لم تعد شبكات المدفوعات الإلكترونية مجرد بنية تقنية لتسهيل عمليات الشراء والتحويلات المالية، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أهم مكونات السيادة الاقتصادية والأمن الاستراتيجي للدول. فالعالم الذي شهد استخدام الطاقة والغذاء وسلاسل الإمداد والعقوبات الاقتصادية كأدوات ضغط ونفوذ، بات يدرك اليوم أن التحكم في أنظمة المدفوعات العالمية لا يقل أهمية عن التحكم في الموانئ أو شبكات الاتصالات أو حتى الموارد الحيوية.
ومن هنا، تبدو التحركات الأوروبية والبريطانية الأخيرة تجاه تقليص الاعتماد على شبكات المدفوعات الأمريكية، وفي شركات البطاقات الائتمانية الكبرى، والدعوة الى إنشاء شبكة مدفوعات أوروبية مستقلة، تطوراً بالغ الدلالة. ولعل اللافت في هذا السياق أن هذه المخاوف الغربية تعيد التأكيد مجدداً على صحة ما سبق أن دعونا إليه في عدة مقالات ودراسات خلال السنوات الماضية بشأن أهمية إنشاء شبكة مدفوعات عربية مستقلة، تقلل الاعتماد المفرط على شبكات المدفوعات العالمية، انطلاقاً من اعتبارات تتعلق بالأمن الاقتصادي والسيادة المالية وحماية البيانات وضمان استمرارية التدفقات المالية العربية في أوقات الأزمات والتوترات الجيوسياسية.
فما كان يُنظر إليه قبل سنوات باعتباره طرحاً استراتيجياً بعيد المدى أو مجرد فكرة احترازية، أصبح اليوم موضوعاً مركزياً في قلب النقاشات الاقتصادية الأوروبية نفسها. وتشير التقديرات إلى أن نحو 95% من معاملات البطاقات في المملكة المتحدة تمر عبر شبكات أمريكية، فيما تعتمد غالبية الدول الأوروبية على البنية التحتية ذاتها في عمليات الدفع والتسويات الإلكترونية. وهذا الواقع يمنح الولايات المتحدة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، نفوذاً هائلاً على حركة المدفوعات العالمية، ويجعل الاقتصادات الأوروبية عرضة لمخاطر التعطل أو الضغوط السياسية والمالية في حال تصاعد الخلافات أو الأزمات الدولية.
وقد تعززت هذه المخاوف مع تزايد التوترات الجيوسياسية العالمية، وعودة السياسات الحمائية، وتصاعد استخدام الأدوات المالية والعقوبات الاقتصادية كوسائل ضغط سياسي. ولهذا تتجه أوروبا اليوم نحو تطوير «مبادرة المدفوعات الأوروبية» (EPI)، إلى جانب مشروع اليورو الرقمي، بهدف بناء منظومة دفع أوروبية أكثر استقلالية، تمنح القارة سيطرة أكبر على بياناتها المالية وتدفقاتها النقدية.
غير أن الأهمية الحقيقية لهذه التطورات بالنسبة لنا خليجيا وعربياً تكمن في الرسالة الاستراتيجية التي تحملها. فالمنطقة العربية تُعد من أكثر مناطق العالم اعتماداً على شبكات المدفوعات الأجنبية، رغم أن الناتج المحلي الإجمالي للدول العربية مجتمعة يتجاوز 3.5 تريليونات دولار، فيما تدير المصارف العربية أصولاً تُقدّر بعدة تريليونات من الدولارات، إلى جانب مئات المليارات من التدفقات التجارية والتحويلات المالية السنوية.
ورغم هذا الحجم الاقتصادي والمصرفي الضخم، لا تزال غالبية عمليات البطاقات والتسويات الإلكترونية والتحويلات العابرة للحدود تمر عبر شبكات دولية خارج المنطقة، ما يعني استمرار تسرب جزء معتبر من الرسوم والعمولات التقنية إلى الخارج، فضلاً عن بقاء البيانات المالية العربية الحساسة ضمن نطاقات تشغيلية أجنبية.
لذلك مقترحنا هو إنشاء شركتين الأولى شركة خليجية عربية للبطاقات الائتمانية، والثانية شركة تسوية المدفوعات على شاكلة سويفت. ونقترح تأسيسها في البحرين نظرا الى وجود البنية التقنية والتشريعية التحتية التي توفر مستلزمات إقامة مثل هذه الشركة.
إن إنشاء هاتين الشركتين لم يعد ترفاً تقنياً أو مشروعاً رمزياً، بل ضرورة استراتيجية متعددة الأبعاد. فمن الناحية الاقتصادية، يمكن لهما أن تسهما في خفض تكاليف المعاملات المالية والرسوم التشغيلية على البنوك والتجار والعملاء، وتعزيز التجارة البينية العربية، وتسريع عمليات التحويل والتسوية المالية، خصوصاً في ظل وجود ملايين المقيمين والعمالة العربية والتحويلات المتبادلة بين الدول العربية.
أما من الناحية الاستراتيجية، فإن وجود هاتين الشركتين سوف يعزز قدرة الدول الخليجية والعربية على حماية أنظمتها المالية من الصدمات الخارجية أو التعطل المحتمل الناتج عن العقوبات أو النزاعات أو الأزمات التقنية العالمية، إضافة إلى توفير مستوى أعلى من التحكم في البيانات المالية والأمن السيبراني.
ومن الناحية التنموية، فإن المشروع يمكن أن يشكل منصة لدعم الابتكار المالي العربي وتحفيز شركات التكنولوجيا المالية (FinTech)، وتعزيز التكامل الرقمي والمصرفي العربي، وربطه مستقبلاً بمشاريع العملات الرقمية السيادية التي تعمل عدة بنوك مركزية عالمية على تطويرها.
لقد أدركت أوروبا متأخرة أن السيادة المالية لا تكتمل من دون سيادة على أنظمة المدفوعات. أما المنطقة العربية، فتمتلك اليوم فرصة تاريخية للتحرك الاستباقي وبناء إحدى أهم ركائز أمنها الاقتصادي والمالي المستقبلي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك