العدد : ١٧٥٦٣ - الجمعة ٢٤ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٦٣ - الجمعة ٢٤ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

مقالات

نجوم تحت الأضواء
هل يموت المبدعون حقاً؟ (١)

بقلم: فاطمة اليوسف.

الجمعة ٢٤ أبريل ٢٠٢٦ - 02:00

حين‭ ‬يرحل‭ ‬إنسان‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬العالم،‭ ‬يتكرر‭ ‬السؤال‭ ‬الأزلي‭ ‬في‭ ‬أعماقنا‭: ‬هل‭ ‬مات‭ ‬حقاً؟

وهل‭ ‬الموت‭ ‬هو‭ ‬غياب‭ ‬الجسد‭ ‬فقط،‭ ‬أم‭ ‬غياب‭ ‬الأثر‭ ‬والروح‭ ‬والمعنى؟

نحن‭ ‬نرى‭ ‬الموت‭ ‬بعين‭ ‬الفقد،‭ ‬فنحسب‭ ‬أن‭ ‬النهاية‭ ‬قد‭ ‬حدثت،‭ ‬وأن‭ ‬الستار‭ ‬قد‭ ‬أُسدل،‭ ‬وأن‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬قد‭ ‬انطفأ‭. ‬لكن‭ ‬الحقيقة‭ ‬الأعمق‭ ‬تقول‭ ‬إن‭ ‬الموت‭ ‬ليس‭ ‬دائماً‭ ‬نهاية،‭ ‬فهناك‭ ‬أناس‭ ‬تتوقف‭ ‬أنفاسهم،‭ ‬لكن‭ ‬حضورهم‭ ‬يبقى‭ ‬نابضاً‭ ‬في‭ ‬ذاكرة‭ ‬الحياة،‭ ‬وكأنهم‭ ‬لم‭ ‬يغيبوا‭ ‬أبداً‭.‬

فهل‭ ‬يموت‭ ‬المبدعون؟

هذا‭ ‬السؤال‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬الإجابة‭ ‬عنه‭ ‬بالمنطق‭ ‬المادي‭ ‬البحت،‭ ‬لأن‭ ‬المبدع‭ ‬لا‭ ‬يُقاس‭ ‬بجسده،‭ ‬بل‭ ‬بما‭ ‬تركه‭ ‬في‭ ‬وجدان‭ ‬الناس‭. ‬الإنسان‭ ‬العادي‭ ‬قد‭ ‬يرحل‭ ‬فيغيب،‭ ‬لكن‭ ‬المبدع‭ ‬يرحل‭ ‬فيتحول‭ ‬إلى‭ ‬ذاكرة‭ ‬جماعية،‭ ‬إلى‭ ‬صوت‭ ‬يتردد،‭ ‬وصورة‭ ‬لا‭ ‬تغيب،‭ ‬وأثر‭ ‬لا‭ ‬يذبل‭. ‬فالمبدع‭ ‬لا‭ ‬يعيش‭ ‬عمره‭ ‬الزمني‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬يعيش‭ ‬أعمار‭ ‬الذين‭ ‬تأثروا‭ ‬به،‭ ‬وأحبوه،‭ ‬ورأوا‭ ‬في‭ ‬فنه‭ ‬شيئاً‭ ‬من‭ ‬ذواتهم‭.‬

من‭ ‬هنا‭ ‬نفهم‭ ‬أن‭ ‬المبدعين‭ ‬لا‭ ‬يموتون‭ ‬بالمعنى‭ ‬الحقيقي‭ ‬للموت،‭ ‬لأنهم‭ ‬يتركون‭ ‬أجزاءً‭ ‬منهم‭ ‬في‭ ‬أرواح‭ ‬الناس‭. ‬إنهم‭ ‬يزرعون‭ ‬أنفسهم‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬الإنسانية،‭ ‬فيصبح‭ ‬حضورهم‭ ‬ممتداً‭ ‬بعد‭ ‬الغياب‭. ‬فكيف‭ ‬يموت‭ ‬من‭ ‬ترك‭ ‬ضحكة‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬طفل؟‭ ‬وكيف‭ ‬يغيب‭ ‬من‭ ‬زرع‭ ‬دمعة‭ ‬صادقة‭ ‬في‭ ‬عين‭ ‬مشاهد؟‭ ‬وكيف‭ ‬يرحل‭ ‬من‭ ‬صار‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬ذاكرة‭ ‬بيت‭ ‬كامل؟

الفنان‭ ‬الحقيقي‭ ‬لا‭ ‬يقدّم‭ ‬مجرد‭ ‬عمل،‭ ‬بل‭ ‬يقدّم‭ ‬حياةً‭ ‬كاملة‭ ‬تُعاش‭ ‬داخل‭ ‬الآخرين‭. ‬وحين‭ ‬نتأمل‭ ‬مسيرة‭ ‬فنانة‭ ‬مثل‭ ‬حياة‭ ‬الفهد‭ ‬ندرك‭ ‬أن‭ ‬الموت‭ ‬الجسدي‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬شيئاً‭ ‬أمام‭ ‬خلود‭ ‬الأثر‭. ‬هذه‭ ‬المرأة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مجرد‭ ‬ممثلة‭ ‬تظهر‭ ‬على‭ ‬الشاشة،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬صورة‭ ‬للأم‭ ‬الخليجية،‭ ‬وصوتاً‭ ‬للمرأة،‭ ‬ووجهاً‭ ‬للحنان‭ ‬والقوة‭ ‬والصدق‭. ‬كانت‭ ‬تدخل‭ ‬البيوت‭ ‬دون‭ ‬استئذان،‭ ‬وتصبح‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬الذاكرة‭ ‬العائلية،‭ ‬حتى‭ ‬بدا‭ ‬حضورها‭ ‬وكأنه‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬تكويننا‭ ‬النفسي‭ ‬والاجتماعي‭.‬

فكيف‭ ‬نقول‭ ‬إنها‭ ‬ماتت؟

هل‭ ‬ماتت‭ ‬وهي‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬تبتسم‭ ‬في‭ ‬مشاهد‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تُعرض؟

هل‭ ‬ماتت‭ ‬وصوتها‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬يتردد‭ ‬في‭ ‬ذاكرتنا؟

هل‭ ‬ماتت‭ ‬وهي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تجعلنا‭ ‬نضحك‭ ‬أو‭ ‬نبكي‭ ‬وكأنها‭ ‬أمامنا‭ ‬الآن؟

الحقيقة‭ ‬أن‭ ‬حياة‭ ‬الفهد‭ ‬لم‭ ‬تمت،‭ ‬بل‭ ‬تحوّلت‭ ‬من‭ ‬حضور‭ ‬مادي‭ ‬إلى‭ ‬حضور‭ ‬رمزي‭.‬

لقد‭ ‬غاب‭ ‬الجسد،‭ ‬لكن‭ ‬المعنى‭ ‬بقي‭. ‬بقيت‭ ‬في‭ ‬الشخصيات‭ ‬التي‭ ‬صنعتها،‭ ‬وفي‭ ‬الذكريات‭ ‬التي‭ ‬تركتها،‭ ‬وفي‭ ‬المشاعر‭ ‬التي‭ ‬زرعتها‭ ‬فينا‭. ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬الخلود‭ ‬الحقيقي؛‭ ‬أن‭ ‬يغيب‭ ‬الإنسان‭ ‬شكلاً‭ ‬ويبقى‭ ‬جوهراً‭.‬

وهذا‭ ‬المعنى‭ ‬لا‭ ‬يخص‭ ‬حياة‭ ‬الفهد‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬سر‭ ‬خلود‭ ‬كل‭ ‬المبدعين‭ ‬الكبار‭.‬

الفنان‭ ‬القدير‭ ‬الراحل‭ ‬عبدالحسين‭ ‬عبدالرضا،‭ ‬هل‭ ‬غاب‭ ‬حقاً؟

نحن‭ ‬ما‭ ‬زلنا‭ ‬نسمع‭ ‬ضحكته‭ ‬فنبتسم،‭ ‬ونشاهد‭ ‬حضوره‭ ‬فنشعر‭ ‬أنه‭ ‬بيننا‭.‬

الفنان‭ ‬الراحل‭ ‬غانم‭ ‬الصالح،‭ ‬هل‭ ‬اختفى؟

ما‭ ‬زالت‭ ‬روحه‭ ‬تسكن‭ ‬أدواره،‭ ‬وما‭ ‬زال‭ ‬حضوره‭ ‬حيّاً‭ ‬في‭ ‬وجدان‭ ‬الجمهور‭.‬

وعلي‭ ‬المفيدي،‭ ‬خالد‭ ‬النفيسي،‭ ‬مريم‭ ‬الغضبان‭ ‬هل‭ ‬انتهوا؟

الأجساد‭ ‬رحلت،‭ ‬نعم،‭ ‬لكن‭ ‬أرواحهم‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬حاضرة‭ ‬في‭ ‬أعمالهم،‭ ‬وما‭ ‬زالت‭ ‬ملامحهم‭ ‬تسكن‭ ‬الذاكرة،‭ ‬وكأن‭ ‬الزمن‭ ‬لم‭ ‬يستطع‭ ‬أن‭ ‬ينتزعهم‭ ‬منا‭.‬

وهنا‭ ‬يبرز‭ ‬سؤال‭ ‬فلسفي‭ ‬آخر‭:‬

من‭ ‬هو‭ ‬الميت‭ ‬حقاً؟

أهو‭ ‬من‭ ‬توقف‭ ‬قلبه؟‭ ‬أم‭ ‬من‭ ‬غاب‭ ‬أثره؟

ربما‭ ‬يكون‭ ‬الموت‭ ‬الحقيقي‭ ‬ليس‭ ‬أن‭ ‬يرحل‭ ‬الجسد،‭ ‬بل‭ ‬أن‭ ‬يرحل‭ ‬الإنسان‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يترك‭ ‬معنى‭. ‬أما‭ ‬من‭ ‬يترك‭ ‬أثراً‭ ‬في‭ ‬الناس،‭ ‬فإنه‭ ‬يهزم‭ ‬الموت‭ ‬بطريقة‭ ‬ما،‭ ‬لأنه‭ ‬يظل‭ ‬حيّاً‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬والوجدان‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا