العدد : ١٧٥٨٩ - الأربعاء ٢٠ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٣ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٨٩ - الأربعاء ٢٠ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٣ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

مقالات

حرب المدفوعات وضرورة إنشاء شبكة مدفوعات عربية

بقلم: عدنان أحمد يوسف

الأربعاء ٢٠ مايو ٢٠٢٦ - 02:00

لم‭ ‬تعد‭ ‬شبكات‭ ‬المدفوعات‭ ‬الإلكترونية‭ ‬مجرد‭ ‬بنية‭ ‬تقنية‭ ‬لتسهيل‭ ‬عمليات‭ ‬الشراء‭ ‬والتحويلات‭ ‬المالية،‭ ‬بل‭ ‬تحولت‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬إلى‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬مكونات‭ ‬السيادة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والأمن‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬للدول‭. ‬فالعالم‭ ‬الذي‭ ‬شهد‭ ‬استخدام‭ ‬الطاقة‭ ‬والغذاء‭ ‬وسلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬والعقوبات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬كأدوات‭ ‬ضغط‭ ‬ونفوذ،‭ ‬بات‭ ‬يدرك‭ ‬اليوم‭ ‬أن‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬أنظمة‭ ‬المدفوعات‭ ‬العالمية‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬أهمية‭ ‬عن‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬الموانئ‭ ‬أو‭ ‬شبكات‭ ‬الاتصالات‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬الموارد‭ ‬الحيوية‭.‬

ومن‭ ‬هنا،‭ ‬تبدو‭ ‬التحركات‭ ‬الأوروبية‭ ‬والبريطانية‭ ‬الأخيرة‭ ‬تجاه‭ ‬تقليص‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬شبكات‭ ‬المدفوعات‭ ‬الأمريكية،‭ ‬وفي‭ ‬شركات‭ ‬البطاقات‭ ‬الائتمانية‭ ‬الكبرى،‭ ‬والدعوة‭ ‬الى‭ ‬إنشاء‭ ‬شبكة‭ ‬مدفوعات‭ ‬أوروبية‭ ‬مستقلة،‭ ‬تطوراً‭ ‬بالغ‭ ‬الدلالة‭. ‬ولعل‭ ‬اللافت‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المخاوف‭ ‬الغربية‭ ‬تعيد‭ ‬التأكيد‭ ‬مجدداً‭ ‬على‭ ‬صحة‭ ‬ما‭ ‬سبق‭ ‬أن‭ ‬دعونا‭ ‬إليه‭ ‬في‭ ‬عدة‭ ‬مقالات‭ ‬ودراسات‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية‭ ‬بشأن‭ ‬أهمية‭ ‬إنشاء‭ ‬شبكة‭ ‬مدفوعات‭ ‬عربية‭ ‬مستقلة،‭ ‬تقلل‭ ‬الاعتماد‭ ‬المفرط‭ ‬على‭ ‬شبكات‭ ‬المدفوعات‭ ‬العالمية،‭ ‬انطلاقاً‭ ‬من‭ ‬اعتبارات‭ ‬تتعلق‭ ‬بالأمن‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والسيادة‭ ‬المالية‭ ‬وحماية‭ ‬البيانات‭ ‬وضمان‭ ‬استمرارية‭ ‬التدفقات‭ ‬المالية‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬الأزمات‭ ‬والتوترات‭ ‬الجيوسياسية‭.‬

فما‭ ‬كان‭ ‬يُنظر‭ ‬إليه‭ ‬قبل‭ ‬سنوات‭ ‬باعتباره‭ ‬طرحاً‭ ‬استراتيجياً‭ ‬بعيد‭ ‬المدى‭ ‬أو‭ ‬مجرد‭ ‬فكرة‭ ‬احترازية،‭ ‬أصبح‭ ‬اليوم‭ ‬موضوعاً‭ ‬مركزياً‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬النقاشات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الأوروبية‭ ‬نفسها‭. ‬وتشير‭ ‬التقديرات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬نحو‭ ‬95‭% ‬من‭ ‬معاملات‭ ‬البطاقات‭ ‬في‭ ‬المملكة‭ ‬المتحدة‭ ‬تمر‭ ‬عبر‭ ‬شبكات‭ ‬أمريكية،‭ ‬فيما‭ ‬تعتمد‭ ‬غالبية‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية‭ ‬على‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬ذاتها‭ ‬في‭ ‬عمليات‭ ‬الدفع‭ ‬والتسويات‭ ‬الإلكترونية‭. ‬وهذا‭ ‬الواقع‭ ‬يمنح‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬بصورة‭ ‬مباشرة‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬مباشرة،‭ ‬نفوذاً‭ ‬هائلاً‭ ‬على‭ ‬حركة‭ ‬المدفوعات‭ ‬العالمية،‭ ‬ويجعل‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الأوروبية‭ ‬عرضة‭ ‬لمخاطر‭ ‬التعطل‭ ‬أو‭ ‬الضغوط‭ ‬السياسية‭ ‬والمالية‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬تصاعد‭ ‬الخلافات‭ ‬أو‭ ‬الأزمات‭ ‬الدولية‭.‬

وقد‭ ‬تعززت‭ ‬هذه‭ ‬المخاوف‭ ‬مع‭ ‬تزايد‭ ‬التوترات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬العالمية،‭ ‬وعودة‭ ‬السياسات‭ ‬الحمائية،‭ ‬وتصاعد‭ ‬استخدام‭ ‬الأدوات‭ ‬المالية‭ ‬والعقوبات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬كوسائل‭ ‬ضغط‭ ‬سياسي‭. ‬ولهذا‭ ‬تتجه‭ ‬أوروبا‭ ‬اليوم‭ ‬نحو‭ ‬تطوير‭ ‬‮«‬مبادرة‭ ‬المدفوعات‭ ‬الأوروبية‮»‬‭ (‬EPI‭)‬،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬مشروع‭ ‬اليورو‭ ‬الرقمي،‭ ‬بهدف‭ ‬بناء‭ ‬منظومة‭ ‬دفع‭ ‬أوروبية‭ ‬أكثر‭ ‬استقلالية،‭ ‬تمنح‭ ‬القارة‭ ‬سيطرة‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬بياناتها‭ ‬المالية‭ ‬وتدفقاتها‭ ‬النقدية‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬الأهمية‭ ‬الحقيقية‭ ‬لهذه‭ ‬التطورات‭ ‬بالنسبة‭ ‬لنا‭ ‬خليجيا‭ ‬وعربياً‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬الرسالة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬التي‭ ‬تحملها‭. ‬فالمنطقة‭ ‬العربية‭ ‬تُعد‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬مناطق‭ ‬العالم‭ ‬اعتماداً‭ ‬على‭ ‬شبكات‭ ‬المدفوعات‭ ‬الأجنبية،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬الإجمالي‭ ‬للدول‭ ‬العربية‭ ‬مجتمعة‭ ‬يتجاوز‭ ‬3‭.‬5‭ ‬تريليونات‭ ‬دولار،‭ ‬فيما‭ ‬تدير‭ ‬المصارف‭ ‬العربية‭ ‬أصولاً‭ ‬تُقدّر‭ ‬بعدة‭ ‬تريليونات‭ ‬من‭ ‬الدولارات،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬مئات‭ ‬المليارات‭ ‬من‭ ‬التدفقات‭ ‬التجارية‭ ‬والتحويلات‭ ‬المالية‭ ‬السنوية‭.‬

ورغم‭ ‬هذا‭ ‬الحجم‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والمصرفي‭ ‬الضخم،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬غالبية‭ ‬عمليات‭ ‬البطاقات‭ ‬والتسويات‭ ‬الإلكترونية‭ ‬والتحويلات‭ ‬العابرة‭ ‬للحدود‭ ‬تمر‭ ‬عبر‭ ‬شبكات‭ ‬دولية‭ ‬خارج‭ ‬المنطقة،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬استمرار‭ ‬تسرب‭ ‬جزء‭ ‬معتبر‭ ‬من‭ ‬الرسوم‭ ‬والعمولات‭ ‬التقنية‭ ‬إلى‭ ‬الخارج،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬بقاء‭ ‬البيانات‭ ‬المالية‭ ‬العربية‭ ‬الحساسة‭ ‬ضمن‭ ‬نطاقات‭ ‬تشغيلية‭ ‬أجنبية‭.‬

لذلك‭ ‬مقترحنا‭ ‬هو‭ ‬إنشاء‭ ‬شركتين‭ ‬الأولى‭ ‬شركة‭ ‬خليجية‭ ‬عربية‭ ‬للبطاقات‭ ‬الائتمانية،‭ ‬والثانية‭ ‬شركة‭ ‬تسوية‭ ‬المدفوعات‭ ‬على‭ ‬شاكلة‭ ‬سويفت‭. ‬ونقترح‭ ‬تأسيسها‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬نظرا‭ ‬الى‭ ‬وجود‭ ‬البنية‭ ‬التقنية‭ ‬والتشريعية‭ ‬التحتية‭ ‬التي‭ ‬توفر‭ ‬مستلزمات‭ ‬إقامة‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الشركة‭.‬

إن‭ ‬إنشاء‭ ‬هاتين‭ ‬الشركتين‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬ترفاً‭ ‬تقنياً‭ ‬أو‭ ‬مشروعاً‭ ‬رمزياً،‭ ‬بل‭ ‬ضرورة‭ ‬استراتيجية‭ ‬متعددة‭ ‬الأبعاد‭. ‬فمن‭ ‬الناحية‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬يمكن‭ ‬لهما‭ ‬أن‭ ‬تسهما‭ ‬في‭ ‬خفض‭ ‬تكاليف‭ ‬المعاملات‭ ‬المالية‭ ‬والرسوم‭ ‬التشغيلية‭ ‬على‭ ‬البنوك‭ ‬والتجار‭ ‬والعملاء،‭ ‬وتعزيز‭ ‬التجارة‭ ‬البينية‭ ‬العربية،‭ ‬وتسريع‭ ‬عمليات‭ ‬التحويل‭ ‬والتسوية‭ ‬المالية،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬وجود‭ ‬ملايين‭ ‬المقيمين‭ ‬والعمالة‭ ‬العربية‭ ‬والتحويلات‭ ‬المتبادلة‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭.‬

أما‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬فإن‭ ‬وجود‭ ‬هاتين‭ ‬الشركتين‭ ‬سوف‭ ‬يعزز‭ ‬قدرة‭ ‬الدول‭ ‬الخليجية‭ ‬والعربية‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬أنظمتها‭ ‬المالية‭ ‬من‭ ‬الصدمات‭ ‬الخارجية‭ ‬أو‭ ‬التعطل‭ ‬المحتمل‭ ‬الناتج‭ ‬عن‭ ‬العقوبات‭ ‬أو‭ ‬النزاعات‭ ‬أو‭ ‬الأزمات‭ ‬التقنية‭ ‬العالمية،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬توفير‭ ‬مستوى‭ ‬أعلى‭ ‬من‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬البيانات‭ ‬المالية‭ ‬والأمن‭ ‬السيبراني‭.‬

ومن‭ ‬الناحية‭ ‬التنموية،‭ ‬فإن‭ ‬المشروع‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يشكل‭ ‬منصة‭ ‬لدعم‭ ‬الابتكار‭ ‬المالي‭ ‬العربي‭ ‬وتحفيز‭ ‬شركات‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬المالية‭ (‬FinTech‭)‬،‭ ‬وتعزيز‭ ‬التكامل‭ ‬الرقمي‭ ‬والمصرفي‭ ‬العربي،‭ ‬وربطه‭ ‬مستقبلاً‭ ‬بمشاريع‭ ‬العملات‭ ‬الرقمية‭ ‬السيادية‭ ‬التي‭ ‬تعمل‭ ‬عدة‭ ‬بنوك‭ ‬مركزية‭ ‬عالمية‭ ‬على‭ ‬تطويرها‭.‬

لقد‭ ‬أدركت‭ ‬أوروبا‭ ‬متأخرة‭ ‬أن‭ ‬السيادة‭ ‬المالية‭ ‬لا‭ ‬تكتمل‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬سيادة‭ ‬على‭ ‬أنظمة‭ ‬المدفوعات‭. ‬أما‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية،‭ ‬فتمتلك‭ ‬اليوم‭ ‬فرصة‭ ‬تاريخية‭ ‬للتحرك‭ ‬الاستباقي‭ ‬وبناء‭ ‬إحدى‭ ‬أهم‭ ‬ركائز‭ ‬أمنها‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والمالي‭ ‬المستقبلي‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا