هكذا تفكر مثقفة سعودية شيعية وطنية مستقلة
لماذا لرجال الدين كل هذه السطوة؟.. من أعطاهم هذه الحصانة؟
أين المثقفون الشيعة ودورهم؟.. لماذا هم صامتون وتابعون؟
الخطاب الديني متطرف ويعطل السؤال وتحكيم العقل
النظام الإيراني هو الوريث الشرعي للصفويين الذين شوهوا المذهب
التشيع السياسي يحول الأتباع إلى صواريخ موجهة

تنويه:
كتبت عن ظاهرة غياب التيار الشيعي العربي المستقل عن إيران وفكر «ولاية الفقيه» على الرغم من كل الجرائم التي ارتكبتها إيران والنظام الايراني في حق دولنا وشعوبنا العربية على امتداد العقود الماضية، وعلى الرغم حتى من العدوان الإرهابي الذي شنته ايران على البحرين وكل دول مجلس التعاون مؤخرا.
في يونيو عام 2018 كتبت مقالين طويلين عن فكر مثقفة شيعية سعودية هي كوثر الأربش. رأيت من المهم جدا ان اعيد نشر المقالين في الظروف الحالية، فهي تمثل نموذجا للمثقف الشيعي العربي المستقل.
القراءة التي قدمتها لفكر كوثر الأربش توضح آراءها ومواقفها من ثلاث قضايا كبرى حاسمة: نقد الخطاب الديني الشيعي – الموقف الشيعي العربي من إيران والنظام الايراني – الموقف الشيعي من قضية الهوية الوطنية والولاء الوطني.
نعرض هذه الأفكار على امل ان تكون حافزا لما ندعو اليه من ضرورة التفكير في تبلور تيار شيعي عربي مستقل يقوم بعملية مراجعات شاملة، ويرسي مبادئ لخطاب وطني سياسي شيعي عربي جديد قائم على الاستقلال والوطنية والولاء الوطني.
في شهر رمضان، تابعت باهتمام شديد برنامجا على قناة «ام بي سي» التلفزيونية برنامجا اسمه «من الصفر». ضيفة البرنامج كانت كوثر الأربش، الكاتبة والفنانة التشكيلية السعودية وعضو مجلس الشورى السعودي.
في البرنامج، روت بشيء من التفصيل رحلتها كمواطنة ومثقفة شيعية التي قادتها في النهاية الى إعادة النظر والتفكير في الخطاب الديني الشيعي، وبعض الممارسات الشيعية، وما قادته اليه عملية المراجعة هذه.
ما قالته في البرنامج دفعني إلى أن ابحث عن كتاباتها ولقاءاتها الصحفية في السنوات الماضية، كي أقف بتفصيل أكثر على افكارها وما تطرحه من مواقف وآراء.
حين قرأت ما كتبت وما قالته بتوسع، اول ما لفت نظري ان ما تطرحه من آراء وما قامت به من مراجعات كان محصلة لعاملين كبيرين:
الأول: الخبرة الشخصية التي مرت بها كشيعية وكأحد أبناء اسرة شيعية ملتزمة، وما عرفته عن قرب عبر هذه الخبرة.
والثاني: ما قامت به من بحث موسع ودراسة مستفيضة عبر قراءات موسعة، وعبر احكام للعقل.
لهذا، ما تطرحه من أفكار ومراجعات له اهمية كبيرة من حيث انه لا أحد يستطيع ان يقول ان مواقفها وآراءها نابعة مثلا من مصلحة نفعية شخصية، او من رغبة في إرضاء أحد في الحكومة او غيرها، وانما هي تمثل قناعة شخصية راسخة بناء على الخبرة والبحث والدراسة واعمال الفكر.
بعبارة أخرى، نستطيع ان نقول ان كوثر الابرش هي نموذج للمثقفة الشيعية السعودية الوطنية المستقلة.
لهذا السبب تحديدا، تستحق خبرتها وافكارها هذه القراءة التي نقدمها.
◾ ◾ ◾
من هي؟
بداية، من هي كوثر الأربش؟ هي كاتبة وشاعرة وفنانة تشكيلية سعودية، من أبناء المنطقة الشرقية. ولدت في الإحساء، وحصلت على بكالوريوس إدارة الأعمال من جامعة الملك فيصل، وتنتمي إلى المذهب الشيعي.
نشأت الكاتبة كوثر الأربش في مجتمع شيعي متشدد وخدمت في الحسينية وتتلمذت على يد السيدات المكلفات بتعليم المذهب الشيعي للأطفال، ووالدتها سيدة فاضلة في المجتمع، ومن البارزات في خدمة الحسين.
وفقدت كوثر الأربش أحد أبنائها وهو محمد العيسى الذي سقط شهيدا في واقعة تفجير مسجد الإمام الحسين في حي العنود بالدمام في مايو عام 2015، وهو التفجير الذي تبناه تنظيم «داعش» الإرهابي.
ورغم فجيعتها باستشهاد نجلها، أصدرت بيانا حذرت فيه من أي محاولة لاستخدام هذا العمل الإرهابي لإثارة الفتنة او لتأجيج الطائفية وقالت ان «السعوديين مستهدفون في لحمتهم، وفي نسيجهم، وفي تماسكهم، وفي قناعتهم التامة بأننا وطن واحد، من قطيفه شرقا، لفرحائه شمالا، لجدته غربا ولنجرانه جنوبا، لأنهم يشهدون الا إله الا الله وان محمدا رسول الله، ويصلون للقبلة ذاتها». وقد لقي موقفها الوطني هذا اشادة الكل ونال احترامهم وتقديرهم.
وفي ديسمبر 2016، أصدر خادم الحرمين الشريفين قرارا بتعيينها عضوا في مجلس الشورى السعودي، الأمر الذي قوبل باستحسان كبير في الشارع السعودي. وتم تعيينها مطلع هذا العام عضوا في مجلس امناء مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني.
ومنذ سنوات، تنشط كوثر الأربش على «تويتر» وتنشر تغريدات منتظمة تعبر فيها عن آرائها وافكارها، وتكتب مقالات منتظمة في الصحف السعودية، كما تدلي بأحاديث صحفية وتلفزيونية.
◾ ◾ ◾
تساؤلات
في البرنامج التلفزيوني الذي اشرت اليه في البداية، وفي معرض حديثها عن تجربتها، وعن الأسباب التي دفعتها إلى إعادة النظر والمراجعات، طرحت تساؤلات كثيرة هي التي جعلتها تفكر مليا وتعيد النظر في مواقف وأفكار كثيرة.
هذه التساؤلات التي طرحتها هي.
1- لماذا رجل الدين الشيعي له كل هذه السطوة، وله الكلمة الأولى والأخيرة من دون مراجعة ومن المفترض ان يدين له الكل بالطاعة؟.. اين المثقف الشيعي مثلا وموقفه ورأيه؟.. وأين الشيعي العادي البسيط؟
2 - من اين أتت بعض الممارسات الشيعية التي تعتبر غريبة على الشيعة العرب مثل سب الصحابة، وبعض الممارسات الأخرى؟.
3 - لماذا؟ وبأي منطق أو مبرر يكون لرجل دين او مرجع أيا كان حصانة من اي نقد مهما قال ومهما فعل؟.. بأي منطق يكون لرجال دين من امثال خامنئي او حسن نصر الله مثل هذه الحصانة؟.
4 - ما هو المنطق او المبرر الذي يجعل الشيعة العرب تابعين لإيران ومدافعين عنها او موالين لها رغم كل ما تفعله بأوطانهم العربية وبالشيعة انفسهم؟.
5 - لماذا يصمت المثقفون الشيعة، ولا يجرؤون على التعبير عن مواقف وآراء مستقلة ويكونون مجرد تابعين هكذا لرجال الدين مهما قالوا ومهما فعلوا؟
6 - لماذا يغيب عن الخطاب الديني الشيعي، وعن اهتمامات المثقفين الشيعة قضية حاسمة كبرى مثل قضية الهوية الوطنية والولاء الوطني؟
اذن، هذه هي اهم التساؤلات التي طرحتها كوثر الأربش ودفعتها الى ما قامت به من إعادة نظر ومراجعات.
لكن، ما هي الأفكار والقناعات التي توصلت اليها بناء على ذلك؟.. ما هي طبيعة المراجعات التي قامت بها بالضبط؟.
◾ ◾ ◾
مراجعات شيعية
من قراءاتي لكتابات كوثر الأربش وما عبرت عنه من أفكار وآراء، سواء في مقالاتها، او تغريداتها على تويتر، او احاديثها الصحفية والتلفزيونية، وجدت ان عملية المراجعة التي قامت بها، تركزت على ثلاث قضايا كبرى هي:
- نقد الخطاب الديني الشيعي.
- الموقف الشيعي من ايران.
- الموقف من قضية الهوية الوطنية والولاء الوطني.
فيما يتعلق بمراجعة ونقد الخطاب الديني الشيعي، تركز كوثر الأربش على ثلاثة جوانب كبرى:
الجانب الأول: يتعلق بالتطرف في الخطاب الشيعي وخصوصا في السنوات الأخيرة.
هذا التطرف يتمثل في تقديرها في أمور كثيرة، اهمها، التعصب الطائفي، وكراهية الآخر طائفيا. ويتجسد أيضا في تكريس كراهية الدولة وقادتها، ودول مجلس التعاون عامة، والتحريض عليها.
الجانب الثاني: يتعلق بما تسميه «تعطيل السؤال» و«احتكار الأجوبة». وتقصد هنا احتكار رجال الدين الشيعة للبت في كل قضية وكل أمر، وافتراض الطاعة العمياء، وعدم السماح بأي نقد او مراجعة او تفكير مستقل من جانب عموم الشيعة.
تقول بهذا الصدد: «كنت أريد أن أخلص الخطاب الديني من المنبرية، والتلقين وتعطيل السؤال، والأهم من ذلك كله «احتكار الأجوبة». أردته نهراً جارياً، يغتسل من مياهه الجميع، أن أترك للعقول أن تنمو، للمتلقي أن يفهم الجوانب المضيئة الأخرى. أما الطائفيون، المتشددون كانوا يتوعدون بالتكفير والشتم... بالويل والثبور. للأسف كانوا هكذا، كانوا يريدون الإفحام، حجز الخصم في زاوية ضيقة، الزاوية التي تقول: «أنا استحق الوجود، أنت لا، أنت تستحق الموت».
وكتبت في أحد مقالاتها: «المتطرفون يغلقون عقولنا؛ لإخراسنا. أعني يريدون أن يقولوا كلامًا بدلاً عنا. إنهم لا ينتظرون موافقتنا، بل يغتالون حريتنا بأقصى درجات البشاعة والعنف، لو فكرنا فقط بالرفض، أو استخدام أفواهنا التي جعلوها عاطلة كي نطرح أسئلتنا المقلقة. فمتي يأتي اليوم الذي يمكننا أن نصرخ بقوة، وبثبات: كفاكم... كفاكم».
والجانب الثالث: يتعلق بالقدسية التي يضفيها الخطاب الديني على رجال الدين الشيعة.
تتساءل هنا انه في الاسلام «لا قدسية لأحد .. لا قدسية سوى للأنبياء، وكلام الله»، فمن أين أتت إذن القدسية التي يتم اضفاؤها على خامنئي مثلا او حسن نصر الله، وغيرهم من رجال الدين؟
◾ ◾ ◾
الوريث الشرعي للصفويين
ما ذكرناه سابقا بعض من اهم الأفكار التي عبرت عنها كوثر الأربش في معرض مراجعاتها النقدية للخطاب الشيعي.
لكن ما هو تفسير هذا التطرف في الخطاب الشيعي وفي بعض الممارسات الشيعية؟
في كتاباتها وأحاديثها لديها تفسير واضح ومحدد هو الثورة الإيرانية. في رأيها ان هذا التطرف في الخطاب الشيعي العربي بدأ بعد الثورة الإيرانية وبسببها.
قالت في البرنامج التلفزيوني: ان «قراءاتها وأبحاثها قادتها إلى قناعات فكرية بدور الثورة الخمينية في تغذية النعرات الطائفية، وتشويه المذهب الشيعي في المنطقة». وأضافت: إن «النعرة الطائفية تسربت إلى المنطقة بعد الثورة الخمينية؛ فالمنبر الشيعي في الأحساء والقطيف لم تكن فيه هذه النعرة».
وقالت ايضا: «إن الخطاب الديني الشيعي تغير أولاً من ناحية المساس بشخص الصحابة، وكذلك تغير بعد تسرُّب بعض الخطابات الدينية من إيران، والحس الثورجي، وكراهية الخليجي والسعودي ودولته وقادتها.. وكل هذه جاءت من الخطاب الديني الإيراني المعرَّب المدسوس».
وفي كتاباتها تقدم رؤية أكثر عمقا لدور النظام الإيراني في هذا الصدد. هي تعتبر ان تشويه المذهب الشيعي بدأ مع الصفويين، ويعتبر النظام الإيراني الحالي في رأيها هو الوريث الشرعي للصفويين.
تقول ان الدواعش الذين فجروا الشيعة (ضمن من فجروا) لم يضروا بالمذهب مقارنة بما أضرت به إيران. وتحديداً في العهد الصفوي. المؤرخون دونوا تلك الكارثة، حين قام إسماعيل الصفوي (صوفي المذهب) باتخاذ التشيع ذريعة لتحويل إيران إلى ثكنة عسكرية في مواجهة العثمانيين. فاستعان بأصدقائه المسيحيين لأجل هذا الغرض، أسس وزارة اسماها وزارة الشؤون الحسينية وبعث وزيرها لاستنساخ بعض الطقوس والمظاهر الدينية منهم. كما أنه أول من خلع حذاءه وعلقه على رقبته ومشى حافياً لضريح الحسين عليه السلام. وبدأت ملامح التشيع العلوي بالاضمحلال وطغت عليها ملامح التشيع الصفوي».
وتعتبر ان «إيران اليوم هي الوريث الشرعي للصفويين. مهما تبرأوا وادعوا التصحيح والتجديد».
وتلخص التشويه الذي لحق بالمذهب الشيعي بسبب إيران في جانبين:
الأول تشويه مظاهري، يخص الطقوس.
والثاني: تشويه جوهري، يتمثل في تسييس المذهب.
وقالت هنا ان تسييس المذهب الشيعي يحول اتباعه الى صواريخ موجهة، على نحو ما يحدث اليوم في إيران، والعراق، وجنوب لبنان، واليمن مع مليشيات الحوثي.
◾ ◾ ◾
يبقى أن نعرض ونناقش المواقف التي عبرت عنها كوثر الأربش فيما يتعلق بقضيتين كبيرتين هما، إيران والموقف منها، والهوية الوطنية والولاء الوطني.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك