العدد : ١٧٥٦٣ - الجمعة ٢٤ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٦٣ - الجمعة ٢٤ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

مقالات

صراع الشرق الأوسط يعيد تشكيل معادلة التضخم ورسم أسعار الفائدة عالميا

بقلم: د. غنية الدرازي

الأربعاء ٢٢ أبريل ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬ظل‭ ‬الأوضاع‭ ‬السياسية‭ ‬الراهنة‭ ‬التي‭ ‬تتسم‭ ‬بدرجة‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬الضبابية‭ ‬وحالة‭ ‬عدم‭ ‬اليقين،‭ ‬تبرز‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬ودول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬كأحد‭ ‬أهم‭ ‬وأبرز‭ ‬محفزات‭ ‬التغير‭ ‬في‭ ‬التوازنات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬العالم‭. ‬فالوضع‭ ‬الحالي‭ ‬والتطورات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬المتلاحقة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬قضايا‭ ‬تتعلق‭ ‬بتوازن‭ ‬القوى‭ ‬الإقليمية‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬عاملاً‭ ‬اقتصادياً،‭ ‬مهماً‭ ‬يؤثر‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬في‭ ‬مسارات‭ ‬التضخم‭ ‬ويعيد‭ ‬رسم‭ ‬سياسات‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬العالمي‭.‬

تاريخياً،‭ ‬تميزت‭ ‬منطقتنا‭ ‬بدورها‭ ‬المحوري‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬النفط‭ ‬والغاز،‭ ‬حيث‭ ‬تسهم‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج‭ (‬حسب‭ ‬إحصائيات‭ ‬2024‭) ‬بنحو‭ ‬21‭.‬8‭% ‬من‭ ‬إنتاج‭ ‬النفط‭ ‬الخام‭ ‬العالمي،‭ ‬وحوالي10‭% ‬من‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسوق‭ ‬عالمياً،‭ ‬وتمتلك‭ ‬حوالي‭ ‬30%‭ ‬من‭ ‬احتياطي‭ ‬النفط‭ ‬الخام،‭ ‬وحوالي‭ ‬21‭% ‬من‭ ‬احتياطي‭ ‬الغاز‭. ‬ومع‭ ‬تنامي‭ ‬التوترات‭ ‬السياسية‭ ‬والأمنية‭ ‬الحالية‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬ارتفعت‭ ‬أسعار‭ ‬الطاقة،‭ ‬واضطربت‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد،‭ ‬ما‭ ‬رفع‭ ‬كلفة‭ ‬النقل‭ ‬والشحن‭ ‬ليس‭ ‬للنفط‭ ‬والغاز‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬لكافة‭ ‬البضائع،‭ ‬منها‭ ‬المواد‭ ‬الأولية‭ ‬والغذائية؛‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬ينعكس‭ ‬سلباً‭ ‬على‭ ‬أسعار‭ ‬السلع‭ ‬والخدمات،‭ ‬ويغذي‭ ‬موجات‭ ‬تضخمية‭ ‬تتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬المنطقة‭ ‬لتشمل‭ ‬الاقتصادات‭ ‬المتقدمة‭ ‬والناشئة‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء‭. ‬بناء‭ ‬على‭ ‬تقديرات‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي،‭ ‬فإن‭ ‬كل‭ ‬زيادة‭ ‬مستدامة‭ ‬بنسبة‭ ‬10‭% ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬ارتفاع‭ ‬التضخم‭ ‬العالمي‭ ‬بنحو‭ ‬0‭.‬40‭ ‬نقطة‭ ‬مئوية،‭ ‬وانخفاض‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬الإجمالي‭ ‬العالمي‭ ‬بنحو‭ ‬0‭.‬1‭% ‬إلى‭ ‬0‭.‬2‭%.‬

ضمن‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬التضخم‭ ‬مقتصراً‭ ‬على‭ ‬كونه‭ ‬ظاهرة‭ ‬نقدية‭ ‬تقليدية‭ ‬مدفوعة‭ ‬بزيادة‭ ‬الطلب،‭ ‬بل‭ ‬أسهمت‭ ‬فيه‭ ‬عوامل‭ ‬اخري‭ ‬ناتجه‭ ‬عن‭ ‬الأوضاع‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬من‭ ‬أهمها‭ ‬زيادة‭ ‬التكاليف‭ ‬المقترنة‭ ‬بصدمات‭ ‬العرض‭. ‬وتكمن‭ ‬خطورة‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬التضخم‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬أدوات‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية‭ ‬التقليدية‭ ‬المتعارف‭ ‬عليها‭ ‬لمعالجة‭ ‬التضخم،‭ ‬مثل‭ ‬رفع‭ ‬سعر‭ ‬الفائدة،‭ ‬تؤثر‭ ‬عليه‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬مباشر،‭ ‬مما‭ ‬يجعل‭ ‬خفضه‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭. ‬وعلى‭ ‬هذا‭ ‬الأساس،‭ ‬تواجه‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية‭ ‬حول‭ ‬العالم،‭ ‬منها‭ ‬الاحتياطي‭ ‬الفيدرالي،‭ ‬تحدياً‭ ‬استراتيجياً‭. ‬أذ‭ ‬إن‭ ‬تشديد‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬رفع‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة،‭ ‬قد‭ ‬يساعد‭ ‬في‭ ‬كبح‭ ‬التضخم‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬ما،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬تظل‭ ‬أداة‭ ‬غير‭ ‬مباشرة‭ ‬في‭ ‬احتوائه،‭ ‬وقد‭ ‬تضعف‭ ‬وتيرة‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭. ‬وعلى‭ ‬العكس،‭ ‬فإن‭ ‬التراخي‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الضغوط‭ ‬التضخمية‭ ‬الحالية‭ ‬ينطوي‭ ‬على‭ ‬مخاطر‭ ‬تساعد‭ ‬على‭ ‬تعزيز‭ ‬التضخم‭ ‬وتحوله‭ ‬إلى‭ ‬نمط‭ ‬هيكلي‭ ‬أكثر‭ ‬استدامة‭.‬

أما‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي،‭ ‬فتجد‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬ذي‭ ‬طابع‭ ‬مزدوج‭ ‬التأثير‭. ‬فمن‭ ‬ناحية،‭ ‬تستفيد‭ ‬من‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬الطاقة‭ ‬العالمية،‭ ‬مما‭ ‬يعزز‭ ‬إيراداتها‭ ‬المالية‭ ‬ويسهم‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬مشروعاتها‭ ‬التنموية‭ ‬ومحافظها‭ ‬السيادية‭ ‬الاستثمارية‭. ‬ومن‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى،‭ ‬تواجه‭ ‬صعوبات‭ ‬تتعلق‭ ‬بارتفاع‭ ‬الأسعار‭ ‬وزيادة‭ ‬مستوى‭ ‬التضخم،‭ ‬وخصوصاً،‭ ‬أن‭ ‬معظم‭ ‬عملات‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬ترتبط‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬بالدولار‭ ‬الأمريكي،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يفرض‭ ‬عليها‭ ‬محاكاة‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية‭ ‬الأمريكية‭.‬

وعلى‭ ‬نطاق‭ ‬أوسع،‭ ‬تسهم‭ ‬التطورات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬الراهنة‭ ‬في‭ ‬تسريع‭ ‬التغيرات‭ ‬الهيكلية‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي،‭ ‬مثل‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬توجه‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬نحو‭ ‬تنويع‭ ‬مصادر‭ ‬الطاقة‭ ‬والتحول‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يُسمى‭ ‬بالطاقة‭ ‬النظيفة‭. ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬التحولات‭ ‬قد‭ ‬تقلل‭ ‬من‭ ‬الثقل‭ ‬الاقتصادي‭ ‬لمنطقة‭ ‬الخليج‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل،‭ ‬فإنها‭ ‬تحمل‭ ‬في‭ ‬طياتها‭ ‬تكاليف‭ ‬انتقالية‭ ‬مرتفعة‭ ‬قد‭ ‬تُبقي‭ ‬معدلات‭ ‬التضخم‭ ‬عند‭ ‬مستويات‭ ‬أعلى‭ ‬من‭ ‬المستهدف‭ ‬فترة‭ ‬أطول‭. ‬المحصلة‭ ‬أن‭ ‬التطورات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬عنصراً،‭ ‬هامشياً،‭ ‬في‭ ‬معادلة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬عاملاً،‭ ‬رئيسياً،‭ ‬يرسم‭ ‬مسارات‭ ‬التضخم‭ ‬واتجاهات‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية‭ ‬الإقليمية‭ ‬والعالمية‭. ‬ومع‭ ‬استمرار‭ ‬حالة‭ ‬عدم‭ ‬اليقين‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬ستظل‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭ ‬عرضة‭ ‬لتقلبات‭ ‬أسعار‭ ‬الطاقة‭ ‬واضطرابات‭ ‬الإمداد،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬تواجه‭ ‬فيها‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية‭ ‬العالمية‭ ‬تحديات‭ ‬معقدة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬توازن‭ ‬بين‭ ‬استقرار‭ ‬الأسعار‭ ‬واستمرارية‭ ‬النمو‭. ‬بينما‭ ‬تتسارع‭ ‬وتيرة‭ ‬التحولات‭ ‬في‭ ‬بنية‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي،‭ ‬يبقى‭ ‬التحدي‭ ‬الأبرز‭ ‬في‭ ‬قدرة‭ ‬الدول‭ ‬على‭ ‬التأقلم‭ ‬مع‭ ‬واقع‭ ‬جديد‭ ‬تتداخل‭ ‬فيه‭ ‬السياسة‭ ‬بالاقتصاد،‭ ‬وتُعاد‭ ‬فيه‭ ‬صياغة‭ ‬قواعد‭ ‬الاستقرار‭ ‬المالي‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدا‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا