«أخبار الخليج» ترصد تغيرات رحلة الحاج من حيث طبيعة الخدمات المقدمة أو حجم الإنفاق المطلوب
في 1988 كانت الرحلة عبر البر «باللوري» تمتد إلى 28 يومًا وتبلغ كلفتها نحو 270 دينارا
اليوم تصل الأسعار إلى 9500 دينار مع الباقة الذهبية شاملة كل سبل الرفاهية والراحة

رصد وتحليل: علي عبدالخالق
تصوير من مكة المكرمة - عبدالله المحسن
في موسم تتجه فيه أنظار المسلمين إلى الأراضي المقدسة، وتُختتم فيه أعظم أيام الحج، تبرز قراءة اقتصادية لسؤال يتكرر باستمرار: كيف تغيّرت كلفة الحج من سنوات الأمس إلى واقع اليوم؟ وبينما بقيت الشعيرة ذاتها، تبدلت تفاصيل كثيرة مرتبطة بالرحلة، بدءًا من أسعار النقل والسكن، وصولًا إلى الخدمات والمصاريف المصاحبة التي باتت تشكل جزءًا مهمًا من كلفة الحاج الإجمالية.
وخلال السنوات الأخيرة، شهد العالم تغيرات اقتصادية واسعة انعكست بصورة مباشرة على قطاعات السفر والسياحة والخدمات، بدءًا من ارتفاع تكاليف التشغيل والطيران، مرورًا بتغيرات أسعار الوقود والتضخم العالمي، ووصولًا إلى التطورات المتسارعة في الخدمات الرقمية والتنظيمية المرتبطة بالحج.
ولم تعد كلفة الحج اليوم مقتصرة على رسوم الحملة أو كلفة الإقامة فحسب، بل أصبحت تشمل مجموعة واسعة من النفقات المتداخلة، مثل تذاكر السفر، المواصلات الداخلية، المستلزمات الشخصية، الاتصالات، والتطبيقات والخدمات الرقمية، إلى جانب متطلبات أخرى قد تختلف من حاج إلى آخر.
وفي البحرين، رصدت «أخبار الخليج» رحلة الحاج التي شهدت تغيرات ملحوظة خلال السنوات الأخيرة، سواء من حيث طبيعة الخدمات المقدمة أو حجم الإنفاق المطلوب، في وقت تشير فيه آراء متباينة إلى اختلاف تقييم الحجاج لهذه الزيادة؛ فبينما يعتبر البعض أن ارتفاع الأسعار أصبح واقعًا مرتبطًا بارتفاع كلفة التشغيل عالميًا، يرى آخرون أن التطور في جودة الخدمات والتنظيم قد أسهم في تحسين تجربة الحاج بشكل عام.
وتسعى هذه المقارنة إلى رصد التحولات التي طرأت على كلفة رحلة الحاج البحريني بين الأمس واليوم، وقراءة العوامل الاقتصادية التي تقف وراءها، إلى جانب استطلاع آراء الحجاج حول ما إذا كانت الخدمات الحالية توازي حجم الزيادة في التكاليف؟

ويؤكد الرحالة البحريني محمود النشيط، الذي أدى فريضة الحج أكثر من خمس مرات على فترات زمنية متباعدة بدأت عام 1988 وانتهت عام 2017، أن رحلة الحج شهدت تغيرات كبيرة على مستوى الكلفة والتنظيم والخدمات.
وقال النشيط: «أحمد الله على نعمة التوفيق لأداء الحج أكثر من خمس مرات، ولكل رحلة ظروفها وأجواؤها وترتيباتها وحتى كلفتها التي كانت تعتمد على وسيلة السفر، سواء عبر البر أو الجو».
وأوضح أن أول رحلة له كانت عام 1988 عبر البر واستمرت 28 يومًا، وبلغت كلفتها نحو 270 دينارًا باستخدام «اللوري»، وهي إحدى وسائل النقل التي كانت مستخدمة آنذاك قبل أن يتم إيقافها لاحقًا، مشيرًا إلى أنه خاض تجارب أخرى عبر الباص بقيمة 380 دينارًا مدة 26 يومًا.
وأضاف أن تجربة السفر جواً جاءت لاحقًا، إذ بلغت كلفة الرحلة آنذاك نحو 500 دينار واستمرت 20 يومًا، توزعت بين 10 أيام في المدينة المنورة، وبقية الأيام بين مكة المكرمة والمشاعر المقدسة.
وأشار النشيط إلى أن المشاعر المقدسة شهدت تطورًا كبيرًا مقارنة بالسابق، موضحًا أن الخدمات في الماضي كانت محدودة، وبعض الخيام لم تكن تتوافر فيها وسائل الراحة أو التكييف رغم ارتفاع درجات الحرارة.
وقال إن بداية الألفية شهدت تطورًا لافتًا في تنظيم الحج نتيجة الجهود الكبيرة التي بذلتها الجهات السعودية المختصة، وخصوصًا فيما يتعلق بإجراءات السلامة والتنظيم والتسهيلات المقدمة لضيوف الرحمن، إلى جانب فرض ترتيبات وضوابط أكثر دقة.
ويرى أن هذه التطورات أسهمت في رفع التكلفة الإجمالية للحج، لافتًا إلى أن ارتفاع الأسعار لا يمكن فصله عن حجم الخدمات والتجهيزات الإضافية التي أصبحت جزءًا من تجربة الحاج الحديثة.
وأضاف: «باقات الحج اليوم أصبحت متنوعة بصورة كبيرة، وتبدأ من الفئات العادية التي لا تقل عن 1500 دينار تقريبًا، وصولًا إلى الباقات الماسية التي تتجاوز 8000 دينار لمن يبحث عن مزيد من الراحة والخدمات الإضافية».
وتعزز شهادة الزميل محمد الساعي، الذي أدى فريضة الحج عام 1994، صورة التحولات الكبيرة التي شهدتها رحلة الحاج خلال العقود الماضية، مؤكدًا أن المقارنة بين الأسعار وحدها لا تكفي من دون النظر إلى حجم التغير الذي طرأ على الخدمات ومستوى الراحة والتنظيم.
وقال الساعي إن كلفة الحج آنذاك بلغت نحو 500 دينار تقريبًا، إلا أن مستوى الخدمات كان مختلفًا بصورة كبيرة عما هو عليه اليوم، مشيرًا إلى أن كثيرًا من التفاصيل التي تبدو بديهية حاليًا لم تكن متاحة في ذلك الوقت.
وأوضح أن وسائل التواصل كانت تمثل تحديًا للحجاج، في ظل عدم وجود الهواتف الذكية أو الإنترنت، لافتًا إلى أن الحجاج كانوا ينتظرون في طوابير قد تمتد إلى ساعة أو أكثر لإجراء مكالمة هاتفية قصيرة للاطمئنان على ذويهم.
وأضاف: «في ذلك الوقت كان تلفزيون البحرين يجري لقاءات مع الحجاج لإلقاء التحية على أهاليهم، وكان الناس يترقبون ظهور أقاربهم على الشاشة باعتبارها وسيلة تواصل مختلفة في تلك الفترة».
وأشار إلى أن طبيعة الخدمات داخل المشاعر المقدسة كانت محدودة للغاية مقارنة بالوقت الحالي، موضحًا أن البوفيهات والخدمات المتنوعة لم تكن متوفرة، وكانت الوجبات تصل غالبًا على هيئة إرساليات وتجهيزات بسيطة.
وبيّن أن الخيام كذلك كانت تختلف بصورة كبيرة، إذ لم تكن مكيفة كما هي اليوم، وكان الحاج يعتمد بدرجة أكبر على جهوده الذاتية في ترتيب وإعداد احتياجاته داخل المشاعر.
وأظهر الرصد أن أسعار بعض الباقات الحديثة تصل إلى نحو 9600 دينار ضمن فئة VVIP، وهي باقات تستهدف الراغبين في مستويات أعلى من الراحة والخدمات، في وقت تبدأ فيه أسعار بعض الباقات الأخرى من نحو 1690 دينارًا للإقامة في غرف رباعية، بما يترك للحاج مساحة واسعة لاختيار ما يتناسب مع احتياجاته وإمكاناته.
وتشمل الباقات الأعلى كلفة حزمة واسعة من الخدمات والتسهيلات، من بينها رحلات لا تتجاوز مدتها في بعض الأحيان ثمانية أيام فقط، مع رحلات جوية مباشرة إلى جدة، إضافة إلى خيام خاصة ومكيفة لحجاج الحملة داخل المشاعر المقدسة، ووسائل نقل حديثة، وخدمات ضيافة متطورة تتضمن بوفيهات متنوعة، فضلًا عن هدايا للحجاج وخدمات مساندة إضافية.
كما تضم بعض الباقات مزايا خاصة تشمل دورات مياه مخصصة، وخدمة مساعد شخصي لمتابعة احتياجات الحاج وتقديم الدعم خلال مختلف مراحل الرحلة، إلى جانب الإقامة في فنادق فاخرة من فئة الخمس نجوم، مع خيارات لغرف فردية أو ثنائية، فيما تمتد بعض المزايا إلى توفير تذاكر على درجة رجال الأعمال.
وتشير هذه الخيارات المتعددة إلى أن تكلفة الحج لم تعد مرتبطة بأداء الفريضة بحد ذاتها، بقدر ما أصبحت مرتبطة أيضًا بمستوى الخدمات والتجربة التي يختارها الحاج، في ظل تنوع الباقات وتفاوتها بين الخيارات الاقتصادية والفئات الأكثر رفاهية.
بدوره، قال زكريا إبراهيم الكاظم، من إدارة حملة الكاظم إن المقارنة بين الحج اليوم وما كان عليه قبل 20 أو 30 عامًا تكاد تفوق التصور، مشيرًا إلى أن من عاش تلك الفترات يدرك حجم التحول الهائل الذي شهدته رحلة الحاج على مستوى الخدمات والتنظيم والبنية التحتية.
وأوضح أن التنقل بين المشاعر كان في السابق يستغرق ساعات طويلة ويصاحبه كثير من المشقة، لافتًا إلى أن الوصول من مكة إلى عرفات كان يستغرق نحو ست ساعات، بينما أصبح اليوم لا يتجاوز ساعة واحدة بفضل مشاريع النقل الحديثة وإدارة الحشود، فيما تقلصت رحلة الوصول إلى الجمرات إلى دقائق معدودة عبر قطار المشاعر.
واستذكر الكاظم تفاصيل رحلة الحج في الماضي، موضحًا أن الحجاج كانوا يسافرون عبر «اللوري» أو حافلات الشيفروليه الصفراء ذات المقاعد المدرسية، بينما أصبح السفر اليوم معتمدا على الطيران ووسائل النقل الحديثة والقطارات داخل المشاعر.
وأضاف: «في السابق كان الحاج يقيم أحيانًا في بيوت الأهالي أو مبانٍ مستأجرة بسيطة، أما اليوم فقد أصبحت الإقامة في فنادق أربع وخمس نجوم جزءًا من تجربة كثير من الحملات».
وأشار إلى أن الاختلاف لم يقتصر على النقل والسكن فقط، بل امتد إلى تفاصيل الحياة اليومية للحاج، مبينًا أن الحجاج في الماضي كانوا يحملون احتياجاتهم الأساسية وطراحيات النوم والأغطية معهم منذ وصولهم وحتى تنقلهم بين المشاعر، فيما كانت الوجبات بسيطة ومحدودة، بينما أصبحت خدمات الضيافة اليوم أكثر تنوعًا وتكاملًا.
وقال: «كنا نحمل معنا الطعام ونجهزه بإمكانات بسيطة، أما اليوم فقد تحولت الخدمات إلى خيارات واسعة ومتنوعة تراعي الجودة والراحة».
وأكد الكاظم أن هذا التطور الكبير انعكس بصورة طبيعية على الكلفة، مشيرًا إلى أن العالم يشهد موجات تضخم أثرت على تكاليف التشغيل والسكن والنقل والخدمات، إلى جانب ارتفاع معايير الجودة المطلوبة.
وأضاف: «لقد انتقلنا من خدمات بسيطة ومحدودة إلى منظومة متكاملة من الرعاية، ولذلك فإن المقارنة بين الأسعار وحدها لا تكفي من دون النظر إلى حجم التحول الذي شهدته تجربة الحاج بالكامل».
وأكد أن الحملات البحرينية تعمل بروح واحدة أساسها خدمة الحاج، قائلاً: «الجميع يعمل بعقيدة: خدمًا لا سادة، والهدف أن يتفرغ الحاج لعبادته دون انشغال».
وقال سيد ماجد فضل إنه وفق لأداء فريضة الحج عدة مرات، مشيرًا إلى أنه كان يلاحظ في كل رحلة حجم التطور المتسارع الذي تشهده المملكة العربية السعودية في خدمة ضيوف الرحمن، سواء على مستوى البنية التحتية أو التنظيم والإجراءات.
وأضاف أن الحجاج القادمين من مختلف دول العالم يلمسون بصورة مباشرة حجم التطور المستمر في المشاعر المقدسة والخدمات المرتبطة برحلة الحج، لافتًا إلى أن الإجراءات الحالية قد تبدو أكثر تعقيدًا مقارنة بالسابق، إلا أنها تأتي في إطار ترتيبات تنظيمية تهدف إلى تسهيل إدارة الحشود وضمان سلامة الحجاج.
وأوضح فضل أن كلفة الحج شهدت ارتفاعًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، ووصلت في بعض الحالات إلى مبالغ كبيرة، بالتزامن مع تنوع الخدمات والخيارات المقدمة للحجاج.
فيما قال الحاج سامي آل نوح: إن رحلته الأولى لأداء فريضة الحج كانت في منتصف تسعينيات القرن الماضي، معربًا عن أمله في أن يوفقه الله لأداء الفريضة أعوامًا أخرى برفقة أبنائه وبناته وأحفاده، ليشهدوا بدورهم حجم التطور الكبير الذي طرأ على الحج بين الأمس واليوم.
وأشار إلى أن هذا التطور الكبير انعكس بصورة مباشرة على كلفة الرحلة، وما يرتبط بها من قدرة الناس على تحمل المصاريف وتوفير نفقات الحج، موضحًا أن تكاليف الحج في فترات سابقة كانت أقل بكثير مما هي عليه اليوم.
وقال: «في أيام الآباء لم تكن كلفة الحج تتجاوز نحو 300 دينار تقريبًا لرحلة تمتد لشهر كامل، بينما نشهد اليوم عروضًا تصل إلى نحو 4500 دينار لرحلات لا تتجاوز عشرة أيام».
وأضاف أن تنوع الخدمات والتسهيلات المقدمة للحجاج يحمل جانبين مختلفين؛ فمن جهة أسهم في توفير مستويات أعلى من الراحة والتنظيم، ومن جهة أخرى يرى أن المبالغة في بعض الخدمات قد تؤثر على الأجواء الروحانية التي يحتاج اليها الحاج.
وأوضح: «الراحة والتطوير أمران مهمان، لكنني أعتقد أن الإفراط في الخدمات أحيانًا قد يبعد شيئًا من روحانية الرحلة، فالحاج في النهاية يتوجه الى أداء عبادة خالصة، بعيدًا عن كثير من مظاهر وملذات الحياة».

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك