفسيا» للسعر الأعلى، وهذا التأثير يتمثل في الثقة والشعور بالتميز.
وبالتالي تنجح بعض الشركات في بيع منتجاتها بأسعار أعلى من المنافسين لأنها لا تعتمد على المنتج وحده، بل على القيمة التي يشعر المستهلك بأنه يحصل عليها. بمعنى آخر إن الشركة تركز على خلق تجربة مميزة ومتكاملة وليس سلعة فقط. وهذه التجربة تبدأ من طريقة عرض المنتج والتغليف والتسويق، وصولاً إلى خدمة ما بعد البيع. هذه التفاصيل تجعل المنتج يبدو مختلفاً حتى لو كانت هناك بدائل مشابهة من الناحية العملية.
وذهبت دراسة «المخاطر والثقة في العلامة التجارية» التي نشرتها مجلة Journal of Retailing and Consumer Services عام 2016 إلى أن الأمان النفسي يلعب دورا في قرارات المستهلك. وكلما زادت الثقة بالعلامة التجارية يقل إحساس المستهلك بالمخاطرة. كما أن تقليل «القلق من الفشل» يجعل المستهلك يقبل السعر الأعلى.
الولاء والانتماء
من جانب آخر، تؤكد الدراسات أن الولاء للعلامة التجارية أصبح أقوى من عامل السعر خصوصاً لدى المستهلكين الذين تربطهم تجربة إيجابية طويلة مع منتج أو شركة معينة. وبالتالي فإن الشركات لم تعد تبيع منتجاً فقط، بل تبني علاقة عاطفية ونفسية مع المستهلك، عبر الجودة الثابتة وخدمة العملاء والتسويق المؤثر وتجربة الاستخدام. ومع الوقت يتحول المنتج إلى جزء من نمط حياة المستهلك، ما يجعل قرار الشراء أقل ارتباطاً بالسعر وحده.
وهذا الولاء يظهر بوضوح خلال فترات التضخم. إذ تنجح علامات تجارية في الحفاظ على عملائها في حين تخسر أخرى زبائنها. ووفقا لدراسة بعنوان «الولاء للعلامة التجارية ورفع الاستعداد للدفع» التي نشرتها مجلة Behavioral Sciences عام 2025، فإن هناك علاقة إيجابية قوية بين ولاء المستهلك للعلامة التجارية وارتفاع استعداده لدفع سعر أعلى. كما أنه في المنتجات مرتفعة السعر، يعتمد القرار على الثقة والتجربة وليس على السعر فقط.
ولا يقتصر الأمر على الانتماء فقط، بل تنجح بعض الشركات في جعل العملاء أنفسهم مدافعين عن العلامة التجارية ويروجون لها بشكل تلقائي حتى مع ارتفاع الأسعار أو ظهور منافسين جدد، لأن العلاقة هنا تصبح عاطفية ونفسية أكثر من كونها مرتبطة بالمنتج فقط.
التسوق العاطفي
ومن الجوانب المهمة التي تركز عليها هذه الشركات هو التسوق العاطفي الذي أصبح من أكثر الأدوات تأثيراً في قرارات الشراء ربما أكثر من السعر والمواصفات. وهذا يعتمد على نجاح العلامة التجارية في خلق المشاعر لدى العميل. كأن تعتمد الشركات على ربط منتجاتها بمفاهيم مثل السعادة والنجاح والثقة والانتماء والذكريات. وهذه المفاهيم كفيلة ببناء علاقة عاطفية مع المستهلك. لذلك تركز الإعلانات الحديثة على القصص والمشاعر والتجارب لأن التأثير العاطفي يترك أثراً أطول في ذهن المستهلك. وهذا ما يجعل المستهلك في كثير من الأحيان يشتري الشعور المرتبط بالمنتج أكثر من حاجته الفعلية إليه، خصوصاً في المنتجات المرتبطة بالموضة أو التقنية أو الرفاهية.
دراسة أجريت عام 2023 بعنون (تأثير الهوية والعاطفة في السعر) ونشرتها مجلة Journal of Business Research أكدت أن الارتباط العاطفي بالعلامة التجارية يلعب دوراً محورياً في رفع القيمة المدركة للمنتج، وأن المستهلك في كثير من الحالات لا يشتري المنتج فقط، بل يشتري الهوية الاجتماعية والمعنى العاطفي المرتبط بالعلامة التجارية، وهو ما يفسر قبول الأسعار المرتفعة حتى في وجود بدائل أقل سعراً.
وهو ما أكدته أيضا الدراسة التي أشرنا إليها سابقا «الولاء للعلامة التجارية ورفع الاستعداد للدفع»، حيث خلصت إلى أنه كلما زاد الارتباط العاطفي والسلوكي بالعلامة، قلّت حساسية المستهلك للسعر.
المكانة الاجتماعية
قدرة الشركة على ربط العلامة بالمكانة الاجتماعية يلعب دورا لا يقل أهمية عما سبق. حيث يؤكد المختصون أن كثيراً من قرارات الشراء عند المستهلكين ترتبط أيضا بما يمثله المنتج من هوية ومكانة اجتماعية تعكس أسلوب حياتهم أو تمنحهم شعوراً بالتميز والانتماء إلى فئة اجتماعية محددة، خاصة في منتجات الأزياء والتقنية والسيارات والعطور. وهنا تتحول العلامة التجارية إلى رمز يعبر عن الذوق أو النجاح أو الرفاهية، وليس مجرد سلعة. والشركات الناجحة تدرك هذا الجانب جيداً، وتركز على بناء قصة وهوية حول منتجاتها.
وسائل التواصل الاجتماعي
هنا يبرز عامل مهم يعزز كل العوامل السابقة وهو الذي تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دورا في ترسيخ صورة العلامات الفاخرة، بل باتت هذه الوسائل والمؤثرين فيها أحد أهم الأدوات التي تعتمد عليها الشركات في بناء «القيمة المدركة» لعلاماتها من خلال المحتوى المرئي عالي الجودة والإعلانات الموجهة والشراكات مع المؤثرين. وبالتالي تنجح هذه العلامات في تقديم نفسها ليس فقط كمنتجات، بل كأسلوب حياة مثل السفر والرفاهية والتجارب الحصرية التي ينشرها المؤثرون والتي تسهم في ربط العلامة التجارية بالنجاح والمكانة الاجتماعية.
فضلا عن أن وسائل التواصل الاجتماعي تسمح للعلامات الفاخرة بالوصول إلى جمهور أوسع من دون فقدان هويتها، من خلال التحكم في الصورة البصرية والرسائل التسويقية، مع الحفاظ على عنصر الحصرية والندرة الذي يُعد أساساً في عالم الفخامة.
أضف إلى ذلك أن هذه المنصات أسهمت في رفع سقف التوقعات لدى المستهلكين، حيث أصبحوا يقيِّمون العلامات التجارية بناءً على حضورها الرقمي وصورتها الاجتماعية، وليس فقط على جودة المنتج أو السعر.
بين السعر والجودة
يبرز هنا سؤال مهم: هل يعطي ارتفاع السعر دائما انطباعا أعلى بالجودة حتى قبل تجربة المنتج؟
في الواقع يؤكد خبراء التسويق أن ذلك صحيح إلى حد كبير. حيث إن ارتفاع السعر يخلق شعورا أولياً لدى المستهلك بأن المنتج أعلى جودة، حتى قبل تجربته فعلياً. هذه الظاهرة تسمى «السعر كإشارة للجودة». حيث يميل المستهلك ذهنياً إلى ربط السعر المرتفع بالتصنيع الأفضل والمواد الأعلى جودة، أو العلامة التجارية الأكثر موثوقية، لذلك يصبح السعر نفسه جزءاً من عملية اتخاذ القرار وليس مجرد نتيجة لها.
وتستفيد بعض الشركات من هذا الجانب عبر تسعير منتجاتها بشكل أعلى من المنافسين، ثم دعم هذا السعر بالتسويق والصورة الذهنية والتجربة العامة، ما يعزز لدى المستهلك فكرة أن «الأغلى يعني أفضل».
ولكن يؤكد خبراء أن هذا الانطباع ليس دائماً دقيقاً، إذ قد توجد منتجات بأسعار أقل تقدم جودة مماثلة أو حتى أفضل، لكن غياب السمعة أو التسويق القوي يجعلها أقل حضوراً في ذهن المستهلك عند اتخاذ قرار الشراء.
الحفاظ على المكانة
في النتيجة، تحافظ العلامات العالمية على مكانتها رغم التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة باستخدام العوامل النفسية والتسويقية. وبنفس الوقت تعتمد على مجموعة من الاستراتيجيات التي توازن بين حماية الأرباح وعدم خسارة قاعدة العملاء.
ومن هذه الاستراتيجيات «رفع القيمة المدركة» للمنتج وجعل المستهلك يشعر أن ما يدفعه ما زال مبرراً رغم ارتفاع الأسعار. لذلك تلجأ إلى تحسينات في الجودة أو تطوير التغليف، أو تقديم تجربة شراء أفضل، أو إضافة مزايا خدمية مثل الضمان وخدمة ما بعد البيع.
كما تعتمد بعض الشركات في فترات التضخم على «الرفع التدريجي للأسعار» بحيث يتم رفع السعر بشكل غير مفاجئ وعلى فترات متباعدة، وهو ما يقلل من رد فعل المستهلك السلبي ويجعل التغيير أكثر قبولا.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك