ملامح واضحة لمرحلة جديدة من المراجعة الوطنية الشاملة
الملك قاد ملحمة وطنية تاريخية كبرى في مواجهة العدوان
أي تهاون مع الخونة تفريط في حق الوطن
هؤلاء الرجال حماة الوطن لهم علينا حقوق كثيرة
«حديث الضمير الوطني»
هذا ادق توصيف لحديث جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة اثناء استقبال جلالته لعدد من كبار المسؤولين، وما وجه به من تكليفات وتوجيهات.
هو حديث الضمير الوطني لأن ما قاله جلالة الملك وما وجه به هو ما يحتمه الضمير الوطني اليوم في هذه المرحلة الحاسمة التي نمر بها.
البحرين تعرضت لعدوان إيراني إرهابي على امتداد أسابيع. هذا العدوان تطور غير مسبوق في تاريخ البحرين. في مواجهة العدوان سجلت البحرين ملحمة وطنية بكل معنى الكلمة. تجربة مواجهة العدوان كشفت عن الكثير من الايجابيات ومواطن القوة، وكشفت أيضا عن جوانب قصور وسلبيات وظواهر غير وطنية.
ما مرت وتمر به البحرين لا يمكن ان يمضي من دون وقفة تاريخية للتقييم والمراجعة وبناء أسس جديدة للمستقبل.
لهذا جاء حديث جلالة الملك بمثابة توجيه بمرحلة جديدة من المراجعة الوطنية الشاملة في كل مجالات العمل الوطني.. مرحلة نعظم فيها الإيجابيات ومصادر القوة ونعالج السلبيات واوجه القصور.. مرحلة نحاسب فيها كل من خان او قصر في حق الوطن.. مرحلة نضع فيها اسسا لمستقبل تكون فيه البحرين أكثر قوة ومقدرة... مرحلة يعرف فيها الكل معنى حب الوطن ومعنى الولاء الوطني.
لماذا نجحنا؟
اول القضايا الكبرى التي تطرق اليها جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة في حديثه، النجاح التاريخي الكبير الذي حققته البحرين في مواجهة العدوان الإيراني الإرهابي وما فرضته الحرب من ظروف وأوضاع صعبة.
البحرين نجحت في مواجهة العدوان بكفاءة واقتدار ونجحت في تجاوز ما ارتبط بالحرب من ظروف اقتصادية وسياسية صعبة.
جلالة الملك كان حريصا في حديثه على ان يتطرق إلى عوامل هذا النجاح، أي العوامل التي بفضلها تمكنت البحرين من مواجهة العدوان ومن الحفاظ على امن الوطن ورعاية مصالح المواطنين.
حدد جلالة الملك هذه العوامل فيما يلي:
أولا: كفاءة قواتنا الدفاعية والأمنية والدفاع المدني.
بالطبع كان هؤلاء الرجال في قوة دفاع البحرين وأجهزة الأمن المختلفة هم الذين قادوا التصدي للعدوان الايراني الارهابي وافشلوا مخططات العدو بكل كفاءة واقتدار شهد بها الكل في العالم.
هؤلاء الرجال اثبتوا استعدادا مسبقا للتعامل مع أي ازمة، واثبتوا قدرة فائقة في الدفاع عن الوطن وحماية امنه واستقراره والمواطنين والمقيمين.
هؤلاء الرجال افشلوا مخطط العدوان الذي كان يتصور ان بمقدوره اغراق البلاد في الهلع والفوضى والانقسام.
هؤلاء الرجال لهم علينا حقوق كثيرة، وأول حق لهم هو ان نضعهم في المكانة السامية التي يستحقونها كحماة للوطن ومدافعين اشداء عنه وعن امنه واستقراره ومكتسباته.
2 - تماسك المواطنين بالأخوة الصادقة التي تجمعهم.
جلالة الملك في كل احاديثه في الفترة السابقة كان حريصا على ان يبرز هذا العامل كأبرز عوامل النجاح في مواجهة العدوان.
المواطنون البحرينيون اثبتوا طوال فترة العدوان والأزمة وطنيتهم وحرصهم على كل ما يحمي الوطن. المواطنون تعاملوا مع العدوان على الرغم من شناعته بهدوء ومسؤولية والتزام. لم يظهروا أي مظهر للخوف أو الهلع، والتزموا بكل التعليمات والتوجيهات الرسمية ومضوا في أداء واجباتهم واعمالهم بشكل مسؤول.
والمواطنون تسابقوا لإثبات حبهم للوطن والدفاع عنه وكل صور الولاء للقيادة. عشرات الآلاف من المواطن تسابقوا مثلا للتطوع في مختلف المجالات والمواقع لإثبات حبهم للوطن والقيادة.
المواطنون وتماسكهم ووحدتهم هم كما قال جلالة الملك من أكبر عوامل نجاح البحرين في هذا الظرف الصعب.
3 - العمل الجاد المنضبط للحكومة.
الحكومة بقيادة سمو الأمير سلمان بن حمد آل خليفة أدارت الأزمة في مواجهة العدوان بأداء جاد منضبط كما قال جلالة الملك.
المجال لا يتسع للحديث تفصيلا عن كيف أدارت الحكومة الأزمة بنجاح وانضباط، لكن يكفي ان نقول هنا باختصار شديد ان الحكومة ادارت الأزمة بشكل وطني ومسؤول وبأداء متميز يحفظ مصلحة الوطن والمواطن.
بالطبع أعطت الحكومة الأولوية الكبرى لدعم اجهزة الدفاع والأمن في الدور الوطني الذي تقوم به في مواجهة العدوان.
والحكومة تعاملت بشكل سريع وملتزم مع كل مطالب المواطنين في ظل الظرف الصعب الذي تمر به البلاد، واستطاعت ان تؤمن استقرارا اجتماعيا وتحافظ على تماسك المجتمع في مواجهة العدوان.
هذه هي العوامل الثلاثة الكبرى التي ذكرها جلالة الملك لنجاح البحرين في الظروف الحالية وفي مواجهة العدوان.
ما لم يقله جلالة الملك في حديثه هو ان هذا النجاح المشهود ما كان له ان يتحقق، وما كان لهذه العوامل الثلاثة ان تجتمع معا لولا قيادة جلالته للبحرين ولولا ان جلالته وضع مبكرا جدا ومنذ ان تولى مقاليد الحكم أسس وقواعد هذا النجاح الوطني.
المشروع الاصلاحي الكبير لجلالة الملك هو الذي وضع أسس وقواعد بناء الدولة القوية والحكم الوطني الرشيد. في إطار المشروع الإصلاحي تحققت هذه الإنجازات الكبرى وترسخت عوامل القوة والنجاح التي مكنت البحرين من التعامل مع ازمة الحرب والعدوان بهذه الكفاءة العالية والمقدرة الهائلة سواء على مستوى الحكومة وادائها او على مستوى المجتمع وتماسكه.
وفي إطار المشروع الإصلاحي ورؤيته المستقبلية للبحرين تم بناء هذه المنظومة الدفاعية والأمنية القوية برؤيتها الاستباقية واستعدادها وادائها الاحترافي عالي المستوى في مواجهة العدوان وحماية امن البلاد.
وفي اثناء ازمة العدوان والحرب قدم جلالة الملك القدوة في الثبات والثقة في النفس وفي قدرة الوطن على الخروج من الأزمة بنجاح وحفظ مصالح البلاد وكان هذا مصدر الهام للمسؤولين وللمواطنين والمقيمين.
باختصار جلالة الملك قاد ملحمة البحرين التاريخية في مواجهة العدوان.
أوان المراجعة والحساب
حين يمر اي بلد بأزمة او احداث فاصلة كبرى لا بد ان يأتي وقت وتقف مطولا عند ما جرى لتستخلص منه الدروس، ولترسم ملامح المستقبل بناء على ذلك. بعبارة اخرى يجب ان تقوم بعملية مراجعة كبرى على كل المستويات.
واي عملية مراجعة على هذا النحو لا بد ان تتضمن بالضرورة جوانب ثلاثة كبرى:
1 - فهم وتحليل ما جرى من كافة الجوانب الداخلية والخارجية. هدف ذلك هو بداهة تقييم الأداء العام في مواجهة الأزمة، وعوامل القوة والضعف التي كشف عنها الأداء والجوانب الايجابية والسلبية عموما.
هذه خطوة ضرورية لبحث كيفية تعظيم الجوانب الإيجابية وعوامل القوة، ومعالجة السلبيات واوجه القصور.
2 - معرفة من أصاب ومن أخطأ وقت الأزمة. من الذي قام بواجبه على أكمل وجه، ومن قصر او تقاعس. من اثبت ولاءه وحبه للوطن ، ومن خان الوطن والحق الضرر به في أي مجال.
المحاسبة على هذ الأساس امر حاسم إذا كان للوطن ان يمضي الى الأمام على أسس وطنية سليمة.
3 - كيف نبني المستقبل بناء على ما سبق. بمعنى أي أسس يجب ان نضعها للمستقبل بناء على الدروس التي يتم استخلاصها. واي تغييرات يجب إدخالها في مختلف جوانب العمل الوطني على كل المستويات.
هذه هي الجوانب الثلاثة التي يجب ان تتضمنها أي مراجعة وطنية وقت الأزمات الكبرى.
كانت هذه المراجعة من اهم ما تطرق اليه جلالة المك حمد بن عيسى آل خليفة في حديثه.
جلالة الملك وضع هذه المراجعة تحت عنوان عام هو «معالجة تداعيات الحرب الغاشمة والاعتداءات غير المبررة من قبل ايران» على مملكة البحرين بكل الحزم.
وفي هذا الإطار وجه جلالة الملك الى الشروع فورا في خطوتين كبيرتين:
الخطوة الأولى: تكليف سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، خلال المرحلة القادمة، بتنفيذ إجراءات شاملة وحاسمة، من خلال وضع البرامج المناسبة لمعالجة أية نواقص تم رصدها، سواء دفاعيًا أو اقتصاديًا.
رسالة جلالة الملك عبر هذا التكليف واضحة تماما. اننا يجب ان نستفيد من دروس هذه الأزمة لبناء قوة دفاعية أكثر قوة ومقدرة، وبناء اقتصاد وطني أكثر قوة ايضا.
من الملفت هنا ان جلالة الملك في تكليفه ركز أساسا على النواقص والسلبيات وضرورة الشروع فورا في معالجتها. هذا يثبت بعد نظر جلالة الملك وحكمته، فمعيار الاستفادة الأول من الأزمة هو معرفة أوجه القصور ومعالجتها.
كما من الملفت ان جلالة الملك وجه في تكليفه بضرورة ان تكون هذه المعالجة شاملة وحاسمة وعبر برامج علمية واضحة ومحددة.
جلالة الملك يريد رؤية علمية واضحة وشاملة وحاسمة لبناء مستقبل أفضل بناء على دروس الأزمة.
الخطوة الثانية: البدء الفوري في مباشرة ما يلزم تجاه من سوّلت له نفسه خيانة الوطن، أو المساس بأمنه واستقراره، والنظر فيمن استحق المواطنة البحرينية ومن لا يستحقها، لتُطبَّق بحقهم الإجراءات اللازمة.
هذا التوجيه الملكي كان الكل ينتظره. لم يفزع الكل في البحرين مع العدوان الارهابي الإيراني من شيء قدر فزعهم من خيانة البعض للوطن وتآمره مع العدو الإيراني.
خيانة الوطن في كل الأوقات وفي كل دول العالم جريمة خيانة عظمى لا تغتفر. وخيانة الوطن وقت تعرضه للعدوان والتحالف مع العدو اعلى مراحل الخيانة التي لا يمكن ان يتسامح معها أحد في أي بلد في العالم.
هذه الخيانة تعني ببساطة انه لا يوجد أي ولاء للبحرين ولا أي حرص على مصلحتها وامنها واستقرار شعبها.
لا يمكن لخيانة الوطن ان تمضي من دون عقاب وحساب يرتقي لمستوى الجريمة الوطنية الشنيعة التي تمثلها بحق الوطن.
حقيقة الأمر ان أي تهاون في محاسبة الخونة يعد تفريطا في حق الوطن.
لهذا التوجيه الملكي بهذا الشأن امر بديهي ومطلب وطني له أهمية حاسمة.
على هذا النحو اذن رسم جلالة الملك في حديثه الملامح الرئيسية العامة لمرحلة المراجعة الوطنية الشاملة والحازمة.
الأمر المهم هنا ان هذه المراجعة يجب ان تشمل كل جوانب العمل الوطني بلا استثناء وعلى المستويات الرسمية وغير الرسمية، وفي كل المجالات، الدفاع والأمن والاقتصاد والمجتمع.
المراجعة الوطنية التي وجه بها جلالة الملك لا بد ان تشمل كل ما يتعلق بالجبهة الداخلية وبنفس الرؤية والمفهوم الذي قدمه جلالته.. معرفة اوجه الخلل والقصور وبالأخص فيما يتعلق بقضية الولاء الوطني وكيفية معالجتها.
الضمير الوطني
جلالة الملك حين وجه بهذه المراجعة الشاملة للعمل الوطني في مختلف المجالات بشكل سريع وعاجل نبه الى ان هذه ضرورة حتمية لسببين:
الأول: «ان الوضع ما زال دقيقا». كما قال جلالته.
جلالة الملك يقصد ان الوضع في المنطقة وما تتعرض له البحرين من عدوان ما زال خطيرا ولم يحسم بعد. بالإضافة الى هذا فإن المستقبل في المنطقة كلها غامض ولا أحد يستطيع ان يجزم بالتطورات القادمة. وهذه أوضاع تتطلب اقصى درجات الحزم والحسم ومعالجة اي أوجه قصور او سلبيات لضمان استمرا قوة الدولة في مواجهة أي أوضاع.
والثاني: «ان هذا هو ما يمليه علينا الضمير الوطني».
نعم.. الضمير الوطني هو الذي يحتم هذه المراجعة الوطنية، وهو الذي يحتم محاسبة كل من خان ومن قصر في حق الوطن.
الضمير الوطني هو الذي يحتم وقفة حازمة مع النفس اليوم وتصويب المسار.
جلالة الملك اختتم حديثه بكلمات بليغة في حب البحرين عندما قال جلالته: «الوطن امانة كبرى شرفا وعرفا ولا تهاون في التفريط به او الاخلال بواجباته.. وطننا العزيز يستحق منا جميعا الفداء بالروح وبالغالي وبالنفيس».

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك