الخطر الصامت
أشار الدكتور محمود سرايا استشاري أمراض القلب والأوعية الدموية بمستشفى الكندي، إلى أن ارتفاع ضغط الدم يعد من أبرز التحديات الصحية العالمية، حيث يُعتبر ارتفاع ضغط الدم من أكثر الأمراض المزمنة انتشارًا حول العالم، وأوضح الدكتور محمود سبب تسمية المرض باسم «القاتل الصامت» لأنه قد يستمر سنوات طويلة من دون أعراض واضحة، بينما يسبب أضرارًا تدريجية للقلب والمخ والكلى والأوعية الدموية.
وأضاف يُعد من أهم عوامل الخطورة المسببة للجلطات القلبية والسكتات الدماغية وضعف عضلة القلب والفشل الكلوي وأمراض الشرايين.
معايير ارتفاع ضغط الدم
باختصار ضغط الدم هو القوة التي يضخ بها القلب الدم داخل الشرايين لتغذية أعضاء الجسم المختلفة، ويُقاس برقمين: الأول هو الضغط الانقباضي الرقم العلوي، أما الرقم الثاني فهو الضغط الانبساطي: الرقم السفلي ووفقًا للتصنيفات الحديثة الصادرة عن الجمعية الأمريكية للقلب، فإن الضغط الطبيعي يكون أقل من 120/80 mmHg، بينما تبدأ مرحلة «الضغط المرتفع» من قراءات 120–129 على 80 mmHg، ويبدأ تشخيص ارتفاع ضغط الدم من 130/80 mmHg.
وقد تم خفض هذه الحدود لأن الدراسات أثبتت أن خطر أمراض القلب والجلطات يبدأ بالارتفاع حتى عند مستويات ضغط كانت تُعتبر مقبولة سابقًا.
ولفت الدكتور محمود الى أن ارتفاع الضغط المؤقت لا يعني بالضرورة الإصابة بمرض الضغط، لأن الضغط قد يرتفع مؤقتًا بسبب التوتر، أو الألم، أو التدخين، أو قلة النوم، أو تناول المنبهات، وشدد على أهمية تكرار القياسات والمتابعة المنتظمة سواء بالعيادات أو في المنزل عن طريق استخدام أجهزة قياس ضغط معتمدة واستخدام أجهزة قياس ضغط الدم على مدار 24 ساعة لاعتماد قياس ضغط صحيح.
وأشار إلى أن حوالي 90–95% من المرضى لا يوجد سبب واضح ومباشر لارتفاع الضغط، ويُعرف هذا النوع باسم «ارتفاع ضغط الدم الأولي»، وهو يرتبط بعوامل متعددة مثل الوراثة، السمنة، الإفراط في الملح، التدخين، التوتر، قلة النشاط البدني، واضطرابات النوم.
أما نسبة قليلة من المرضى فقد يكون لديهم سبب واضح مثل أمراض الكلى أو اضطرابات الهرمونات أو بسبب بعض الأدوية، ويُعرف هذا النوع باسم «ارتفاع ضغط الدم الثانوي».
ارتفاع ضغط الدم قد يحدث نتيجة خلل معقد في وظيفة الأوعية الدموية والأنظمة الهرمونية المنظمة للدورة الدموية. فالأوعية الدموية تحتوي على طبقة داخلية تُسمّى «البطانة الوعائية»، وهي مسؤولة عن إفراز مواد تساعد على ارتخاء الأوعية وتنظيم تدفق الدم مثل مادة اوكسيد النيتريك. وعند حدوث خلل في هذه الطبقة يقل إفراز هذه المواد الموسعة للأوعية، مما يؤدي الى انقباضها وتسبب الالتهابات بها، ومن ثم ضيق الأوعية وارتفاع ضغط الدم.
أيضا هناك نظام هرموني مهم يُعرف باسم «نظام الرينين–أنجيوتنسين–ألدوستيرون» RAS، وله دورٌ أساسيٌ في ارتفاع الضغط. فعند زيادة نشاط هذا النظام يحدث انقباض الأوعية الدموية واحتباس للصوديوم والسوائل بالجسم، مؤديًا بذلك الى ارتفاع ضغط الدم وحدوث أضرار تدريجية بالقلب والكلى والأوعية الدموية.
عوامل تزيد من خطر الإصابة:
نصح الدكتور محمود بمحاولة تجنب العوامل التي تزيد من خطر الإصابة بارتفاع الضغط والتي من أهمها التدخين، حيث يؤدي النيكوتين إلى رفع ضغط الدم وإتلاف الأوعية الدموية وزيادة خطر الجلطات.
كما أن الإفراط في تناول الملح يُعتبر من أهم أسباب ارتفاع الضغط، خاصة مع الأطعمة السريعة والمصنعة والمخللات. كذلك ترتبط السمنة وقلة النشاط البدني بزيادة احتمالية الإصابة بارتفاع الضغط، بينما يسهم التوتر المزمن وقلة النوم في زيادة نشاط الجهاز العصبي وهرمونات التوتر مما يؤدي إلى ارتفاع الضغط. ورغم خطورة المرض، فإن كثيرًا من المرضى لا يشعرون بأي أعراض، لذلك قد يُكتشف بالصدفة أثناء الفحص. ومع ذلك قد تظهر أحيانًا بعض الأعراض مثل الصداع، الدوخة، الخفقان والشعور بالتعب والإرهاق.
التحكم في المرض وعلاجه:
إذا لم تتم السيطرة على ضغط الدم فقد يؤدي إلى الجلطات الدماغية، والجلطات القلبية، يعد من أشهر أسباب ضعف عضلة القلب، الفشل الكلوي، ضعف النظر، وتلف الأوعية الدموية ويعتمد علاج ارتفاع ضغط الدم على طريقين أساسيين هما تعديل نمط الحياة والعلاج الدوائي عند الحاجة، وفي بعض الأحيان قد يحتاج المريض إلى أسلوب علاجي متطور تداخلي مثل كي الشريان الكلوي وتركيب اجهزة علاج تنشيط مستقبلات الضغط. يشمل تعديل نمط الحياة والحفاظ على نظام غذائي صحي يتضمن تقليل الملح وينصح بمعدل يومي حوالي 5 جرامات في اليوم ما يعادل ملعقة شاي صغيرة، وينصح بتجنب المخللات، الوجبات السريعة، الأطعمة المصنعة وسابقة التحضير، المقليات، المشروبات الغازية. ويُفضل تناول الخضراوات والفواكه، الحبوب الكاملة، الأسماك، الألبان قليلة الدسم، المكسرات غير المملحة.
ويُعتبر نظام DASH الغذائي من أفضل الأنظمة الغذائية للمساعدة في ضبط ضغط الدم. كما يُنصح بإنقاص الوزن، ممارسة الرياضة حوالي نصف ساعة من المشي يومياً خمسة ايام بالأسبوع، التوقف عن التدخين، النوم الجيد، والإقلال من التوتر. فالالتزام بهذه الأشياء البسيطة يساعد على الحفاظ من ارتفاع ضغط الدم والصحة بشكل عام. أما العلاج الدوائي فقد يشمل موسعات الشرايين ومدرات البول وغيرها من الأدوية المعتمدة حسب رأى الطبيب ومن المهم ايضاً معرفة الأدوية التي قد تؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم مثل معظم المسكنات والكورتيزون. يحتاج ارتفاع ضغط الدم الى متابعة مستمرة حيث إنه مزمن ويجب الالتزام بالعلاج وعدم إيقافه من دون استشارة الطبيب. وفي النهاية، يُعد ارتفاع ضغط الدم من أكثر الأمراض شيوعًا وخطورة، لكنه في الوقت نفسه من أكثر الأمراض القابلة للسيطرة عند اكتشافه مبكرًا والالتزام بالعلاج ونمط الحياة الصحي. ولذلك فإن الوقاية، والمتابعة المنتظمة، وقياس الضغط بشكل دوري، تبقى من أهم وسائل حماية القلب والمخ والكلى من المضاعفات الخطيرة.


هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك