العدد : ١٧٥٦٣ - الجمعة ٢٤ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٦٣ - الجمعة ٢٤ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

مقالات

مساحة رمادية
من نحن بدون وطن؟

أحمد عبدالحميد

الأربعاء ٢٢ أبريل ٢٠٢٦ - 02:00

البعض‭ ‬يتصور‭ ‬أن‭ ‬حب‭ ‬الوطن‭ ‬مجرد‭ ‬أشعار،‭ ‬أو‭ ‬أغنية‭ ‬يرددها‭ ‬من‭ ‬حين‭ ‬إلى‭ ‬آخر،‭ ‬لكن‭ ‬الحقيقة‭ ‬الأعمق‭ ‬أن‭ ‬حب‭ ‬الوطن‭ ‬لا‭ ‬يُقاس‭ ‬بما‭ ‬يُقال،‭ ‬بل‭ ‬بما‭ ‬يُفعَل؛‭ ‬ليس‭ ‬بالأبيات‭ ‬المنمّقة،‭ ‬بل‭ ‬بكل‭ ‬عمل‭ ‬يقدّمه‭ ‬الإنسان‭ ‬لرفعة‭ ‬وطنه‭.‬

من‭ ‬هنا،‭ ‬يصبح‭ ‬الانتماء‭ ‬الحقيقي‭ ‬موقفًا‭ ‬عمليًّا،‭ ‬ويصبح‭ ‬الولاء‭ ‬لغير‭ ‬الوطن‭ ‬انحرافا‭ ‬أخلاقيا‭.‬

الوطن‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬حدود‭ ‬مرسومة‭ ‬على‭ ‬خريطة،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬امتداد‭ ‬للذات‭.‬

الوطن،‭ ‬نشكّله‭ ‬بوعينا‭ ‬وتجاربنا،‭ ‬وهو‭ ‬يشكّلنا‭ ‬بقيمه‭ ‬وثقافته‭ ‬وتاريخه،‭ ‬ويترك‭ ‬أثره‭ ‬فينا‭ ‬إلى‭ ‬نهاية‭ ‬العمر‭.‬

لذلك‭ ‬يبرز‭ ‬سؤال‭ ‬فلسفي‭ ‬جوهري،‭ ‬هل‭ ‬حب‭ ‬الوطن‭ ‬واجبٌ‭ ‬أخلاقي،‭ ‬أم‭ ‬مجرد‭ ‬خيار‭ ‬شخصي؟‭ ‬

الوطن،‭ ‬ليس‭ ‬اختيارًا‭ ‬عابرًا،‭ ‬بل‭ ‬إطارًا‭ ‬يفرض‭ ‬على‭ ‬الفرد‭ ‬مسؤوليات‭ ‬تتجاوز‭ ‬ذاته‭.‬

فإذا‭ ‬كان‭ ‬الانتماء‭ ‬إلى‭ ‬الوطن‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الواجب،‭ ‬فإن‭ ‬خيانته‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تبريرها‭ ‬بالمصلحة‭ ‬أو‭ ‬المنفعة‭.‬

الخيانة‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬مخالفة‭ ‬قانونية،‭ ‬بل‭ ‬خرقًا‭ ‬لقاعدة‭ ‬أخلاقية‭ ‬تقوم‭ ‬عليها‭ ‬الثقة‭ ‬بين‭ ‬الفرد‭ ‬ومجتمعه‭.‬

ويجبُ‭ ‬أن‭ ‬يعلم‭ ‬الجميع‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬فارقًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬بين‭ ‬الانفتاح‭ ‬والتبعية،‭ ‬يمكن‭ ‬للإنسان‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬منفتحًا‭ ‬على‭ ‬العالم،‭ ‬متفاعلا‭ ‬مع‭ ‬ثقافاته،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يفقد‭ ‬بوصلته‭ ‬الداخلية‭. ‬الخطر‭ ‬لا‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬العلاقة‭ ‬مع‭ ‬الخارج،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬إلى‭ ‬بديل‭ ‬عن‭ ‬الانتماء،‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬لتقويضه‭.‬

وحين‭ ‬يصبح‭ ‬الإنسان‭ ‬معلقًا‭ ‬بين‭ ‬ولاءاتٍ‭ ‬متناقضة،‭ ‬لا‭ ‬ينتمي‭ ‬بالكامل‭ ‬إلى‭ ‬مكان‭ ‬ما،‭ ‬ولا‭ ‬يجد‭ ‬ذاته‭ ‬هناك،‭ ‬فإنه‭ ‬يسقط‭ ‬في‭ ‬دائرة‭ ‬فقدان‭ ‬الهوية‭ ‬واضطراب‭ ‬الانتماء‭. ‬

ويجبُ‭ ‬أن‭ ‬يدرك‭ ‬الجميع‭ ‬أن‭ ‬الولاء‭ ‬للوطن‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬موقف‭ ‬عاطفي‭ ‬أو‭ ‬خيار‭ ‬فردي،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬تفعيل‭ ‬للقيم‭ ‬الدينية‭ ‬والأخلاقية‭ ‬التي‭ ‬تؤكد‭ ‬أهمية‭ ‬الانتماء‭ ‬والوفاء‭ ‬للأرض‭ ‬التي‭ ‬نشأ‭ ‬فيها‭ ‬الإنسان‭ ‬وترعرع‭ ‬على‭ ‬خيراتها‭.‬

كما‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬القبول‭ ‬بأن‭ ‬تُختزل‭ ‬اختلالات‭ ‬الولاءات‭ ‬أو‭ ‬الانحراف‭ ‬عنها‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬‮«‬وجهات‭ ‬نظر‮»‬‭ ‬متباينة‭ ‬تتعارض‭ ‬مع‭ ‬الوطن؛‭ ‬لأن‭ ‬المساس‭ ‬بمبدأ‭ ‬الولاء‭ ‬لا‭ ‬يدخل‭ ‬في‭ ‬نطاق‭ ‬التنوع‭ ‬الفكري‭ ‬المشروع،‭ ‬بل‭ ‬يمسّ‭ ‬جوهر‭ ‬الانتماء‭ ‬والاستقرار،‭ ‬ويهدد‭ ‬وحدة‭ ‬المجتمع‭ ‬وتماسكه‭.‬

ويمكن‭ ‬فهم‭ ‬لماذا‭ ‬تُعدّ‭ ‬الخيانة‭ ‬من‭ ‬أخطر‭ ‬الجرائم‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬القوانين‭ ‬عبر‭ ‬العالم؛‭ ‬فالتشريعات،‭ ‬على‭ ‬اختلاف‭ ‬أنظمتها‭ ‬وثقافاتها،‭ ‬تتعامل‭ ‬مع‭ ‬خيانة‭ ‬الوطن‭ ‬باعتبارها‭ ‬جريمة‭ ‬تمسّ‭ ‬جوهر‭ ‬الدولة‭ ‬والمجتمع،‭ ‬ففي‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬تصل‭ ‬عقوبة‭ ‬الخيانة‭ ‬إلى‭ ‬أقصى‭ ‬درجات‭ ‬العقوبات،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬السجن‭ ‬المؤبد‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬الإعدام‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأنظمة‭ ‬القانونية،‭ ‬وهذا‭ ‬التشدد‭ ‬لا‭ ‬يعكس‭ ‬قسوة‭ ‬القانون‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬خطورة‭ ‬الفعل‭ ‬ذاته؛‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬الخيانة‭ ‬لا‭ ‬تضر‭ ‬بفرد‭ ‬أو‭ ‬مؤسسة‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬تهدد‭ ‬أمن‭ ‬المجتمع‭ ‬واستقراره،‭ ‬وتقوّض‭ ‬الثقة‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬عليها‭ ‬الدولة‭.‬

تتجلى‭ ‬هذه‭ ‬القيم‭ ‬بوضوح‭ ‬فيما‭ ‬شهدته‭ ‬بعض‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭ ‬من‭ ‬ضبط‭ ‬خلايا‭ ‬متهمة‭ ‬بالتخابر‭ ‬مع‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري‭ ‬الإيراني؛‭ ‬إذ‭ ‬تعكس‭ ‬هذه‭ ‬القضايا‭ ‬نموذجًا‭ ‬حيًّا‭ ‬لخطورة‭ ‬الولاءات‭ ‬الخارجية‭ ‬عندما‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬أدوات‭ ‬للإضرار‭ ‬بمصالح‭ ‬الأوطان‭.‬

فمثل‭ ‬هذه‭ ‬الأفعال‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬آثارها‭ ‬على‭ ‬الجانب‭ ‬الأمني‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬لتقويض‭ ‬الثقة‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع،‭ ‬وإضعاف‭ ‬التماسك‭ ‬الوطني،‭ ‬وتهديد‭ ‬الاستقرار‭ ‬السياسي‭ ‬والاقتصادي‭. ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬تفتح‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬التدخلات‭ ‬الخارجية‭ ‬في‭ ‬الشؤون‭ ‬الداخلية،‭ ‬بما‭ ‬يمسّ‭ ‬سيادة‭ ‬الدول‭ ‬ويعرّض‭ ‬أمنها‭ ‬للخطر‭.‬

ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق،‭ ‬يمكن‭ ‬فهم‭ ‬التشدد‭ ‬القانوني‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬الجرائم،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬بوصفها‭ ‬مخالفات‭ ‬فردية،‭ ‬بل‭ ‬باعتبارها‭ ‬تهديدًا‭ ‬مباشرًا‭ ‬لكيان‭ ‬الدولة‭ ‬ومصالحها‭ ‬العليا‭. ‬فالوطن‭ ‬كما‭ ‬يؤكد‭ ‬جلالة‭ ‬الملك‭ ‬المعظم‭ ‬أمانة‭ ‬كبرى،‭ ‬وأي‭ ‬إخلال‭ ‬بهذه‭ ‬الأمانة‭ ‬ينعكس‭ ‬سلبًا‭ ‬على‭ ‬المجتمع‭ ‬بأكمله‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا