وكأنه بُعث للحياة من جديد ليسلَّط الضوء على جوانب من حياته ومحطات من مواقفه الوطنية، إن فضيلة العلامة المجاهد الشيخ سليمان المدني حالة خاصة وقامة دينية فكرية، جهر برأيه وضحّى بالرمزية الشعبوية حينها. ولم يستطع أحد ملء فراغ الشيخ المدني لثقله العلمي وقوة حضوره وجرأته ووضوح مسلكه، لم يلهث خلف مكانة أو وجاهة دنيوية بل تفانى من أجل مبادئه وآرائه وكان جبلاً طوداً مستقلاً بذاته وقامة شامخة وقائداً دينياً يستشرف المستقبل.
ومنذ وفاته، رحمه الله، لم تلد الساحة الشيعية البحرينية فقيهاً عالماً رسالياً مستقلاً على نمط الشيخ سليمان، وبموته أوجد فراغاً للمعتدلين والمستقلين من الوطنيين الشيعة العرب «البحارنة»، ومن الأسباب التي أدت إلى ذلك الفراغ جمود في حركة وتيار الشيخ بعد موته، وأن جماعته لم يؤطّروا أنفسهم كتيار ديني له مؤسساته، يحمل تراث الشيخ ويبث أفكاره وينشر رسالته، ولم يرمّزوا بشكل واضح شخصية علمائية واحدة لخلافته تحمل رسالته وشعلة فكره وتحيي مبادئه وتترك بصماته للجيل الذي لم يعايشه، ولم يؤسسوا لهم تنظيماً في حركة شعبية تُعنى بالشأن الشيعي تقتفي أأثره في الوطنية وترعى طلاب العلم وتحتويهم، بينما كان الآخرون أكثر تنظيماً وتعبئة واحتواء للآخر وأكثر حضوراً وتفاعلاً في وسائل الإعلام الديني والاجتماعي وبنشاط ديني حركي مكثف.
كان الشيخ، رحمه الله، معدنا فريدا لمع في وقته وشعّ نوره وكانت تلك الأيام مواتية لظهور شخصيته بين العلماء الكبار، وكم من معادن نفيسة تحويها هذه الأرض الطيبة تنتظر اكتشافاً، لم تسمح لها الظروف والأطر المتبعة حالياً لسطوع نجمها، قابعةً جليسةً بين كتبها. وإن التحدي الأكبر والمعضلة المبتلى فيها علماء ورجال دين الطائفة الشيعية هو رأي في العلن مخالف للرأي الذي يُطرح بين الخاصة والجلساء، وكثيراً ما نسمع منهم مصطلح «قد يسقطنا الشارع والشارع لا يقبل بهذا الرأي» ، ومن يعرف خفايا الأمور لا يلومهم، وإني لا أنسى خطيباً مفوهاً وناعياً بارعاً تأنس الروح بسماع صوته ومن أثر خطبه، تُرك حبيس بيته ومُنعت عليه المشاركات الدينية ومات مكتئباً حزيناً محتسباً ظلامته عند الله وذنبه أنه شوهد في مجلس الشيخ المدني، وكم من إمام مسجد صلى وحيداً أو لُفظ، لأنه مستقل الفكر واضح الرأي أشيع عنه أنه قريب للإلحاد ضعيف العقيدة أختل عقله وله أجندات مشبوهة.
معالجات عديدة تحتاج الى جراحة الجسد الشيعي من جراح حذق ماهر يبعث في الجسد قوة، وهل سيجود علينا الزمان بشخصية علمائية مؤثرة تلقى قبولاً جماهيرياً كالعلامة الشيخ سليمان المدني، رحمه الله، في قابل الأيام والسنين؟؟

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك